جولة بايدن الأوروبية لاستعادة ثقة الحلفاء وتنبيه الخصوم (تحليل إخباري)

جولة بايدن الأوروبية لاستعادة ثقة الحلفاء وتنبيه الخصوم (تحليل إخباري)

الخميس - 29 شوال 1442 هـ - 10 يونيو 2021 مـ

أربع قمم تنتظر الرئيس جو بايدن في أقل من أسبوع: قمة الدول الصناعة السبع الكبرى في كورنوال في بريطانيا، وقمة حلف شمال الأطلسي في بروكسل، وقمة دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في العاصمة البلجيكية أيضاً، وأخيراً اللقاء مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في سويسرا.

يضاف إلى القمم هذه لقاءات بعضها يتعلق بالمراسم والأعراف الدبلوماسية على غرار اجتماع بايدن بالملكة إليزابيث الثانية في قصر وندسور، والبعض الآخر يتناول مشكلات دقيقة مع الحلفاء على غرار اجتماعه بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان على هامش قمة الأطلسي، بعد أسابيع قليلة على اعتراف واشنطن بالمجزرة الأرمنية كـ«إبادة»، ما أثار الغضب الشديد في أنقرة وزاد من تشنج العلاقات التركية – الأميركية التي تشهد منذ أعوام عدة افتراقاً واسعاً يشمل القضية الكردية وحقوق الإنسان والدور التركي في سوريا وصولاً إلى شراء صواريخ «إس 400» المتطورة المضادة للطائرات من روسيا.

لكل واحد من هذه اللقاءات جدول أعمال مختلف بطبيعة الحال: مكافحة وباء «كورونا» ودور الاقتصادات الكبرى في التصدي للتغير المناخي، وهو ما سيعود بايدن لبحثه في القمة العالمية المخصصة للمناخ التي ستنعقد في مدينة غلاسكو الاسكوتلندية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. يضاف إلى ذلك البحث في التداعيات الاقتصادية للوباء ومرحلة التعافي العالمي. وسيعمل في قمة «الناتو» على طمأنة الحلفاء إلى صلابة الالتزام الأميركي بأمنهم في إطار الشعار الذي رفعه بعد توليه منصبه «الديمقراطيات تواجه أنظمة التسلط»، وبالتالي توجيه جهودهم لتنسيق التحرك لتطويق التمدد السياسي والاقتصادي الصيني.

أما في سويسرا، فتثير القمة التي اقترح عقدها مع بوتين تساؤلات المراقبين الأميركيين، إذ إن عدداً منهم يرى أن ظروفها غير ناضجة بعد وأن بايدن الذي وصف الرئيس الروسي بـ«القاتل» قبل شهور قليلة، يبدو كأنه لن يتمكن من انتزاع أي تنازل من بوتين المراوغ ومحترف التلاعب بالخصوم وخداعهم. المسائل التي ينتظر أن يثيرها بايدن في القمة المقررة في السادس عشر من يونيو (حزيران) الحالي، تشمل تحذيراً من مغبّة العودة إلى التدخل في الانتخابات الأميركية وطلباً صارماً بوقف الهجمات السيبرانية على شبكات المؤسسات الرسمية والخاصة في الولايات المتحدة إضافةً إلى الامتناع عن تهديد أوكرانيا وتوتير الأجواء ضدها.

ويعلم الرئيس الأميركي أن بوتين الذي يواجه اختناقاً اقتصادياً فاقمه تفشي مرض «كوفيد - 19» يُصعّد خطابه العدائي حيال الغرب عموماً كنوع من إلهاء للمواطنين الروس عن تراجع أوضاعهم الاقتصادية خلافاً لوعود سابقة كان رئيسهم قد قطعها لهم. وأن بوتين لن يتورع عن طرح مطالب بعدم تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية الروسية على نحو ما فعلت بعد محاولة اغتيال المعارض أليكسي نافالني أو قمع المتظاهرين الذين كانوا يحتجون على الحكم بسجنه. ناهيك بعدم تشجيع واشنطن لدول تعدّها موسكو تدور في فلك نفوذها على تحدي الكرملين. موافقة أميركا على طلبات من هذا النوع ستشكل اختباراً لصدق التعهدات التي أعلنتها إدارة بايدن عن اهتمامها بحقوق الإنسان والحكم الديمقراطي وأمن الحلفاء.

لكن الأهم من بين كل أهداف القمم الأربع هو سعي الرئيس الأميركي إلى إقناع الحلفاء والخصوم بأن «أميركا قد عادت»، وأنها حليف يُعتمد عليه مقابل القبول بتبني الأولويات التي تضعها على رأس اهتماماتها الدولية مثل إحباط جهود الصين للتحول إلى قوة عالمية عظمى.

وعلى الرغم من « العودة الأميركية»، فالأوروبيون والحلفاء الآخرون في الأطلسي سيسألون عن الضمانة لعدم العودة إلى سياسات ترمب ومزاجيته. وهل ما جرى في أيام الإدارة السابقة كان هزة بسيطة وانحرافاً مؤقتاً عن مسار السياسات الأميركية التقليدية أم أن المسألة قد تتكرر بعد أربع سنوات مع مجيء رئيس جديد إلى البيت الأبيض؟

تتأسس هذه التساؤلات على إلغاء ترمب للاتفاق النووي مع إيران من دون التشاور مع الحلفاء خصوصاً الذين شاركوا في التفاوض في شأنه مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. فقد مثّل إلغاء الاتفاق إجهاضاً لجهود مضنية بذلتها هذه الدول على امتداد سنوات وليس هناك ما يضمن ألا تتكرر هذه التجربة مع أي إدارة مقبلة يترأسها ترمب أو أحد مقلديه.

والاتفاق مع إيران مجرد عينة على ما يمكن أن يمتد إلى معاهدة باريس للحد من التغير المناخي التي أُقرت على أيام باراك أوباما وانسحب ترمب منها وعاد بايدن إليها. ولا يخفى أن سلوكاً كهذا يُلحق أضراراً ضخمة بانتظام العمل الدولي عندما يصدر من جهة بوزن الولايات المتحدة.

الحلفاء ينتظرون من بايدن إذن ما يتجاوز الطمأنة اللفظية حول عودة أميركا. ولا شك في أن استعادة المكانة الأميركية السابقة عند الأوروبيين طريق طويل.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة