غيوم ميسو... هل تطرّف في اللعب بروايته الجديدة؟

الأديب الأكثر مبيعاً باللغة الفرنسية منذ 10 سنوات

غيوم ميسو
غيوم ميسو
TT

غيوم ميسو... هل تطرّف في اللعب بروايته الجديدة؟

غيوم ميسو
غيوم ميسو

الرواية الأخيرة للأديب الفرنسي الشهير غيوم ميسو «الحياة رواية»، أبصرت النور قبل أيام باللغة العربية، وصدرت عن دار «هاشيت - أنطوان» في بيروت. وكانت الدار نفسها قد ترجمت العام الماضي رواية ميسو «حياة الكاتب السرية» بعد أشهر من صدورها باللغة الفرنسية، وسبقتها «الصبية والليل». ويعود الاهتمام من قبل دور النشر في العالم، بجديد ميسو، إلى الشعبية الكبيرة التي يحصدها بين القراء الفرنسيين. فهو يعدّ الروائي الفرنكوفوني الأول، والأكثر مبيعاً منذ 10 سنوات. وقد حقق استمرارية في التحليق، نادراً ما يحصدها كاتب بالفرنسية. وصنف ميسو في فرنسا على أنه الأكثر قراءة خلال عام 2020، وطوال فترات الحجر؛ إذ باع نحو مليون ونصف المليون نسخة. وهو مترجم إلى أكثر من 44 لغة، ويقدر مبيعه العالمي بـ35 مليون نسخة في مختلف اللغات.
ميسو لا يزال في الخامسة والأربعين من عمره، يصدر كل سنة كتاباً، منذ نحو 20 سنة. «الحياة رواية»، هو مؤلفه رقم 18، فيما يستعد لإصدار روايته التاسعة عشرة في سبتمبر (أيلول) المقبل بالتزامن مع موسم الدخول الأدبي، كما أعلنت الدار العريقة التي تتولى طباعة كتبه «كالمان ليفي».
يبدو أن هذه الشهرة بدأت تطحن ميسو، فهو لا يجد الوقت لالتقاط أنفاسه. يحتاج أشهراً عدة في كل مرة ليبلور فكرته ويضع خطتها، ومن ثم يعكف على الكتابة. وعلى عكس ما يتخيل القراء، يقول: «أنا لست آلة تكتب. وإنما أعمل يومياً، من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء، كأي صاحب مهنة يتوجه إلى عمله مع إشراقة الضوء، كي أستطيع أن أنجز رواية كل سنة». هذا ربما ما يفسر اختياره موضوعَي روايتيه الأخيرتين حول الكتّاب وحياتهم. وهو موضوع روائي أثير لديه.
إذا كانت رواية «حياة الكاتب السرية» عن أديب قرر أن يعتزل وهو في عزّ شهرته ومجده الأدبي، وينسحب إلى مكان بعيد، ويرفض التحدث إلى أي أحد، ومع ذلك يبقى هناك من يطارده من الفضوليين، فإن روايته الجديدة، بطلاها الرئيسيان أديبان؛ رجل وامرأة، ومن خلالهما نكتشف الكثير حول ما يخبئه ميسو، وما يفكر به بصفته أديباً لمهنته خصوصيتها، وأسرارها، وطقوسها، التي يتمنى كثيرون معرفتها.
«الحياة رواية» هي عن الروائية الأميركية «فلورا كونواي»، التي تعيش في حي بروكلين النيويوركي. وذات يوم من شهر أبريل (نيسان) كانت تلعب مع ابنتها، ذات السنوات الثلاث، لعبة «الغميضة»، وحين فتحت عينيها، وأخذت تبحث عن صغيرتها لم تجدها، ورغم كل نداءاتها لها بأن اللعبة قد انتهت وعليها أن تخرج من مخبئها، فإن الطفلة لم تظهر. تلك كانت لحظات صاعقة. النوافذ في الشقة هي في الأساس محكمة الإغلاق ولا تفتح، والمفتاح لا يزال موجوداً في القفل العلوي من الباب الرئيسي، ولا يستطيع أصلاً طفل الوصول إليه، ووجوده دلالة على أن أحداً لم يفتح الباب من الداخل أو الخارج. لم تترك فلورا مكاناً في البيت إلا بحثت فيه؛ الشيء الوحيد الذي أكد مخاوفها هو عثورها على الفردة اليسرى من الحذاء المنزلي الذي كانت تلبسه الطفلة «كاري»، في الممر، فيما لم تعثر على الفردة الأخرى. الشرطة أيضاً لم تتمكن من أن تلتقط أي أثر لـ«كاري»، ولا أن تمسك بطرف أي خيط. فالكاميرات لم تسجل حركة مريبة، أو أثراً لداخل أو خارج من هذا المبنى القديم الذي تقع فيه شقة «فلورا».
تلجأ «فلورا» لكاتب آخر، رومان أوزورسكي، الموجود في باريس لحل لغز اختفاء طفلتها. لكنه هو الآخر، في هذا الوقت بالذات له مشكلاته الخاصة؛ إذ يسعى جاهداً للاحتفاظ بحضانة ابنه الوحيد، بعد انفصاله عن زوجته. يكتشف أن سعادته في العمق ليست في الكتابة، كما كان يعتقد، وإنما في علاقته الحميمة بابنه الذي سينتقل به إلى أميركا. هذا الجمع بين أديبين، مناسبة لصاحب الرواية، ليكتب عن حياة الأدباء، وما يشعرون به؛ متاعبهم، هواجسهم، ومشكلاتهم. ويكرر ميسو في مقابلاته الأخيرة أن هذه الرواية كانت وسيلته ليجيب من خلالها عن أسئلة القراء التي ترد إليه باستمرار، حول كيف يكتب؟ بماذا يشعر؟ كيف يحضّر لموضوعاته؟ ما مصادر الوحي في حياته؟ وأسئلة أخرى كثيرة. والحقيقة أن الروائيين في القصة، من خلال مهارتهما العملية يكتشفان أن بمقدورهما فك لغز الاختفاء الغامض للطفلة «كاري».
إضافة إلى الأديب «رومان»، وابنه الذي له دوره كذلك، شخصية أخرى في الرواية هي «فونتين» ناشرة «فلورا» الفرنسية، التي تحوم حولها الشكوك، بسبب بعض تصرفات مريبة، تجعلها في مدار الاتهام.
وميسو المتتلمذ على كتابات أغاثا كريستي، وهي من بين الكتّاب الذين قرأهم بشغف كبير في طفولته، لا ينقصه الحس البوليسي في رواياته، ويعرف كيف يؤجج الإثارة. فقد ربط بين قلم بدأت تكتب به «فلورا»، ورؤيتها أحلاماً تزورها في نومها، ليتبين في النهاية، وبعد تحليل مخبري، أن القلم ليس هو مصدر ما تراه، وإنما الحبر الذي ظهر في المختبر أنه يحوي الماء والألوان ودم طفلتها كدلالة أولى على موتها.
على عكس روايات ميسو السابقة، التي كانت تزدرد من القراء ازدراداً، اشتكى قراؤه هذه المرة من أنه بالغ في اللعب، وتطرف في محاولة التجديد، وأنه وهو يحاول أن يجعلهم يعيشون بين قارتين، وهو يتنقل بين باريس ونيويورك، وبين الواقع والخيال، بدا لهم أنهم يفقدون الخيط، ولا يعرفون من الذي يروي، وما الذي يحدث. لكن من يتحلى بالصبر ويصل إلى الصفحات الأخيرة، يكتشف ما يشبه الضوء الذي يأتيه ساطعاً في النهاية.
فالرواية تشبه في تركيبتها مسرحية من ثلاثة فصول؛ كل فصل منها يكاد يجعلك تتساءل عن الذي قبله. وميسو، في الحقيقة، يطلق العنان أيضاً لنوع من التناص، حين يلحظ القارئ أن شيئاً من رواية سابقة له هي «فتاة من ورق» تظهر أمامه وهو يقلب الصفحات، أو أن شيئاً من رواية «حياة الكاتب السرية» يلوح له في هذه القصة الجديدة. ولا يتوانى الكاتب عن ضخ الاستشهاد مستعيناً بعبارات لكتاب وأدباء معروفين، وهو ما أخذه عليه بعض القراء أيضاً.
أستاذ الاقتصاد الذي حقق حلمه بأن يصبح روائياً يقص على الناس الحكايات، لم يعد يخفي في روايتيه الأخيرتين، من خلال أبطاله ومقابلاته، ضيقه من مطحنة التسويق. بطلة الرواية الجديدة الروائية «فلورا»، تكره الصحافيين، ثم إنها تكره القراء أيضاً، لأنهم لا يجيدون اختيار الكتب، وتعبر عن كرهها الناشرين، وتجد أن عالم النشر مليء بالحسد. هل هي أفكار ميسو أنطقها بطلته، أم مجرد لعبة روائية ذهب بها إلى النهاية؟
رغم الانتقادات، فإن هذه الرواية أبقت ميسو الأول على لائحة المبيع، وينتظر عشاقه بفارغ الصبر روايته المقبلة، ودور النشر في العالم تترقب، لتترجم ما يكتبه الشاب الموهوب وهو يخلط؛ بين الخيال والواقع، الغرائبية والبوليسية، العقلانية مع رشّة من السوريالية، وينطلق من ملاحظات وتجاريب صغيرة في حياته الشخصية، ليبني عليها حكايات لا تزال تفتن القراء.



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.