استمرار الجدل في فرنسا حول تعديل السياسة الفرنسية والانفتاح على الأسد

النائب بابت مدعو للاستقالة من رئاسة مجموعة الصداقة الفرنسية ـ السورية ومصيره الحزبي يبت اليوم

استمرار الجدل في فرنسا حول تعديل السياسة الفرنسية والانفتاح على الأسد
TT

استمرار الجدل في فرنسا حول تعديل السياسة الفرنسية والانفتاح على الأسد

استمرار الجدل في فرنسا حول تعديل السياسة الفرنسية والانفتاح على الأسد

ما زالت زيارة وفد البرلمانيين الفرنسيين الـ4 إلى دمشق، الأسبوع الماضي، ولقاؤهم الرئيس السوري بشار الأسد بمبادرة شخصية ومن غير تكليف رسمي نيابي، تتفاعل سياسيا وحزبيا وإعلاميا. ويبدو أن صاحب فكرة الزيارة نائب مدينة تولوز ورئيس مجموعة الصداقة الفرنسية - السورية في البرلمان جيرار بابت سيدفع ثمن مبادرته التي يمكن إدراجها تحت خانة «الدبلوماسية البرلمانية». لكن مشكلته أن رغبة الانفتاح على النظام السوري تقع على النقيض تماما من السياسة الرسمية التي تنتهجها الحكومة الفرنسية التي أغلقت سفارتها في دمشق في عام 2013، وأبلغت سفيرة سوريا في باريس لمياء شكور أنها «شخص غير مرغوب فيه» على الأراضي الفرنسية، ولكن من دون الإقدام على قطع العلاقات رسميا مع سوريا.
لا تكمن مشكلة بابت فقط في أنه «لولب» الزيارة، بل لأنه الوحيد الذي ينتمي إلى الأكثرية النيابية، وبالتالي كان من المفترض به أن يكون الأكثر قربا من «الخط الرسمي» للدبلوماسية الفرنسية الذي يرى في الرئيس الأسد جزءا من المشكلة، وليس جزءا من الحل.
ولذا، فإن بابت هو الوحيد الذي تلقى اللوم من الحزب الاشتراكي الذي ينتمي إليه. ومن المفترض أن يستدعى بعد ظهر اليوم للقاء سكرتير عام الحزب جان كريستوف كومبادليس الذي هدد، الأسبوع الماضي، بإحالته على اللجنة التأديبية واتخاذ عقوبات بحقه. وكان لافتا أن أصواتا نيابية نادرة ارتفعت للدفاع عنه، وللتأكيد على أن معاقبته ستكون «أمرا غير مقبول».
من جانبه، استبق رئيس المجموعة الاشتراكية في البرلمان برون لو رو، لقاءه، عصر أمس، بالنائب بابت، ليوجه إليه رسالة خطية يدعوه فيها للاستقالة من رئاسة مجموعة الصداقة الفرنسية - السورية. ومما جاء في نص الرسالة التي كشفت عنها أمس إذاعة «أوروبا رقم واحد»، ما يلي: «إن المسؤولية المتميزة التي عهدت بها إليك في شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2012، لا يمكن أن تتواءم مع المبادرة التي قمت بها بصفة شخصية بزيارة سورية مع الوفد البرلماني.. لذا أرى من الضروري أن أطلب منك الاستقالة من رئاسة مجموعة الصداقة الفرنسية - السورية». ويشغل بابت، إلى جانب ذلك، نيابة رئاسة مجموعة الصداقة الفرنسية - اللبنانية والفرنسية - الإيرانية والفرنسية - العمانية.
ويعد كثيرون أن الحزب الاشتراكي لن يذهب إلى حد الطلب منه الخروج من صفوفه، لأن بابت وهو في الأساس طبيب قلب، يتمتع بشعبية واسعة، وهو ينتخب عضوا في البرلمان من غير انقطاع منذ عام 1997.
رغم حدة ردود الفعل على أعلى مستويات الدولة الفرنسية على زيارة الوفد لدمشق، فإن الملف لم يغلق، والجدل القائم بشأن إعادة التواصل مع النظام السوري يتخطى الانقسامات التقليدية بين اليمين واليسار.
لكن الثابت أن اليمين الفرنسي بتلاوينه المختلفة هو الأقرب لتبني سياسة «الانفتاح» على الأسد. فالبرلمانيون اليمنيون الثلاثة الآخرون لم يتلقوا اللوم من «عائلاتهم» السياسية، كما أن مسؤولين سابقين، ومنهم رئيس الحكومة الأسبق فرنسوا فيون، يتبنى خط الانفتاح، وكذلك وزير الداخلية السابق كلود غيان، الذي تعاون مع الأجهزة السورية عندما شغل منصب مدير مكتب وزير الداخلية نيكولا ساركوزي، وعندما كان أمينا عاما لقصر الإليزيه.
ويدعم هذا التوجه حزب الجبهة الوطنية «اليمين المتطرف» والتيار «السيادي» والكاثوليك المحافظون «الذين يريدون حماية المسيحيين في سوريا والعراق والشرق بأكمله»، ومجموعات الضغط التي تعمل لحساب روسيا وإيران وأخرى المهتمة بالمصالح النفطية والدفاعية.
ويُضاف إلى هؤلاء جميعا نواب وأصوات من اليسار الراديكالي المتشدد الذي هو على قطيعة مع الحزب الاشتراكي، وخليط من الأكاديميين والمسؤولين الأمنيين السابقين الذين عملوا مع نظرائهم السوريين.
يتبنى هؤلاء مقاربة تقوم على مبدأ التحالف ضد العدو المشترك الذي هو «داعش» و«النصرة» والإرهاب بشكل عام. وبرأي هؤلاء، فإن الحرب على الإرهاب تتطلب «الواقعية السياسية» التي تقول إن نظام الأسد، على عكس ما كان متوقعا منذ انطلاقة الانتفاضة السورية عام 2011. لم يقع ولن يقع، وبالتالي يتعين التعاون معه في الحرب على الإرهاب الذي يستهدف فرنسا ومصالحها مثلما حصل في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي.
وباختصار، يقول هؤلاء، ما بين السيئ والأسوأ يتعين اختيار الأقل ضررا وخطورة، إذ إن الأسد «يمكن احتواؤه وتطويقه لكن احتواء (داعش) وتطويقها أمر أكثر صعوبة بسبب تمدداتها الداخلية وخلاياها الموجودة داخل البلدان الأوروبية».
حتى الآن، الموقف الرسمي لم يتزحزح. وما زالت باريس الطرف الأكثر تشددا من بين كل البلدان الأوروبية، إن في موضوع التعاون مع الأسد أو في موضوع التفاهم حول البرنامج النووي الإيراني.
وما زالت باريس تقول إنه «لا يمكن الخيار بين الطاعون والكوليرا»، وإن الحل يكون بدعم المعارضة السورية المعتدلة، وذراعها العسكرية المتمثلة بالجيش السوري الحر.
وبأي حال، تؤكد المصادر الفرنسية أن تغيير الخط المنتهج إزاء الأسد سيفضي إلى نتيجتين سيئتين: الأولى، دفع السنة إلى أحضان «داعش»، بينما المطلوب هو العكس، والثانية تقسيم سوريا ومن ورائها العراق ولبنان، وربما بلدان أخرى، بحيث يضرب الاستقرار في كل منطقة الشرق الأوسط.
الواقع أنه يتعين على الحكومة الفرنسية أن تحارب على جبهتين: الأولى داخلية، حيث ترتفع أصوات سياسية وإعلامية وتتساءل عن قدرة باريس بسياستها المتشددة على التأثير على مجرى الأحداث في سوريا والمنطقة. أما الجبهة الثانية، فهي داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تريد بعض دول الاتحاد، مثل إسبانيا والنمسا والجمهورية التشيكية وغيرها، معاودة التواصل مع نظام الأسد للأسباب عينها التي يرفعها المدافعون عن هذا الخيار في الداخل. وليس سرا أن انعطافة فرنسية ستشكل مكسبا رئيسيا للنظام السوري، لما لباريس من وزن وتأثير داخل وخارج الاتحاد.
هل هذه الانعطافة ستحدث؟ حتى الآن، صوت فرنسا الرسمي لا يشي بتحولات من هذا النوع. ولذا، فإن مبادرات كتلك التي جاءت من قبل البرلمانيين الأربعة ليست سوى «سنونوة» واحدة لا تحمل معها ربيع التغيير الفرنسي بالنسبة للنظام السوري.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.