الساير: سبعة عناصر تشكل شخصية رائد الأعمال تتصدرها المخاطرة في القرار

الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمار العائلي أكد أن البيئة الراهنة باتت مشجعة للاستفادة من الطاقة الوطنية الشابة

تسعى السعودية لتشجيع الشباب على العمل الحر بهدف معالجة البطالة وتنويع الاقتصاد (تصوير: خالد الخميس)
تسعى السعودية لتشجيع الشباب على العمل الحر بهدف معالجة البطالة وتنويع الاقتصاد (تصوير: خالد الخميس)
TT

الساير: سبعة عناصر تشكل شخصية رائد الأعمال تتصدرها المخاطرة في القرار

تسعى السعودية لتشجيع الشباب على العمل الحر بهدف معالجة البطالة وتنويع الاقتصاد (تصوير: خالد الخميس)
تسعى السعودية لتشجيع الشباب على العمل الحر بهدف معالجة البطالة وتنويع الاقتصاد (تصوير: خالد الخميس)

خلصت تجربة محمد الساير الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة {الاستثمار العائلي} ومقرها الرياض وأحد رواد الأعمال الشباب في السعودية، إلى سبعة مواصفات رئيسية تشكل شخصية رائد الأعمال الناجح، لافتا إلى أن من بينها القدرة على اتخاذ قرار المخاطرة في الدخول وتبني المشاريع والأفكار، لكنه يؤكد في الوقت ذاته على أن أبرز السمات هي أن يؤمن رائد الأعمال بتحقيق نجاح فكرته أكثر من اهتمامه بتحقيق الربح والمكاسب المادية.
ويرى الساير أن ريادة الأعمال باتت علما نظريا وتطبيقيا قائما بذاته، ربما يحل محل إدارة الأعمال في المستقبل، مشددا على أن بلدانا عربية تحظى بتوافر بيئة جيدة لصناعة رواد الأعمال وتبني أفكارهم واستجابة السوق لمشاريعهم، في مقدمتها السعودية.
الساير استطاع أن يحوز جائزة وطنية لرواد الأعمال نظير ما استطاع أن ينجزه من حضور في أكثر من نشاط اقتصادي تنوعت بين الاستثمار والمالية والطبية والخدمة.
«الشرق الأوسط» أجرت حوارا ناقشت فيه واقع بيئة ريادة الأعمال في السعودية وخلاصة ما توصل إليه عبر تجربته، إضافة إلى أبرز المعوقات التي يواجهها رواد الأعمال. وإلى نص الحوار:

* كيف تنظر إلى بيئة ريادة الأعمال في السعودية؟ هل تتوافر فيها المحفزات والعوامل المشجعة لبناء رائد أعمال ناجح؟
- أعتقد ذلك، لا سيما في الآونة الأخيرة، حيث رأينا الكثير من المبادرات الجديدة من القطاعين العام والخاص تهدف إلى تعزيز بيئة ريادة الأعمال في السعودية، آخرها كان ملتقى عرب نت الرياض 2013 الذي شارك فيه أكثر من ألف مشارك بمدينة الرياض، وذلك لتعزيز بيئة ريادة الأعمال وتحسين المناخ الريادي في المملكة، حيث عدها من أنجح المبادرات في هذا المجال وبادرة أمل لمستقبل يحلم به الشباب لمساعدتهم على إيجاد فرص عمل وحل أزمة البطالة، وليس ببعيد عنا المبادرات المستمرة من الغرف التجارية بالمملكة، وعلى رأسها الغرفة التجارية بجدة ممثلة في لجنة شباب الأعمال التي أنشئت من أجل تنمية الجيل الجديد من شباب الأعمال ومؤازرته وصقل خبراته وتفعيل الاستفادة من الطاقة الوطنية الشابة وتزويد الشباب من الجنسين بخبرات وثقافات العمل الخاص وأسس إقامة المشروعات وإدارتها.
لذلك أرى أن بيئة العمل ومحفزاته متوفرة في السعودية عبر اللجان والمبادرات المستمرة لحث شباب الأعمال على الدخول إلى عالم الاستثمار وترجمة الابتكارات والأفكار والطاقات الكامنة إلى مشروعات ناجحة تنعكس إيجابا في المساهمة بشكل مباشر في تنمية الاقتصاد الوطني.
* وما هي، على ضوء تجربتك، الصفات الرئيسية التي لا بد أن تتوافر في شخصية رائد الأعمال؟
- أولا يجب أن تتوفر لدى رائد الأعمال الرغبة والهدف الأكيدان في تحقيق ما يحلم به، كما يجب أن تكون لديه القدرة على خوض المخاطرة للوصول إلى الهدف المنشود، أيضا لديه درجة عالية من الإبداع والقدرة على إيجاد الحلول للمشكلات التي قد تواجهه، وأن يكون اهتمامه بتحقيق النجاح لفكرته أكبر من اهتمامه بتحقيق الربح، ويستطيع اتخاذ قرار المخاطرة برأس المال في سبيل تحقيق فكرة أو مشروع يؤمن به، كما يجب أن يتميز بالقيادة وكذلك قدرته على إدارة عوامل الإنتاج بتصميم هيكل المشروع برؤية مستقبلية لتطوير مشروعه وصولا إلى النمو والتطور، وأخيرا مقدرته على تقييم الفرص والبدائل.
* القيادة إحدى تلك الصفات، هل لا بد لرائد الأعمال أن يكون ذا شخصية متفردة قوية؟
- بلا شك، فرائد الأعمال له سمات وصفات وإمكانيات شخصية وإبداعية تميزه عن غيره ذكرتها آنفا، وهي صفات يكمل بعضها بعضا في وجود عوامل أهمها الثقافة الريادية والتعليم والطاقة الريادية والجهات الداعمة وإمكانيات البيئة.
* تؤمن بأن هناك أجيالا تتعاقب على ريادة الأعمال، ولكن ما سمات جيل ريادة الأعمال الجديد في بلد كالسعودية؟
- تعد ريادة الأعمال علما، ربما يحل محل إدارة الأعمال في المستقبل، في حين يظل فنا أيضا، إذ تجمع بين صفات رائد الأعمال المهمة في النجاح وبين العلوم والمعارف المعينة على اتخاذ السبل والطرق السليمة لسلوك طريق النجاح. ووفقا لدراسة من قبل مؤسسة التمويل الدولية (IFC) يعد رواد الأعمال من أسس نمو الاقتصاد في المملكة، حيث هناك نحو 1.8 مليون منشأة صغيرة إلى متوسطة الحجم في المملكة، ما يمثل أكثر من 93 في المائة من مجموع المشاريع التجارية، وشهدت المملكة خلال عام 2013 سلسلة جديدة من أصحاب المشاريع المبتكرة التي تساهم تدريجيا في تحويل الاقتصاد من نظام التبعية للسلع الأساسية، إلى أمة تقوم أكثر على المعرفة، واتخذت المملكة لذلك مبادرات لرعاية جيل المستقبل من رواد الأعمال، ولمساعدة الشركات الناشئة على التغلب على التحديات الهائلة أمامهم.
* هل رواد الأعمال في السعودية يشابهون رواد الأعمال في بلدان أخرى؟
- دعني أستشهد هنا بما ذكره التقرير الإقليمي السنوي لإدارة الأعمال في العالم العربي لعام 2014 من أنه ربما لا يكون رواد الأعمال في المنطقة العربية هم الأسعد حظا مقارنة بنظرائهم في دول العالم الأكثر تقدما، ولكن على الصعيد الإقليمي، فإن رواد الأعمال في الإمارات السعودية والبحرين وعمان وقطر وتونس هم أفضل حالا من أقرانهم في باقي دول المنطقة، فيما يعني سهولة إنجاز الأعمال وتأسيس الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم. ويتفحص التقرير الإقليمي السنوي الخاص بالأعمال في العالم العربي لعام 2014، الذي تصدره كل من منظمة البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية IFC، مدى سهولة أو صعوبة تأسيس وتشغيل شركة صغيرة أو متوسطة الحجم، مع الالتزام بالقوانين والقواعد المنظمة للعمل في كل دولة من الدول التي يتناولها التقرير، وهي 189 دولة؛ لذلك أرى أن مجتمع ريادة الأعمال في السعودية جيد مقارنة بالدول الأخرى في محيطنا الإقليمي والعربي.
* هل تعد تقليد التجارب العالمية في نشاط ما من ريادة الأعمال؟ خذ على سبيل المثال أن يأتي مستثمر ويجلب علامة «برغر» أو «بيتزا» إلى السوق المحلية.
- هناك مدارس تختلف رؤيتها في تحليل هذا الأمر، ولكن على الصعيد الشخصي لا أرى مانعا في ذلك شريطة أن تكون الحاجة قائمة للمشروع، إضافة إلى إجادته في إدارته والقيام به على وجه عال من المهنية والاحتراف والمحافظة عليه.
* كما بدأنا بالمحفزات، نتساءل عن المعرقلات والعوائق التي تواجه رائد الأعمال محليا.
- هناك معوقات ومشكلات تواجه من يطمحون إلى أن يكونوا روادا للأعمال وأخرى تواجه من أصبحوا روادا للأعمال، فالأولى تختلف باختلاف نوع المنتج الذي يرغب رائد الأعمال في تقديمه أو إنتاجه؛ فالسلع والمنتجات المادية تختلف مشكلاتها عن الخدمات إلا أنهم مشتركون في بعضها، مثل التمويل والاستشارات والإجراءات الحكومية. أما ما يعيق من أصبحوا روادا للأعمال فتتلخص في التسويق وضعف أداء السوق السعودية والعمالة الفنية المدربة؛ لذلك يجب أن يحتاط رائد الأعمال بمعرفة كيفية التعامل مع هذا النوع من المشكلات.
* تعد أحد رواد الأعمال الذين بدأوا من الصفر، فكيف كانت القصة؟ وما أبرز الأنشطة التي تعمل فيها؟
- أنا كغيري من الشباب السعودي الطموح وهم كثر، أتطلع دائما إلى الإبداع في التفكير والقيادة، أحترم مواعيدي وأسعى دوما إلى تحقيق النجاح، بدأنا بمشاريع وأفكار صغيرة بعضها نجح وبعضها أخفق، لكن المحصلة في النهاية كانت جيدة، حيث أسسنا شركة للاستثمار العائلي تعمل في إدارة الأصول والاستثمارات في أكثر من 52 شركة في 13 دولة حول العالم، ونتطلع إلى التوسع وتحقيق المزيد من التقدم في مجال عملنا الذي بدوره سينعكس على الاقتصاد الوطني.
* حزت جائزة وطنية في السعودية لريادة الأعمال، حدثنا عن هذه التجربة وكيف حصلت عليها؟
- رشحت لجائزة الأمير سلمان لشباب الأعمال في دورتها الثانية، وكنت ضمن من حظوا بشرف الفوز بهذه الجائزة، وبهذه المناسبة أتقدم بخالص شكري وتقديري وامتناني للأمير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد ووزير الدفاع رئيس مجلس أمناء جائزة الأمير سلمان لشباب الأعمال، على ما يجده شباب الأعمال من اهتمام كبير من سموه ومن مجلس أمناء الجائزة.
ولعل فوزي بهذه الجائزة أعطاني المزيد من الرغبة في التميز والإبداع في عالم التجارة والأعمال، وبالتأكيد التنافس على مثل هكذا جوائز يبرز الكثير من المبدعين والمتميزين في المجالات المختلفة ويعمل على تهيئة البيئة الخصبة للشباب لإطلاق قدراتهم وطاقاتهم الإبداعية لما يجدونه من تشجيع واهتمام ورعاية، مما يسهم بقوة في بناء المستقبل الاقتصادي لوطننا العزيز.



تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط تذبذب سعر الدولار الأميركي، تواصل السلطات المصرية ملاحقة من يتاجرون في النقد الأجنبي خارج السوق الرسمية. فعلى مدار 3 أيام، تمكنت وزارة الداخلية من ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة، بقيمة مالية تجاوزت 20 مليون جنيه (377.3 ألف دولار).

وقد أثارت الملاحقات الأمنية التي تعلن عنها «الداخلية» يومياً، تساؤلات حول «انتعاش السوق السوداء مجدداً في البلاد». وبينما رهن بعض الخبراء عودة «السوق السوداء» بعدم «توفُّر العملة في البنوك»، رأى مراقبون أنَّ «استمرار الملاحقات يشي بوجود (السوق السوداء) للعملة، وأن هناك من يتاجرون خارج السوق الرسمية».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثَّرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 53 جنيهاً.

وأكدت «الداخلية» في إفادة، مساء السبت، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع في النقد الأجنبي والمضاربة في أسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

يأتي هذا في وقت انخفضت فيه العملة الأميركية، يوم الأحد، بعد موجة ارتفاعات سجلتها على مدار الأيام الماضية؛ حيث سجلت في معظم البنوك أدنى مستوى وهو 53 جنيهاً.

واستمر تذبذب سعر الدولار في البلاد، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 55 جنيهاً، شهد تراجعاً، ثم عاد إلى الارتفاع الطفيف، ثم انخفض مجدداً في تداول الأحد.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكومة، الشهر الماضي، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة».

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أن «ما يحدث الآن هو أن البعض يكتنز الدولار، ولكن أن تكون هناك متاجرة خارج نطاق السوق المصرفية، فهي ليست العامل الكبير لتغيير سعر الصرف». ودلَّل على أن «السلطات تضبط المتلاعب بالعملة ثم تحوِّله بعد إجراءات قانونية للنيابة، ثم إلى المحكمة التي تتخذ قراراً بإدانته أو الإفراج عنه؛ وهذا لا يحرك السوق اليوم».

ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحرك السوق اليوم هو زيادة المعروض في العملة الأجنبية، ما يؤثر في سعر الصرف الأجنبي».

آلية أخرى تحدَّث عنها بدرة، وهي «عندما يكون هناك تحسُّن في آليات جذب العملة الأجنبية إلى البلاد وتحسُّن في قيمة الجنيه، تبدأ العملات الأجنبية -بما فيها الدولار- في الانخفاض». ويشير إلى أنه «في حال عدم توفر العملة في البنوك تظهر السوق السوداء، ولكن ما دامت العملة متوفرة لأي مستثمر بالسعر الرسمي المعلن، فلماذا يلجأ للسوق السوداء؟».

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مصري يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

كما يرى بدرة أن «آلية تذبذب الدولار هي الباعث الأساسي أو الرافد الأساسي للسوق السوداء». ويشير إلى «عدم ظهور أزمة لتدبير العملة بالنسبة للحجاج المصريين هذا الموسم، على عكس شكاوى البعض خلال سنوات ماضية من عدم توفر العملة، وهذا يدل أن الدولة دبَّرت احتياجات المسافرين من العملات الأجنبية لموسم الحج، رغم ما يحدث منذ الحرب الإيرانية من خروج للأموال الساخنة».

وتؤكد الحكومة بشكل متكرر «حرصها على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية والسلع الاستراتيجية للمواطنين».

من جهته، قال الخبير الاقتصادي رشاد عبده، إن «المحدد الرئيسي لتحديد سعر الصرف، هو قوى العرض والطلب». ويرى أن «قوى العرض والطلب ليست ثابتة بسبب المتغيرات الإقليمية التي تسببت في رفع سعر الدولار، منذ بدء الحرب الإيرانية. ولكن مع الإعلان عن اتفاق، مساء السبت، تذبذب سعر الدولار نحو الانخفاض». ويشير إلى أن «هناك عوامل كثيرة تتحكم في سعر الدولار».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «البعض يرى في شراء الدولار الآن فائدة؛ خصوصاً مع تصاعد حديث عن ارتفاع سعره خلال الأشهر المقبلة في البلاد، ومن هنا تنشط وزارة الداخلية في ضبط كثير من القضايا».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على فيسبوك)

لكن عبده يرهن «عودة السوق السوداء بعدم توفر الدولار في البنوك بالنسبة للمستثمرين، ولكن ما دام متوفراً -كما هو حالياً- فلا توجد سوق سوداء». ويقول إن «الفاصل في انتعاش السوق السوداء من جديد هو مدى قدرة البنوك على تلبية احتياجات المستوردين والمستثمرين، والإفراج عن البضائع في الجمارك».

وأكد وزير المالية أحمد كجوك، في أبريل (نيسان) الماضي، أن «الموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل اعتمدت 47 جنيهاً كمتوسط لسعر الصرف، بناء على سعر الصرف السائد في تاريخ إعداد الموازنة».

وحسب المراقبين: «يعدُّ سعر الدولار بالموازنة سعراً استرشادياً لتحديد حجم الموازنة، وبالتالي يمكن أن ينخفض أو يزيد عليه وفق مرونة سعر الصرف وتدفقات موارد العملة».


تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.


رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.