إسماعيل عامود: قصيدة النثر فقدت شفافيتها ودخلت في دهاليز غامضة

كان واحدا من روادها الثلاثة في سوريا

الشاعر السوري الراحل إسماعيل عامود
الشاعر السوري الراحل إسماعيل عامود
TT

إسماعيل عامود: قصيدة النثر فقدت شفافيتها ودخلت في دهاليز غامضة

الشاعر السوري الراحل إسماعيل عامود
الشاعر السوري الراحل إسماعيل عامود

رحل أخيرا في مسقط رأسه مدينة السلمية، وسط سوريا، الشاعر إسماعيل عامود عن عمر ناهز 85 عاما، الذي يعتبر واحدا من 3 شعراء هم رواد قصيدة النثر في سوريا مع ابني مدينته الشاعرين الراحلين محمد الماغوط وسليمان عواد، كما أنه أحد مؤسسي اتحاد الكتاب العرب أواخر ستينات القرن الماضي، والمفارقة هنا أن الشاعر عامود الذي كان يسكن العاصمة دمشق حتى وفاة زوجته المربية الدمشقية عائشة اللحام في منتصف الثمانينات انتقل للسكن في مسقط رأسه حيث تزوج من هناك. وقبل 13 عاما تلقت زوجته التي تعمل موظفة في بنك بالسلمية برقية تعزية من إدارة اتحاد الكتاب العرب يعزونها بوفاته. وعندما اتصلت مع منزله للتعزية ولنشر خبر الوفاة رد الشاعر عامود ضاحكا وكان ما زال بصحته الجيدة قائلا: «يبدو أن البعيد عن العين بعيد عن القلب! أشكرهم على كل حال.. هذه ضريبة الأديب والمبدع الذي يسكن في الأرياف والمدن البعيدة عن العاصمة!».
وللشاعر عامود 11 مجموعة شعرية مطبوعة كان أولها ديوانه «التسكع والمطر» الصادر بدمشق عام 1962. ومن ثم توالت دواوينه الشعرية بعد أن تفرغ للعمل الأدبي كأمين تحرير لمجلة الثقافة الدمشقية، ومنها: «السفر في الاتجاه المعاكس، من أغاني الرحيل، كآبة، أغنيات لأرصفة البالية، الكتابة في دفتر دمشق، العشق مدينة لا يسكنها الخوف، أشعار من أجل الصيف، إيقاعات في أنهار الشعر، قلت للجميلة، وخبز بلا ملح (وهو عن تجربة الإياب إلى مسقط رأسه السلمية)».
حول قصيدة النثر التي يكتبها وكان أحد روّادها في سوريا، قال عامود في حوار لي معه: «إن جيلي الذي ساهم في كتابة قصيدة النثر في سوريا كان يكتب بشفافية - مرمزة - من واقع الحال الوجداني - الروحي.. إذا صح لي هذا القول.. أي كتبنا قصيدة النثر من خلال تجربة حيّة كانت تتحرك عبر مدى من واقعنا، وهمومنا، وتطلعاتنا.. فيفهم قارئنا علينا فينسجمُ معنا ويحبنا.. أما في هذه الأيام (في الـ20 سنة الأخيرة) فإن قصيدة النثر فقدت شفافيتها وورديتها ودخلت في دهاليز غامضة ليس لها منافذ نحو الشمس!».
وللراحل رأي في المشهد الشعري السوري الحالي أوضحه في حواري هذا معه: «عموما إنه مشهد مهزوز. هناك فوضى غير مقدسة واختلاط وتشابك وتداخل في مدارسه الأدبية.. ولكنني متفائل بأن المشهد الثقافي سيأتيه الصحو والصفاء في قادم الأيام..أقول هذا لأن الشعر ابن الحياة، بل هو وليدها المدلل، إنه يترعرع ويتسامى مع الحياة وعلوها وينخفض بتأثير انخفاضها».
ويوجه عامود كلامه للشعراء الجدد الذين يكتبون قصيدة النثر قائلا: «مع أنني لست واعظا وموجها بالمعنى الخاص لهاتين الكلمتين إنما يمكن أن أقول لمن يكتب قصيدة النثر حاليا ما يلي: اقرأوا كثيرا للأعلام من الشعراء والأدباء من جميع أنحاء العالم وبخاصة أعلام أدبنا العربي القدماء والمحدثين والمعاصرين واستوعبوا جيدا ما تقرأونه.. ثم انسوا ما قرأتم.. ثم اكتبوا تجاربكم بصدق وبراءة وتركيز وصفاء واكتبوا من الطبع وليس من الذاكرة.. ولو شاكستم الحياة.. والزمن القادم هو الناقد وهو بالتالي الحكم؟!
ربطت الشاعر الراحل صداقات بعدد من الأدباء والشعراء حيث يقول في هذا المجال: في عام 1948 سكنت في مدينة دمشق وفيها التقيت وربطتني صداقات منذ أوائل الخمسينات بشعراء وأدباء كنا نجلس سوية وبشكل يومي تقريبا بمقهى الهافانا ففيه تعرفت بأدونيس (علي أحمد سعيد) الذي كان طالبا في الجامعة السورية ويعمل محررا في مجلة (الجندي) الدمشقية بين أعوام 1950، 1954 وتعرفت على شوقي بغدادي وشاكر مصطفى وزكريا تامر الذي كان صديقا وما زال (هو رفيق الدرب). وفي أوائل الستينات تعرفت على عدد من الشعراء العرب كانوا يزورون دمشق وربطتني صداقات معهم ومنهم الشاعر بدر شاكر السياب وعبد المعطي حجازي ورجاء النقاش الذي عمل في رئاسة تحرير جريدة (الجماهير) السورية، وكان الكاتب ياسين رفاعية يعمل محررا فيها».
ويروي عامود حكايته مع أدونيس والماغوط بقوله: «محمد الماغوط هو ابن مدينتي (سلمية) مسقط رأسينا، هو ابن السماء والأرض التي عشنا فيها طفولتنا ومطالع شبابنا.. فعلاقتي معه وعلاقة قرابة في البيت والمناخ والطقس الاجتماعي.. وعلى ما أذكر.. وتحديدًا فيما يتعلق بكتابة قصيدة النثر.. كان محمد الماغوط قد أرسل إلى أدونيس في مجلة (الجندي) سنة 1951 بعض قصائده للنشر في المجلة وكنت في بعض زياراتي لأدونيس في مجلة (الجندي) ويُريني بعض مقطوعات محمد الماغوط، ويقول لي: هذا هو ابن بلدتك يبعث إلينا هذا الشعر النثري الجميل، فأطلع - أنا - عليها بحكم القرابة الجغرافية وبحكم صداقتي لأدونيس في (الجندي).. وكان كلانا يعجب بهذه المقطوعات.. بالمناسبة إنني أكبر في العمر من محمد الماغوط بحدود 3 سنوات أو 4.. ووجودي قبله في دمشق جعلني أقرأ له في مجلات (الجندي)، و(الدنيا)، و(المدينة) وعندما جاء محمد إلى دمشق تواشجت الصداقة أكثر وكان بيننا سليمان عواد، وهنا التقينا نحن الثلاثة في تحريك قصيدة النثر ومنحها الاهتمام.. وكان عواد والماغوط أكثر إنتاجا لها مني، لأنني ملت أيضا لكتابة القصيدة المقفاة وقصيدة التفعيلة منذ عام 1946 ونشرهما في مجلات: (عصا الجنة) و(الجندي) و(الدنيا) و(الجمهورية) في سوريا، وفي مجلتي (الأحد) و(كل شيء) في بيروت».



سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية
TT

سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية

عاش جبران خليل جبران مرحلةً مفصليةً من حياته في العاصمة الفرنسية باريس. ففي الأول من يوليو (تموز) عام 1908، غادر مدينة بوسطن متوجهاً إلى باريس ليدرس الفنون، وذلك بفضل الدعم المالي من راعيته وملهمته الأميركية ماري هاسكل. وشكلت هذه الرحلة المنعطف الأبرز في مسيرته الروحية والفنية، إذ تحول من فنان هاوٍ يعتمد كلياً على موهبته الفطرية، إلى رسام محترف يمتلك رؤية رمزية عميقة. وهناك صقل مهاراته في الرسم بالألوان الباستيلية والزيتية. تشبع جبران بالمدارس الفنية والفلسفية في عاصمة النور؛ فانبهر بلوحات يوجين كارير الرمزية، واكتشف فن ويليام بليك، كما اطلع على أعمال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه التي تركت أثراً بالغاً على كتاباته اللاحقة. ورغم تأكيده على تأثره العميق بالنحات أوغست رودان الذي التقاه ورسم له بورتريه بالقلم الرصاص ضمن سلسلة وجوه لعدة فنانين، إلا أنه لم تجمعهما علاقة شخصية وطيدة.

ما إن وطئت قدما جبران أرض باريس، حتى أُسر بمشهدها الثقافي. واختار السكن في حي مونبارناس الذي كان يُعرف بكونه ملتقى للفنانين والمبدعين، واستقر تحديداً في 14 شارع مين. وهناك، انخرط بشكل مكثف في دراسته؛ فالتحق بـ«مدرسة الفنون الجميلة» وأكاديمية «جوليان» لتعلم أصول الرسم الأكاديمي والنحت وتدريب عينه على المنظور والتشريح. غير أن جبران سرعان ما شعر بالغربة إزاء التعليم الأكاديمي الصارم، فترك الأكاديمية لينتقل لاحقاً إلى أكاديمية «كولاروسي» بحثاً عن بيئة فنية أكثر حريةً وتجريبيةً. في تلك الأجواء، تأثر بشدة برواد الرمزية، لا سيما الرسام الفرنسي أوجين كاريير الذي استلهم منه الأسلوب الضبابي، وتأثر بالعمق الروحي لأعمال ليوناردو دافنشي، كما تدرب على يد النحات العالمي أوغست رودان الذي ترك أثراً مباشراً في تعزيز ثقة جبران بفنه وتطوير رؤيته.

شهدت إقامة جبران نشاطاً مكثفاً؛ فقد شارك في «معرض الربيع» - أكبر تظاهرة فنية آنذاك - بلوحة زيتية عنوانها «الخريف» لفتت انتباه رودان. كما بدأ مشروعه الفني في رسم وجوه كبار أعلام الفكر والأدب، وتُوجت جهوده بدعوته رسمياً لعرض لوحاته في «معرض الاتحاد الدولي للفنون الجميلة». ولم يقتصر إبداعه على الرسم؛ إذ شهدت سنواته الباريسية إصدار كتابه الشهير «الأرواح المتمردة» عام 1908، الذي أحدث ضجة دينية وسياسية واسعة في الشرق.

في وقت لاحق، جاب جبران شوارع لندن بصحبة الكاتب أمين الريحاني، وتقاسما ذكريات الحنين إلى لبنان والانخراط في القضايا الاجتماعية. وفي يونيو (حزيران) 1909، تلقى جبران نبأ وفاة والده، وما خفف من وطأة حزنه إدراكه أن والده باركه قبل رحيله متخلياً عن طباعه الاستبدادية.

حلم يتحقق في «القصر الصغير»

تميزت إقامة جبران بنضج فني كبير، تجلى في رؤيته الرمزية للجسد البشري والطبيعة، وهو التحول الروحي والفلسفي الذي مهد لولادة رائعته الأدبية «النبي» لاحقاً. تُوجت هذه المرحلة بقبول لوحته «الخريف» في معرض الجمعية الوطنية للفنون الجميلة عام 1910، ودعوته للمشاركة بست لوحات في معارض مرموقة أخرى.

«إن من أعز أحلامي هو هذا: في مكان ما، تُعلّق مجموعة من أعمالي، لعلها خمسون أو خمس وسبعون لوحة، معاً في مدينة كبرى، حيث يراها الناس، وربما يحبونها». بهذه الكلمات عبّر جبران عن أعمق أمنياته، وهو الحلم الذي تحقق في الأول من مارس (آذار) عام 2018. فبفضل جهود سينتيا سركيس بيروس (عبر مؤسستها Luxury Limited Edition)، نُظم معرض «حياة جبران» في «القصر الصغير» (Petit Palais) بباريس، تلاه حفل عشاء فخم. سلط المعرض الضوء على النزعة الصوفية في أعماله وشغفه بأسرار الأديان، مجسداً مقولته: «الفن خطوة من المألوف والمعلوم، نحو الخفي والمجهول». وقد رأى هذا الحدث النور بدعم من الراعي أندريه جورج إيليوفيتس، و«لجنة جبران الوطنية» التي ساهمت في إبرازه للعالم كفنان تشكيلي وليس ككاتب فحسب.

التحولات الفنية

كانت باريس نقطة التحول التي نقلت جبران من الهواية إلى الاحتراف الفني، حيث انفتح على آفاق فلسفية أعادت صياغة رؤيته للكون والإنسان. تأثر بالنزعة الصوفية على يد أستاذه في «أكاديمية جوليان» بيير مارسيل بيرونو، وتشرب نظرية «الدفعة الحيوية» للفيلسوف هنري برجسون، وأعاد اكتشاف الرومانسية الفرنسية (روسو وهوغو). كما تأثر بشدة بالنحات أوغست رودان وطريقته الدرامية في تعبير الأجساد، حتى إن رودان شبّهه بالشاعر والفنان البريطاني وليم بليك.

وقد شهدت هذه المرحلة ولادة مجموعة من أبرز أعماله التي عكست نضجه الرمزي والتعبيري، كما في لوحة «الخريف»، وهي عمل زيتي يفيض بالشاعرية والشجن، استخدم فيه جبران درجات الألوان الترابية والدافئة ليعكس ذبول الطبيعة وتداخلها مع المشاعر الإنسانية، مجسداً فكرة الموت البطيء للطبيعة كمقدمة لولادة جديدة. وكذلك في سلسلة «الأرض والأم»، وضمت رسومات منفذة بالفحم والحبر الصيني، تصف أجساداً بشرية عارية وملتفة كالجذور لترمز إلى وحدة الوجود والاتصال الأنطولوجي بالأرض. شكلت هذه الرؤية البصرية الأساس الفني لرسوماته اللاحقة في كتاب «النبي»، وأيضاً في بورتريه الشاعر «أمين الريحاني»، الذي ركز فيه جبران على تصوير الهوية الروحية بدلاً من الملامح الدقيقة، مستخدماً الظلال القوية وضربات الفرشاة العريضة لإبراز عمق التفكير والنزعة المتمردة، مما جعله تجسيداً «للفكر الساكن في الجسد».

نجح جبران في عرض بعض هذه اللوحات في «صالون الفنون الجميلة» (Salon des Beaux-Arts) عام 1910، وهو إنجاز كبير لفنان قادم من الشرق آنذاك.

كانت مقاهي باريس وجسور نهر السين مسرحاً لنقاشات يومية عميقة بين جبران والريحاني حول الفن والدين. وعبر جبران عن ضيقه بالقيود الاجتماعية والدينية في العالم العربي، مبشراً بثورة روحية شكلت النواة الأولى لأفكاره التحررية الصادمة. هناك، اطلع جبران على الفلسفة الحديثة وأفكار نيتشه حول «الإنسان المتفوق»، التي ألهمته كتابة مؤلفات متمردة مثل «المواكب» و«العواصف». كما صقلت حرية العاصمة الفرنسية نزعته الكونية، فبدأ يرى الإنسانية ككل لا يتجزأ، ممهداً لولادة رائعته «النبي».

لعبت ماري هاسكل، مديرة المدرسة الأميركية التي تكبر جبران بأعوام، الدور الأبرز في تمكينه من خوض مغامرته الباريسية. فبفضل إيمانها المطلق بعبقريته الفنية، تحملت كافة نفقات سفره وإقامته؛ إذ تولت دفع تكاليف دراسته في «أكاديمية جوليان»، ووفرت له مخصصات شهرية ثابتة أتاحت له التفرغ الكامل للإبداع بعيداً عن شبح العوز الوشيك.

ذكريات يوسف الحويك

وثّق الفنان اللبناني يوسف الحويك في مذكراته تفاصيل الحياة اليومية لجبران، حيث تشاركا العيش في محترفات متواضعة بحيّ مونبارناس. اقتسم الصديقان قسوة الفقر والقروش القليلة لشراء الخبز وأدوات الرسم، وكان الحويك سنداً لجبران في لحظات كآبته وانعزاله. أما رفيق دربه الحويك، فقد اختار البقاء في باريس لفترة أطول لمتابعة صقل مهاراته في النحت الكلاسيكي قبل عودته لاحقاً إلى لبنان. ورغم الفراق الجغرافي الذي فرضه المحيط الأطلسي، لم ينقطع الرابط الروحي بين الصديقين؛ إذ ظلت رسائلهما المتبادلة تنبض بذكريات أيام الجوع والفن في حي مونبارناس، وهي الصداقة التي توجها الحويك لاحقاً بإصدار كتابه التوثيقي «ذكرياتي مع جبران». تجلى التباين الإبداعي بين الصديقين في طريقة التعامل مع المادة والفكرة؛ فكان جبران يمثل «الرسام الشاعر» الذي يغزل بالفحم والحبر والزيت خطوطاً انسيابية وأجساداً ضبابية تجسد الأفكار الميتافيزيقية بعيداً عن القيود المادية. في المقابل، كان الحويك يمثل «النحات الكلاسيكي» الذي يتعامل مع الصلصال والرخام، باحثاً عن الكتلة، والأبعاد، والتوازن التشريحي، ليركز على الواقعية المحكمة والقوة البدنية للأشكال.

نهاية الرحلة

بحلول خريف عام 1910، شعر جبران أنه استهلك ما يمكن لباريس أن تقدمه له من أدوات تقنية وتيارات فنية، وبات يمتلك الثقة الكاملة في هويته المستقلة بعد مشاركته الناجحة في «صالون الفنون الجميلة».

تزامن هذا النضج الفني مع اشتداد الأزمة المالية؛ فتكاليف الحياة المرتفعة في باريس ورغبة جبران في مساعدة رفاقه جعلت الميزانية تضيق، كما واجهت هاسكل بدورها ضغوطاً مادية في أعمالها التعليمية بأميركا. وبناءً على خطابات صريحة بينهما، اتفق الطرفان على أن الرحلة حققت أهدافها بصقل أدواته. أُضيف إلى ذلك رغبته الملحة في العودة لرعاية شقيقته «ماريانا» التي تُركت وحيدة في بوسطن، وقناعته بأن نيويورك هي الميدان الأرحب لطموحاته. وعليه، أرسلت له هاسكل ثمن تذكرة العودة عبر المحيط الأطلسي، ليغادر باريس في أكتوبر (تشرين الأول) 1910. عاد جبران إلى بوسطن، لكنه لم يبقَ فيها طويلاً؛ إذ سرعان ما انتقل عام 1911 إلى المركز الثقافي الصاخب «نيويورك». هناك، استأجر محترفه الشهير الذي أطلق عليه اسم «الصومعة» (The Hermitage) في شارع غرب العاشر، وهو المكان الذي قضى فيه بقية حياته، وتحوّل إلى ملتقى للمفكرين والمهاجرين العرب، والشاهد الأول على كتابة روائعه الخالدة.

لم تنس فرنسا زيارة صاحب «النبي»، لذلك احتفت بعبقرية جبران إذ أطلقت العاصمة باريس اسمه على مساحة خضراء في الدائرة الخامسة عشرة، ليُعرف بـ«ممشى جبران خليل جبران» (26 رصيف أندريه سيتروين سابقاً). وقد أشاد عمدة الدائرة، السيد فيليب غوجون، بهذا التكريم، معتبراً إياه احتفاءً بواحد من أبرز شخصيات العالم، وتكريماً لجذوره ووطنه لبنان.

لم تنس فرنسا جبران إذ أطلقت باريس اسمه على مساحة خضراء في الدائرة الخامسة عشرة لتعرف بـ«ممشى جبران خليل جبران»


«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة
الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة
TT

«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة
الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة

في كتابها «إسكندرية فين؟.. رحلة تناجرا» الصادر أخيراً عن دار العين للنشر بالقاهرة، لا تنطلق الكاتبة والباحثة المصرية ياسمين عبد الله، في بحثها عن مدينتها الإسكندرية، من نبرة عاطفية تجاه المدينة التي لا تخفي أنها «لا تحبها بالقدر الكافي»، ولا تعرفها خارج النطاق المحدود لتحركاتها اليومية.

إلا أن لقطة متحفية تقود الكاتبة إلى رحلة بحثية مفصلة، حين تستوقفها تماثيل «تناجرا» الصغيرة، المصنوعة من الطين المحروق، التي ازدهرت صناعتها في العصر الهلنستي، وحاكت في هيئاتها الدقيقة سيدات المدن اليونانية بملابسهن وتسريحات شعورهن... تقودها هذه التماثيل إلى تبني منظور جديد لمدينتها؛ فتنتقل من تأمل التماثيل الساكنة خلف الزجاج إلى «تحريكها» عبر سرد بحثي ذاتي، لتتخيل «تناجرا» رفيقات تخرج معها إلى الشوارع، وتقودها بين طبقات الإسكندرية وتاريخها وثقافتها.

ومن هذه المسافة المحايدة، التي لا تخلو من التخييل، تعيد الكاتبة بناء علاقتها بالمدينة، وتستعيد حياة غابت مبانيها وبقي أثرها في الكتب والتماثيل. وبينما تسير الرحلة إلى الوراء مع عقارب التاريخ، تمضي بها في الاتجاه المقابل وجدانياً؛ فكلما ابتعدت صوب الإسكندرية القديمة، اقتربت من مدينتها المعاصرة، لتتحوّل المسافة الأولى إلى مصالحة، ثم إلى شغف كبير بما اختفى من وجوهها، في استدعاء لظلال قسطنطين كفافيس ومدينته التي لا يتركها المرء خلفه، بل تظل تسكنه وتمضي معه أينما مضى.

«تناجرا» أمام «تناجرا»

تعود بداية الرحلة إلى زيارة «المتحف اليوناني الروماني» بالإسكندرية بعد إعادة افتتاحه، حين استوقفت الكاتبة، داخل القسم اليوناني، تماثيل «تناجرا»، التي حملت اسم مدينة في إقليم «بيوتيا» اليوناني بعدما عُثر على أعداد كبيرة منها في مقابر المنطقة خلال القرن التاسع عشر.

اختزنت تلك التماثيل في هيئاتها وثيابها جانباً من حياة النساء وحدود حركتهن داخل المجتمع اليوناني القديم؛ وكانت الإسكندرية أحد المراكز المهمة لصناعتها، فبدت التماثيل أقرب إلى شواهد صغيرة على نساء المدينة اللواتي غبن عن الروايات الكبرى للتاريخ، بينما بقيت ملامحهن وأزياؤهن ووقفاتهن محفوظة في الطين.

وأمام الخزانة شعرت عبد الله بأنها «تناجرا» أخرى؛ فالتماثيل مقيدة بثيابها وأعراف عصرها، بينما قيدت الكاتبة نفسها بإرادتها داخل دائرة محدودة من المدينة، عندئذ تتحوّل «تناجرا» من موضوع أثري إلى قرينة للكاتبة ومرشدة لها، وتتخيلها تطالب بالخروج من أسر خزانة المتحف الأثري إلى فضاء المدينة.

تحمل الكاتبة رفيقتها المتخيلة بين الأزمنة والأماكن، وتمنحها حرية حركة حُرمت منها نساء الإسكندرية القديمة، وفي الوقت نفسه تحرر ذاتها من المسافة التي قيّدت علاقتها بالمدينة المعاصرة.

«الأجورا» وخريطة المدينة

تحضر أنثوية الإسكندرية في الكتاب بوصفها زاوية للنظر إلى التاريخ، فالمؤلفة لا تكتفي بتتبع الملوك والحروب والمنشآت الكبرى، لكنها تبحث عن أثر الحياة اليومية: أين سكنت النساء؟ وما الأماكن التي أتيح لهن دخولها؟ وكيف تحركن في الشوارع والأسواق؟ وماذا تكشف ملابسهن وحليهن وهيئاتهن عن موقعهن داخل المجتمع؟

تصف عبد الله خطتها الأولى بأنها محاولة لـ«تأنيث المدينة»، أي التعرف إلى أماكن وجود النساء وحياتهن في الإسكندرية القديمة. لكن «تناجرا» المتخيلة تتمرد حتى على هذا الإطار؛ فلا تريد أن تظل أسيرة الأماكن التي سمح المجتمع القديم للنساء بدخولها، بل تطلب أن تمضي في المدينة كلها. وهكذا يتجاوز «تأنيث المدينة» مجرد إضافة النساء إلى التاريخ، ليعيد رسم الخريطة من منظور الحركة والغياب والحق في الوجود داخل الفضاء العام. يعزز ذلك أن الكتاب يعتمد على التفاصيل الصغيرة بوصفها منافذ إلى الصورة الكبرى، فتنتقل الكاتبة إلى طبيعة المجتمع وعاداته ومساحات الحرية المتاحة لأفراده.

تحتل فضاءات المدينة مكانةً مركزيةً في الرحلة، في مقدمتها «الأجورا»، السوق والساحة العامة في المدينة اليونانية، تقرأها عبد الله باعتبارها «غرفة المعيشة المركزية» للإسكندرية القديمة؛ مكاناً للتجارة والتجمع والتواصل والاحتفال، يكشف تصميمه أن العمارة لم تكن مباني جامدة، بل مسرح للحاجات والمشاعر الإنسانية.

ومن دلالة «الأجورا» تذهب الكاتبة إلى مصطلح «الأجورا فوبيا»، أو «رُهاب الخلاء» والأماكن العامة والحشود، في تقاطع بين المكان القديم والخبرة النفسية الحديثة، تجمع هذه المقاربة بين التاريخ المعماري والسؤال الإنساني الذي يحرك الكتاب، وهو كيف تؤثر المدينة في حركة ساكنيها وشعورهم بأنفسهم؟ ومن يملك حق التجول فيها، ومن يقف عند حوافها؟

إلى جوار «الأجورا»، يتطرق الكتاب إلى الحمامات والأسواق والبيوت والكرنفالات، وتقرأ الكاتبة الحمامات، مثلاً، بوصفها مساحة أنثوية كاشفة للذوق والحالة الاقتصادية والعادات الاجتماعية، وتتتبع استمرارها مكوناً رئيساً في الإسكندرية بعد الفتح العربي وخلال العصور الإسلامية اللاحقة.

مدينة من الشِعر

لا تقتصر استعادة الإسكندرية على عمرانها، إنما تمتد إلى ثقافتها ومزاجها الفكري والأدبي، ولذلك تستدعي عبد الله المكتبة القديمة والموسيقيين وشعراء المدينة وعلماءها ومعاركهم، لتستعيد من خلال ذلك الإسكندرية بوصفها مركزاً لإنتاج المعرفة والأشكال الأدبية، لا موقعاً للمباني الأثرية فقط.

ومن أبرز الوجوه التي تتوقف أمامها الشاعر كاليماخوس، أحد أبرز المعبّرين عن روح الشعر السكندري. تتبع مسيرته في المكتبة الكبرى، وانحيازه إلى الإيجاز والنبرة الفردية المبتكرة، وصراعه مع أبولونيوس الروديسي المتمسك بالنموذج الملحمي الهومري.

وتكشف هذه المعركة حيوية المجال الثقافي داخل المدينة؛ فالشعراء يتنافسون، والأشكال الأدبية تتغير، والمكتبة لا تختزن النصوص فحسب، بل تسهم في صناعة ذائقة جديدة. ومن المرثية إلى «الإيجراما» الموجزة، يطل المجتمع السكندري بما فيه من حب وحزن ومنافسات بلاطية ومديح للملوك ووصف لمعالم مثل الفنار.

يمتد الكتاب في رصد طبقات الإسكندرية منذ ما قبل تأسيسها، مروراً بحلم الإسكندر الأكبر، الذي تهدي إليه الكاتبة كتابها، ثم مراحل بناء المدينة وتوسعها، والفنار والمكتبة والحي الملكي والمساكن والمرافق والحياة الفكرية والدينية، وصولاً إلى تحولات العصرين الروماني والمسيحي، والفتح العربي وما أعقبه من تغيرات في هوية المدينة. ومن هذه الطبقات تجمع الكاتبة أجزاء مدينة اختفى معظمها تحت الماء أو التراب، وتحاول استعادتها لا بوصفها خريطة أثرية، بقدر ما هي مكان قابل للتخيّل والحياة.

ويكشف الكتاب أنه بخلاف القاهرة، التي ما زالت عصورها ماثلة في شوارعها ومبانيها، لا تقدم الإسكندرية حكايتها مباشرة، وإنما يستلزم الوصول إليها البحث في الكتب وشهادات المؤرخين وبقايا الآثار وأسماء المناطق؛ فهي مدينة لا يُعثر عليها دفعةً واحدةً، بل يعاد تركيبها من الشذرات.

فهكذا، يحمل عنوان «إسكندرية فين؟» سؤالاً يتجاوز البحث عن موضع المدينة القديمة تحت طبقات المدينة الحديثة؛ إنه سؤال عن اللحظة التي فقدت فيها الإسكندرية قدرتها على التعبير عن تاريخها، وعن المسافة بين صورتها الأسطورية وحاضرها، وكذلك عن موقع المدينة داخل وعي أبنائها. فالكاتبة التي بدأت رحلتها من الاعتراف بأنها لا تعرف الإسكندرية ولا تحبها بما يكفي، تكتشف أن المعرفة نفسها قد تكون طريقاً واسعاً للارتباط بها ومحبتها.


الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».