الحي الذي كان يسكنه «سفاح داعش» أرض خصبة للتطرف

جماعة «صبية شمال لندن» سافر منها عدد من الشباب للقتال في الصومال ثم مؤخرًا إلى سوريا

الحي اللندني الذي عاش فيه «سفاح داعش» كان بيئة خصبة للمتعاطفين مع جماعة «الشباب» الصومالية (نيويورك تايمز)
الحي اللندني الذي عاش فيه «سفاح داعش» كان بيئة خصبة للمتعاطفين مع جماعة «الشباب» الصومالية (نيويورك تايمز)
TT

الحي الذي كان يسكنه «سفاح داعش» أرض خصبة للتطرف

الحي اللندني الذي عاش فيه «سفاح داعش» كان بيئة خصبة للمتعاطفين مع جماعة «الشباب» الصومالية (نيويورك تايمز)
الحي اللندني الذي عاش فيه «سفاح داعش» كان بيئة خصبة للمتعاطفين مع جماعة «الشباب» الصومالية (نيويورك تايمز)

عندما كان محمد الموازي يذهب إلى المسجد، الذي لا يبعد كثيرا عن حي «نوتينغ هيل» بقصوره الفخمة، كان يلتقي أحيانا مصادفة ببلال البرجاوي، وهو شاب مسلم آخر يسكن في الحي الذي يقطن به في شمال غربي لندن. وكان الشابان ينتميان إلى شبكة واسعة من الشباب المسلم في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، بعضهم أصدقاء منذ الطفولة، والبعض الآخر أشخاص لا تجمعهم أي قواسم مشتركة سوى التراث العربي والأفريقي الذي يبعدهم عن المسلمين البريطانيين الآخرين، وأكثرهم من أسر قادمة من باكستان. وبمرور الوقت، ازداد انفصال بعض الشباب، ومن بينهم الموازي، والبرجاوي، عن المجتمع البريطاني والغربي. ومع ورود الأنباء بأن الموازي واحد من مقاتلي تنظيم داعش سيئ الذكر، وأنه يعرف باسم «جون المتطرف» الذي يظهر ملثما في كثير من مقاطع ذبح الرهائن المصورة التي ينشرها التنظيم، بدأ ينظر إلى هذه المجموعة من الشباب بوصفها أحدث مثال يدل على أن أوروبا أرض خصبة للمتطرفين.
وأرسلت جماعة «صبية شمال لندن»، كما يطلق عليها أحيانا، عددا من الشباب للقتال في الصومال، ومؤخرا في سوريا. وتم قتل البرجاوي، الذي تلقى تدريبا مع تنظيم القاعدة في أفريقيا، ثم ترقى في صفوف حركة «الشباب»، التي تعد من أفرع تنظيم القاعدة، في قصف جوي بالطائرات، التي تعمل من دون طيار، في الصومال عام 2012، بعد تجريده من الجنسية البريطانية. وحدث ذلك أيضا لمحمد صقر، صديق البرجاوي المقرب، والأخ الأكبر لأحد زملاء الموازي في الدراسة، وواحد من أصدقائه.
وتعد قائمة المسلحين المتطرفين، الذين نشأوا في منطقة صغيرة نسبيا في شمال غربي لندن، صادمة. وكان شابان صوماليان، تمت إدانتهما بتهمة التخطيط لتفجير وسائل النقل العامة في لندن في 21 يوليو (تموز) عام 2005، يقيمان على بعد ميلين من الموازي. ونشأ عازف هاو سابق لموسيقى الراب، تم التقاط صور له في سوريا مع رأس مقطوع، على بعد بضعة شوارع، في حين كان يقيم رجل تم إطلاق سراحه بكفالة عام 2012، وذهب إلى سوريا، وتوفي هناك بعد عام، على بعد ميل واحد فقط.
كان الاتجاه إلى الجماعات المسلحة، الذي ظهر في الأحياء التي سكنها هؤلاء الشباب، يتجاوز السبب المباشر؛ فمثلما حفزت حرب العراق جماعة «بيت شوم» في شمال شرقي باريس، التي أسفرت عن توجه منفذي هجوم «شارلي إيبدو» نحو التطرف، يبدو أن الحرب الأهلية في الصومال، التي استولى خلالها المسلحون الإسلاميون على مناطق كبيرة من البلاد، كانت الدافع وراء توجه الرجال في شمال غربي لندن نحو هذا الطريق.
ومن المرجح أن الموازي كان يعرف على الأقل بعض الشباب الآخرين الذين غادروا مثله شمال غربي لندن متوجهين إلى سوريا، على حد قول شيراز ماهر من المركز الدولي لدراسة التطرف في جامعة «كينغز كوليدج لندن». وأضافت في تعليق أرسل عبر البريد الإلكتروني: «لا نعرف ما إذا كانوا على صلة بعضهم ببعض أم لا. مع ذلك هناك مؤشرات منطقية تدعو إلى الاعتقاد في صحة ذلك. وتوضح ما لدينا من بيانات أن الأفراد، الذين يذهبون إلى سوريا، يقومون بذلك ضمن مجموعات من الأصدقاء، ويسكنون في المناطق نفسها».
ولا يزال هناك كثير من التساؤلات بشأن كيفية تبني الموازي وغيره ممن يسكنون في تلك المنطقة من لندن هذا النهج المتطرف. وعندما كان البرجاوي في سن المراهقة كان أحد أفراد عصابة، بحسب ما كشف البحث الذي أجراه رافيلو بانتوشي الخبير في مكافحة الإرهاب بمعهد «يونايتيد سيرفيسز» الملكي عن حياة البرجاوي. مع ذلك ليس لدى الموازي سجلا إجراميا من هذا النوع. ولم تظهر حتى هذه اللحظة شخصية بارزة مثل فريد بينيتو، الداعية الغاضب الذي علم نفسه بنفسه والذي يحتل مكانة بارزة في جماعة «بيت شوم»، لها تأثير على الشباب المتطرف في شمال غربي لندن. وكان البرجاوي يعد في مرحلة ما مقربا من فازول عبد الله محمد، رئيس عمليات «القاعدة» في شرق أفريقيا، بل ونائبا له، بحسب بحث بانتوشي. خلال الفترة القصيرة الفاصلة بين موت محمد، والقصف الجوي الذي أسفر عن مقتل البرجاوي، تداولت الصحافة المحلية أنباء عن توليه القيادة، لكن ليس واضحا ما إذا كان البرجاوي، الذي تزوج من بريطانية من أصل صومالي، وسافر إلى الصومال للمرة الأولى عام 2006 قبل عزل حركة الشباب عن الحكم، قد لعب دورا في تجنيد آخرين أم لا. كذلك ليس واضحا ما إذا كان الموازي والبرجاوي يعرف كل منهما الآخر. مع ذلك، من المعلوم أن الموازي التحق بالمدرسة التي التحق بها الأخ الأصغر لصديق البرجاوي المقرب.
وفي عام 2009 اشترى الاثنان تذكرتان إلى شرق أفريقيا، وإما سافرا معا، أو سافر أحدهما ولحق الآخر به في غضون بضعة أشهر. وتم توقيف كليهما، وقال كلاهما لأجهزة الأمن إنهما في رحلة سفاري لقضاء إجازة، وتم ترحيلهما إلى لندن. وحاول البرجاوي وصقر مرة أخرى بعد عدة أشهر ونجحا. وارتقى الاثنان في صفوف حركة الشباب إلى أن قتل أحدهما في بداية عام 2012. وتوضح سجلات المحكمة، التي كشفت عنها «بي بي سي»، أن الموازي وآخرين كانوا معروفين لدى أجهزة الأمن. وبحسب وثيقة قانونية أخرى تعود إلى عام 2012، كان الاثنان ينتميان إلى «شبكة من المتطرفين المقيمين في المملكة المتحدة وشرق أفريقيا تورطت في نقل أموال ومعدات إلى الصومال بغرض بتنفيذ عمليات إرهابية».
وكان هناك أوجه شبه في حياة كثير من «صبية شمال لندن»، حيث حاول البرجاوي، الذي ينتمي إلى أسرة جاءت من لبنان إلى بريطانيا عندما كان طفلا، والموازي، الذي قضى السنوات الست الأولى من حياته في الكويت، في مراحل مختلفة العودة إلى بلديهما الأم. وتم منع دخول الاثنين البلاد بعد انتباه أجهزة الأمن لأنشطتهما. وفي عام 2013، وفي الوقت الذي اختفى فيه الموازي، غادر عازف الراب الهاوي، الذي نشأ على مقربة منه، البلاد متجها إلى سوريا. وكان هذا الشاب هو عبد المجيد عبد الباري، وهو ابن لرجل مصري تمت إدانته في نيويورك العام الماضي بتهم تتعلق بالإرهاب وبوجه خاص التفجيرات التي نفذها تنظيم القاعدة في شرق أفريقيا، وكان المتحدث الرسمي باسم بن لادن في لندن في تسعينات القرن الماضي. وفي أغسطس (آب) العام الماضي، نشر ابنه صورة يظهر بها مع رأس مقطوع. وقدم كل من الموازي، والبرجاوي، وغيرهما ممن أصبحوا مقاتلين في الخارج لاحقا، شكاوى إلى منظمة «كيدج» الحقوقية بشأن ما وصفوه بالمضايقات التي يتعرضون لها على أيدي أجهزة الأمن البريطانية، التي تشمل احتجازهم لفترة طويلة في المطارات.

* خدمة «نيويورك تايمز»



الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.