قصائد تروي قصصًا من دون أن تنزلق إلى فعل القصّ

نصوص لصلاح نيازي بالإنجليزية على يد 12 مترجمًا

غلاف المختارات
غلاف المختارات
TT

قصائد تروي قصصًا من دون أن تنزلق إلى فعل القصّ

غلاف المختارات
غلاف المختارات

صدرت عن دار «Waterloo Press» في المملكة المتحدة مجموعة شعرية جديدة للشاعر صلاح نيازي، تحمل عنوان «قلعة دزه». تضم المجموعة 22 قصيدة تم اختيارها من مجموعاته الشعرية السابقة. وقد قام بترجمة هذه القصائد 12 مترجما، فيما أسهم الشاعر والمترجم البريطاني ديفيد أندرو في مراجعة النصوص المترجمة وتحريرها.
لا تخضع هذه القصائد إلى تسلسل زمني معين، ولا تجمعها تيمة محددة بعينها. فلقد وقع اختيار المترجمين على بعض القصائد اعتمادا على ذائقتهم الشخصية التي استجابت لهذه النصوص وتفاعلت معها، الأمر الذي شجعّهم على ترجمتها وتقديمها إلى القارئ البريطاني.
يقيم الشاعر صلاح نيازي بلندن منذ عام 1963، وقد قرأ خلال خمسة عقود الكثير من الشعر البريطاني، فلا غرابة في أن يكتب شعرا ذا نفس كوني. وبعض تيمات هذه القصائد يترجح بين المحلية والعالمية.
يمكننا القول بأن غالبية قصائد نيازي تقوم على فكرة واضحة المعالم تروي قصة ما من دون أن تنزلق إلى فعل القصّ، ذلك لأن قصيدته تسعى دائما لأن تظل في مسارها الشعري، لكن هذا لا يمنع من التجاور مع الأجناس الإبداعية الأخرى أو التلاقح معها كلما دعت الحاجة الفنية إلى ذلك. ففي قصيدة «البلوغ» التي تفتتح الديوان وتشكّل عتبة شجاعة في الولوج إلى المناطق الحذرة التي لا يطؤها بعض الشعراء العرب لأنها تنطوي على كثير من البوح الجريء والمكاشفة الإنسانية التي تجرّدنا من البراءة حتى وإن كنا نعيش ذات يوم في مراحل الطفولة التي نأت بعيدا لكنها، حينما بلغنا الحُلم، أخذت أشكالا إيروسية تفضح رغباتنا المقموعة أو المحتجبة التي لا تجد طريقها إلى العلن إلا بشق الأنفس.
ويتجاور الحوار والسرد القصصي والقول المأثور الذي يرتقي إلى مستوى الحكمة في قصيدة «التعدد» من دون أن يربك الإيقاع الشعري للنص برمته. فإذا كانت «الحياة هدية» أو هبة من الله (جلّ في علاه) فإن «سي علي»، الشخص التونسي الحكيم يُعمِّق هذا النص الشعري ويمنحه بُعدا فلسفيا حينما يقول: «الحياةُ دولاب تصعد فيه طفلا وتنزل شيخا»، وهي مقولة منطقية تنطوي على قدر كبير من المصداقية واليقين والصورة الشعرية المُنتزعة من فلسفة الحياة نفسها.
في قصيدة «ديسكو» يرسم نيازي لوحة فنية قوامها الصوت والأضوية الليزرية الملونة، وهي صورة شعرية مُبتكرة لم يسبقها إليه أحد من قبل، كما أن تيمتها فانتازية، حيث يصوِّر الشاعر الرأس البشري في هذا الديسكو يكبر ويكبر بلا انقطاع حتى «تدبّ فيه الألوان والحشرات المنشارية» الناجمة عن حركة هذه الأضوية الساحرة التي تغمر وجوه الراقصين المحشورين في عُلبة الرقص الليلية.
تحتاج قصيدة «عشتار تنذر نفسها بغيّا» إلى دراسة منفصلة كي نقف على مضمونها العميق، وصورها الشعرية الجميلة الصادمة التي لا تغادر ذاكرة المتلقي بسهولة. فمن المعروف عن نيازي أنه يمحض «ملحمة جلجامش» حُبا من نوع خاص، فلا غرابة أن يكتب هذه القصيدة الطويلة من جهة، أو أن يفرد كتابا عن «فن الشعر» في هذه الملحمة من جهة أخرى. ومَنْ يريد قراءة هذه القصيدة فعليه أن يتكئ على الملحمة ذاتها، أو يجعل منها مشهدا خلفيا يمتح منه بعض الوقائع والأحداث التي ذوّبها الشاعر في متن هذا النص وتضاعيفه الشعرية الأخّاذة.
يحضر شقيق الشاعر الراحل الذي قُتل غيلة وغدرا من قِبل أعوان النظام العراقي السابق في هذه القصيدة تحديدا وفي قصائد أخرى كتبها نيازي في أوقات متباعدة وكأن هذه الحادثة المرعبة لا تريد أن تغادر ذاكرة الشاعر. لنمعن النظر في الأبيات الآتية: «كدتُ أسمعها تصيح باسمي: صلاح/ منذ سنوات بعيدة والمخلب في خاصرتي/ وحين أكون وحيدا أسمع اسمي/ ألتفت فلا أرى أحدا». يعقد الشاعر مقارنة في هذا النص بين الحمامة التي اختطفها صقر جارح وغرز مخالبه في خاصرتيها، وبين المخلب المغروز في خاصرة الشاعر منذ لحظة اغتيال أخيه وحتى الآن، وسوف يستمر هلع الشاعر إلى أجل غير مسمى. ثمة إشارة مهمة في هذه القصيدة لا بد من الوقوف عندها وهي الانتحار الغامض للفنان التشكيلي (إبراهيم) الذي يُعتقد أنه أقدم عليه نتيجة إحساسه باليأس المطلق من السياسة والفن والفكر. لسنا هنا بصدد البحث عن أسباب هذا الانتحار سواء أكانت سياسية أم عاطفية أم وجودية، لكن المهم في هذه الإشارة هو التركيز على فكرة الضعف البشري التي توقف عندها نيازي غيرة مرة، وذلك لأهميتها وسطوتها على الكائن البشري المكابر الذي لا يريد أن يعترف مهما كان قويا جبّارا، لكنه يظل هشا وضعيفا، وكما يقول نيازي في هذه القصيدة: «كلما ازداد الرجلُ قوّة ازداد ضعفا». سيحضر شقيق الشاعر في قصيدة «التفتيش عن شقة» على هيئة عصفور يحاول الطيران لكنه يرتطم بسيارة هذه المرة ويفارق الحياة، فيضعه الشاعر في مظروف جديد خال من أي عنوان ويتركه على الأرض المعشوشبة بصمت ووقار.
تُعتبر قصيدة «قلعة دزه» نصا ملحميا بامتياز قوامه الكارثة التي حلّت بأبناء هذه المدينة المفجوعة. ولكي يمهد الشاعر للولوج إلى هذا الجو الملحمي فقد انطلق من الذات إلى الموضوع، والذات هنا هي ذات شاعرية مرهفة الإحساس، ترى ما لا يراه الآخرون، وتشعر بما لا يشعرون به. لقد كان الشاعر عاديا قبل أن يقرأ جريدة الصباح، لكن إحساسه المرهف أشعرهُ بأشياء كثيرة من بينها: «لم يكنْ للشاي طعمُ الأهلِ البعيدين هذا الصباح/ ولا للخبزِ ليونةُ الحقلِ ودفءُ الأيادي المتحابّة». ثم يتساءل الشاعر: «لِمَ بدتْ حتى الأشجار متعبةً من الوقوف؟/ ووجوهُ الأطفال متعسّرة؟». لا شك في أن هذه المقدمات أو الصور الشعرية الدالة على الرتابة والحزن والانكسار تهيئ لوقوع كارثة من نوع ما. فحتى الحوارات مقتضبة كالتعزية. لقد تأخرت المعجزة في المجتمع المدحور الذي تتشابه فيه الأيام والأشياء مثل أمواج مياه آسنة تعزّز الرتابة والركود. لا يعرف الشاعر أين تقع قلعة دزه.. ولماذا سميت قلعة.. فيجيب: «لا بدّ أن تأريخَها منغّص بالحروب». إنّ ما يهمّ القارئ هو معرفته لما حدث للشاعر بعد قراءته لجريدة الصباح، حيث انقلب مزاجه العادي رأسا على عقب وأدخلنا معه في مناخ الكارثة التي يعيشها أبنا قلعة دزه. لنتأمل الأبيات الثلاثة الآتية: «تقول الجريدة آلافُ الآدميين بثياب النوم/ يُجَرّون من الأبواب من شعر الرؤوس/ يُلطمون على الأسنان بأعقاب البنادق». وعلى الرغم من قساوة هذه الصور المؤسية ووحشيتها فإن التصعيد يبلغ ذروته حينما نسمع ما قاله للشاعر الصديق الهارب توا «كنتُ مثلَ أعمى مهدّدٍ بالاغتيال/ يركضُ في كلّ اتجاه وأُذُناه في دردور/ كيفَ تُواسي أعمى مهددا بالاغتيال؟».. إن صورة الأعمى المُهدد بالاغتيال هي صورة غير مألوفة تعمق من وقع المأساة وتصدمنا جميعا إلى الدرجة التي تجعلنا نتماهى مع هذه الشخصية المرعوبة وربما نتبادل معها الأدوار!
تتضمّن هذه القصيدة المتفردة صورا أخرى غير مسبوقة لا تقل أهمية عن سابقتها. فالشاعر يطلب من عناصر الطبيعة أن تقاتل مع الضحايا، فلا غرابة أن يطرح هذا السؤال الذي ينطوي على شيء من الفانتازيا المنطقية حيث يقول: «لماذا لا تنزعُ الجبالُ صخورها وتحارب؟/ تسدُّ الطرقاتِ في الأقلّ؟!»، وربما ينسحب الأمر على الصواعق والرعود والأمطار والأنهار والأشجار وما إلى ذلك. الآن وبعد أن اتضحت جسامة الكارثة يختم نيازي نصه المأساوي بصورة سريالية سينمائية حيث يقول: «الدرّاجاتُ الناريّةُ في مقدّمةِ اللوريات الجرّارة/ تقودُ قلعةَ دِزَهْ برمّتها».
تتوزع تيمات هذه المجموعة الشعرية بين الحُب والحرب، والموت والمنفى، والطفولة والصبا، والشباب والشيخوخة، وما إلى ذلك. وميزة هذه القصائد أنها جديدة في لغتها الفذة، ومبتكرة في صورها الشعرية، وأنها قادرة على البقاء لمدة زمنية طويلة.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».