دوستويفسكي وكازانتزاكيس وجواد سليم في عيون زوجاتهم

شهادات «نسوية» عن التكلفة الباهظة للاقتران بالمبدعين

لورنا وجواد سليم
لورنا وجواد سليم
TT

دوستويفسكي وكازانتزاكيس وجواد سليم في عيون زوجاتهم

لورنا وجواد سليم
لورنا وجواد سليم

لطالما بدا الإبداع الأدبي والفني ضرباً من الجنون واللا سوية و«الانحراف» السلوكي. وإذا كانت هذه النظرة تنطبق على الكتاب والفنانين بوجه عام، فهي تأخذ صورة أكثر وضوحاً بالنسبة لأولئك الذين يخرجون عن النصوص والمفاهيم السائدة، ليقيموا ممالكهم فوق أرضٍ مأهولة بالجدة والمغايرة واللايقين. ولأن الموهبة وحدها لا تكفي للوصول بتلك المغامرة إلى ذراها الأخيرة، فإن معظم المبدعين الكبار يجدون أنفسهم مجبرين على الانكفاء إلى عزلاتهم المغلقة وعوالمهم الباطنية للتنقيب عن أثمن ما في دواخلهم من كنوز. فهم يحتاجون لكي يذهبوا بعيداً في المغامرة إلى كامل حضورهم في العالم، وإلى كامل حصتهم من الحرية والهواء والنزق والحب والشغف بالحياة. ولأنهم كذلك، فقد بدوا على امتداد الأزمنة عصيين على الامتثال والتدجين والانضواء التقليدي في كنف المؤسسات.
من هذا المنطلق يمكن أن نفهم السبب الحقيقي الذي دفع كثيرين منهم إلى إيثار الحب على الزواج، حيث يرمز الأول إلى زمن «الاشتداد» الضاري، فيما يرمز الثاني إلى زمن «الامتداد» الممل، على حد تعبير صادق جلال العظم. وبما أن وضع التجارب الزوجية للمبدعين في خانة واحدة هو نوع من التعسف ومجافاة الحقيقة، فقد آثرت عبر هذه المقالة، والمقالة التي ستليها، أن أترك هذه المهمة في عهدة النساء اللواتي كتبن بأنفسهن سيراً ومذكرات واعترافات مختلفة عن علاقاتهن بأزواجهن المبدعين، ممن تشاطرن معهم حيواتٍ وسنوات عيش بدت، على تفاوت مسراتها وغصاتها، أقرب إلى «الرقص مع الذئاب» منها إلى أي شيء آخر!

مذكرات أنّا غرغوريغنا
«لم أفكر يوماً في كتابة المذكرات، فأنا أفتقر إلى الموهبة الأدبية، وكنت طوال عمري مشغولة بإصدار مؤلفات زوجي الراحل»، تقول أنّا غريغوريغنا، زوجة دوستويفسكي الثانية، في مقدمة الكتاب الذي عرضت من خلاله بعضاً من سيرتها مع صاحب «الجريمة والعقاب». وهي تعترف في الوقت ذاته بأن ما دفعها إلى الكتابة هو تدهور صحتها، وخوفها من أن يضيع مع رحيلها كثير من التفاصيل والوقائع التي قد يهتم القراء بمعرفتها وكشف النقاب عنها.
على أن عدم انتساب غريغوريغنا إلى أندية الكتابة وعالم التأليف لم يمنعها من تقديم صورة وافية عن المجتمع الروسي في أواسط القرن التاسع عشر، وما تخلله من اضطرابات سياسية واجتماعية، وعن وجوه الاستبداد القيصري التي أودت بحياة عدد من الكتاب المؤازرين للثورة، من مثل بوشكين وليرمنتوف، فيما استطاع دوستويفسكي من جهته أن يفلت بأعجوبة من مصير مماثل. وإذا كانت نجاة الكاتب المناهض لنظام الرق والاستبداد القيصري من الحكم بإعدامه قد أسهمت في رفع منسوب توتره النفسي والمرضي، فإنها أسهمت من جهة أخرى -كما ترى الزوجة- في زيادة تعلقه بالحياة، وتطوير تجربته الروائية.
ويُحسب للكاتبة أنها لم تشأ الخروج خالية الوفاض من الزواج غير المتكافئ بينها وبين صاحب «الإخوة كارامازوف»، بعد أن عملت في البداية مساعدة له في تدوين رواياته، بل عرفت كيف تفيد من ثقافته الواسعة وثروته التعبيرية وطريقته في السرد. كما حاولت -قدر استطاعتها- تقديم بورتريه مقنع تفصيلي عن شريك حياتها «ذي الوجه الشاحب كوجوه المرضى» الذي يتفاوت بؤبؤا عينيه في اللون والاتساع، بحيث يكاد أحدهما يحتل فضاء العين ويأتي على معظم القزحية بفعل التأثير البالغ لدواء نوبات الصرع. غير أننا لن نعثر أبداً في مذكرات أنّا غريغوريغنا على ما يشي بأي شعور بالمنافسة أو الصراع الضمني بينها وبين زوجها الكاتب، ولن نعثر بالمقابل على كل ما يتصل بوجوه العلاقة العاطفية والجسدية بين الزوجين، بل إن الوجه الأمومي لأنّا الطافح بالحنو والحدب والتفاني في خدمة الزوج يطغى بشكل واضح على صورتها الأنثوية، ويكاد يحجبها بشكل كامل.
لكن إقرار صاحبة المذكرات بعدم انتسابها إلى الوسط الأدبي في مجتمع القرن التاسع عشر الروسي لم يمنعها من إظهار معرفتها الوثيقة بتجربة دوستويفسكي، ومن الكشف عن بعض الخيوط الخفية التي تربط بين الواقعي والمتخيل في كثير من أعماله، فهي تشير إلى أن في رواية «المقامر» كثيراً من شخصية زوجها الذي كان مولعاً بهذه اللعبة الخطرة التي أفقدته كل ما جناه في حياته الشاقة من أموال. كما تطلعنا الكاتبة على أن زوجها قد اتخذ من مربية ابنه الأصغر نموذجاً شبه كامل لشخصية العجوز التي تتصدق للكنيسة عن روح ابنها الغائب في رواية «الإخوة كارامازوف»، إضافة إلى شحن الرواية المذكورة ببعض هذيانات زوجته الأولى المتأتية عن وفاة ابنهما ألكسي. ومع أن أنّا تشير إلى العلاقة الوثيقة التي جمعت بين دوستويفسكي وتولستوي، فإنها تفاجئ قراءها بالإشارة إلى أن القدرات الخطابية الهائلة للأول هي التي دفعت الثاني إلى التهرب من إحدى المناسبات السياسية الحاشدة خشية أن تضعه المقارنة مع زميله الساحر «في موقف محرج لا تُحمد عقباه».

إيليني ساميوس في ظل كازانتزاكيس
تعترف الكتبة اليونانية إيليني ساميوس، من جهتها، بأنها كتبت «المنشق» الذي قدمت من خلاله فصولاً مهمة من سيرة زوجها نيكوس كازانتزاكيس بناء على رغبة صاحب «زوربا اليوناني» الذي أسرّ إليها بأنها الشخص الوحيد القمين بهذه المهمة لأنها الكائن الألصق به الأقرب إلى قلبه، وهي التي تشاطرت معه ثلث قرن كامل من رغد العيش وآلامه ومتاعبه. وإذا كانت مؤلفة الكتاب قد حرصت على إيلاء الجانب العاطفي الذي جمعها بالكاتب اليوناني الشهير ما يتطلبه من اهتمام وتعقب دؤوب لمسار العلاقة بين الطرفين، فإنها قد حرصت في الوقت ذاته على تقديم صورة وافية عن ذلك الجزء من القرن العشرين الذي انتمى إليه الكاتبان، وما شهده من حروب وأهوال وتغيرات في الثقافة والمفاهيم وأنماط الحياة المختلفة. ومع أن أنّا غريغوريغنا قد حاولت في مذكراتها أن تفعل الشيء ذاته، فإن الفارق بين التجربتين لا ينحصر في كون هذه الأخيرة أقل ارتباطاً بعالم الكتابة من مثيلتها اللاحقة، بل في حرص إيليني -بسبب موهبتها المتميزة وانخراطها في صناعة الأحداث- على تحويل كتابها إلى بانوراما شاملة تتسع مروحتها لما عايشه الثنائي العاشق من أحداث سياسية واجتماعية وثقافية.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن تجعل إيليني ساميوس من الرسائل التي دأب كازانتزاكيس على كتابتها إليها العمود الفقري لكتاب «المنشق»، ذلك أن تلك الرسائل لم تقتصر مضامينها على البوح العاطفي الحميم فحسب، بل عمل الكاتب اليساري على تحويلها إلى منصة مهمة للتعبير عن مواقفه الجريئة من أحداث عصره، فضلاً عن آرائه المتقدمة في الأدب والفكر. لكن النقطة الأهم التي ينبغي للقارئ الوقوف عليها، لما تحمله من عبر ودلالات، هي تلك المتصلة بغرابة العلاقة بين الطرفين، والتي شاء لها كازانتزاكيس أن تكون على مقاس مزاجه الشخصي وظروفه الحياتية. فقد اقترح الكاتب على إيليني، في السنوات العشرين السابقة على الزواج، أن تقتصر لقاءاتهما المباشرة على عشرة أيام في السنة لا أكثر، وأن يقضيا بقية العام في حالة تباعد تام، باستثناء ما يتبادلانه من رسائل. ومع أن كازانتزاكيس كان يهدف من وراء ذلك، كما قال لساميوس، إلى منع عاصفة الحب التي جمعتهما من الركود، كما إلى التفرغ لمشروعه الروائي الشاق، فقد كان الأمر قاسياً أشد القسوة على إيليني التي كانت تحتاج إلى من يشاطرها لحظات الوحشة والضعف وأعباء الحياة اليومية. ومع ذلك، فإنها قبلت التحدي مؤثرة الوقوف إلى جانب الرجل الذي أحبته، ولو تطلب الأمر كثيراً من التضحيات والتنازلات الشخصية. لكن اللافت في الكتاب الضخم الذي يتجاوز عدد صفحاته الخمسمائة خلوه من الرسائل التي بعثت بها إيليني إلى كازانتزاكيس، على الرغم من أن نشرها كان يمكن أن يضيف نكهة خاصة إلى أدب الرسائل المتبادلة بين الأدباء، مما يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان هذا الامتناع ناجماً عن إصرار المؤلفة الشخصي على البقاء في ظل القامة الشاهقة للكاتب الذي تعلقت به أم بناء على رغبة الزوج ولأسباب ذكورية بحتة.

سنوات لورنا مع جواد سليم
لم يكن ليدور في خلد الفنانة البريطانية لورنا هيلز، من جهة أخرى، أن تحول بعضاً من وقائع حياتها المشتركة مع الفنان العراقي الشهير جواد سليم إلى كتاب مستقل، لو لم تقترح الكاتبة العراقية إنعام كجه جي على أرملة سليم مساعدتها في تنفيذ هذه الفكرة في أثناء المعرض الفني الذي أقامته هيلز في لندن عام 1989. هكذا جاء كتاب «لورنا / سنواتها مع جواد سليم» ثمرة اللقاءات الطويلة التي تولت خلالها الثانية سرد حكايتها المؤثرة مع صاحب «نصب الحرية»، فيما عملت الأولى على صوغ ما سمعته بأسلوبها المميز ولغتها الرشيقة البعيدة عن الإطناب والإفاضة الإنشائية.
ومع أن لورنا وسليم ينتميان إلى بيئتين مختلفتين تمام الاختلاف على المستويين الحضاري والاجتماعي، فإنها لا تكشف في الكتاب عن أي تبرم يُذكر بنمط الحياة السائد في العراق في مطالع خمسينيات القرن الفائت، بل تعبّر بصفتها رسامة عن افتتانها بشمس تلك البلاد الباهرة في سطوعها الدائم وتدرجاتها اللونية المترعة بالضوء، مظهرة تبرمها من قتامة الألوان المضببة الرمادية في بلدها الأم. لهذا السبب يبدو الاختلاف واضحاً بين التجربة العاطفية والحياتية الناجحة لسليم ولورنا، والتجارب المماثلة لسهيل إدريس والطيب صالح والحبيب السالمي، حيث سوء التفاهم الحضاري يؤدي في الأعم الأغلب إلى تصدع العلاقات العاطفية وانهيارها. ومن يتمعن في خلفية الكتاب لا بد أن يصل إلى استنتاج مفاده أن ولاء الثنائي الزوجي للفن والجمال هو الذي سهل على الحب الذي يجمعهما سبيل الوصول إلى مآلاته الإيجابية.
وإذ تكشف هيلز عن الانفتاح الملحوظ للمجتمع العراقي زمن الملكية الذي أخذ لاحقاً في التراجع والانكماش -حسب رأيها- تكشف في المقابل عن شغف عبد الكريم قاسم الذي تزعم الثورة على العهد الملكي بالفن والثقافة، الأمر الذي دفعه إلى إيفاد سليم إلى إيطاليا لإنجاز جداريته الضخمة. كما تحرص لورنا على أن تقدم زوجها في صورة الرجل المثالي الذي أخلص في حبه لزوجته وابنتيه، بقدر ما أخلص لفنه وبلاده، نافية احتمال أن يكون قد عاش مغامرات عاطفية خارج البيت، معتبرة إياه زوجاً مستقيماً يمكن الوثوق به، وفق اعترافاتها لكجه جي. أما الطريقة التي قضى بها جواد سليم نحبه، حيث أفضى تسلقه للسلالم المفضية إلى قمة جداريته إلى إصابته بالنوبة القلبية التي أسلم بعدها الروح، فهي لا تجعل منه الشهيد الذي قضى على مذبح الولاء للفن والوطن فحسب، بل لعلها تعكس في إطارها الرمزي أعمق ما تتمخض عنه العلاقة بين الفن والحياة من جهة، وبين الجمال والموت من جهة أخرى. كأن قلب النحات العبقري شاء أن يمهله الفترة الكافية لإنجاز ذروة أعماله النحتية، حتى إذا أطل من هذه الذروة على العالم، توقف القلب المعطوب عن الخفقان، تاركاً للجسد المهيض أن يفنى، وللجمال الذي صنعه بنفسه أن ينوب عنه في رحلة البحث عن الخلود.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended