إسماعيل عامود: قصيدة النثر فقدت شفافيتها ودخلت في دهاليز غامضة

إسماعيل عامود: قصيدة النثر فقدت شفافيتها ودخلت في دهاليز غامضة

كان واحدا من روادها الثلاثة في سوريا
الاثنين - 12 جمادى الأولى 1436 هـ - 02 مارس 2015 مـ
الشاعر السوري الراحل إسماعيل عامود

رحل أخيرا في مسقط رأسه مدينة السلمية، وسط سوريا، الشاعر إسماعيل عامود عن عمر ناهز 85 عاما، الذي يعتبر واحدا من 3 شعراء هم رواد قصيدة النثر في سوريا مع ابني مدينته الشاعرين الراحلين محمد الماغوط وسليمان عواد، كما أنه أحد مؤسسي اتحاد الكتاب العرب أواخر ستينات القرن الماضي، والمفارقة هنا أن الشاعر عامود الذي كان يسكن العاصمة دمشق حتى وفاة زوجته المربية الدمشقية عائشة اللحام في منتصف الثمانينات انتقل للسكن في مسقط رأسه حيث تزوج من هناك. وقبل 13 عاما تلقت زوجته التي تعمل موظفة في بنك بالسلمية برقية تعزية من إدارة اتحاد الكتاب العرب يعزونها بوفاته. وعندما اتصلت مع منزله للتعزية ولنشر خبر الوفاة رد الشاعر عامود ضاحكا وكان ما زال بصحته الجيدة قائلا: «يبدو أن البعيد عن العين بعيد عن القلب! أشكرهم على كل حال.. هذه ضريبة الأديب والمبدع الذي يسكن في الأرياف والمدن البعيدة عن العاصمة!».
وللشاعر عامود 11 مجموعة شعرية مطبوعة كان أولها ديوانه «التسكع والمطر» الصادر بدمشق عام 1962. ومن ثم توالت دواوينه الشعرية بعد أن تفرغ للعمل الأدبي كأمين تحرير لمجلة الثقافة الدمشقية، ومنها: «السفر في الاتجاه المعاكس، من أغاني الرحيل، كآبة، أغنيات لأرصفة البالية، الكتابة في دفتر دمشق، العشق مدينة لا يسكنها الخوف، أشعار من أجل الصيف، إيقاعات في أنهار الشعر، قلت للجميلة، وخبز بلا ملح (وهو عن تجربة الإياب إلى مسقط رأسه السلمية)».
حول قصيدة النثر التي يكتبها وكان أحد روّادها في سوريا، قال عامود في حوار لي معه: «إن جيلي الذي ساهم في كتابة قصيدة النثر في سوريا كان يكتب بشفافية - مرمزة - من واقع الحال الوجداني - الروحي.. إذا صح لي هذا القول.. أي كتبنا قصيدة النثر من خلال تجربة حيّة كانت تتحرك عبر مدى من واقعنا، وهمومنا، وتطلعاتنا.. فيفهم قارئنا علينا فينسجمُ معنا ويحبنا.. أما في هذه الأيام (في الـ20 سنة الأخيرة) فإن قصيدة النثر فقدت شفافيتها وورديتها ودخلت في دهاليز غامضة ليس لها منافذ نحو الشمس!».
وللراحل رأي في المشهد الشعري السوري الحالي أوضحه في حواري هذا معه: «عموما إنه مشهد مهزوز. هناك فوضى غير مقدسة واختلاط وتشابك وتداخل في مدارسه الأدبية.. ولكنني متفائل بأن المشهد الثقافي سيأتيه الصحو والصفاء في قادم الأيام..أقول هذا لأن الشعر ابن الحياة، بل هو وليدها المدلل، إنه يترعرع ويتسامى مع الحياة وعلوها وينخفض بتأثير انخفاضها».
ويوجه عامود كلامه للشعراء الجدد الذين يكتبون قصيدة النثر قائلا: «مع أنني لست واعظا وموجها بالمعنى الخاص لهاتين الكلمتين إنما يمكن أن أقول لمن يكتب قصيدة النثر حاليا ما يلي: اقرأوا كثيرا للأعلام من الشعراء والأدباء من جميع أنحاء العالم وبخاصة أعلام أدبنا العربي القدماء والمحدثين والمعاصرين واستوعبوا جيدا ما تقرأونه.. ثم انسوا ما قرأتم.. ثم اكتبوا تجاربكم بصدق وبراءة وتركيز وصفاء واكتبوا من الطبع وليس من الذاكرة.. ولو شاكستم الحياة.. والزمن القادم هو الناقد وهو بالتالي الحكم؟!
ربطت الشاعر الراحل صداقات بعدد من الأدباء والشعراء حيث يقول في هذا المجال: في عام 1948 سكنت في مدينة دمشق وفيها التقيت وربطتني صداقات منذ أوائل الخمسينات بشعراء وأدباء كنا نجلس سوية وبشكل يومي تقريبا بمقهى الهافانا ففيه تعرفت بأدونيس (علي أحمد سعيد) الذي كان طالبا في الجامعة السورية ويعمل محررا في مجلة (الجندي) الدمشقية بين أعوام 1950، 1954 وتعرفت على شوقي بغدادي وشاكر مصطفى وزكريا تامر الذي كان صديقا وما زال (هو رفيق الدرب). وفي أوائل الستينات تعرفت على عدد من الشعراء العرب كانوا يزورون دمشق وربطتني صداقات معهم ومنهم الشاعر بدر شاكر السياب وعبد المعطي حجازي ورجاء النقاش الذي عمل في رئاسة تحرير جريدة (الجماهير) السورية، وكان الكاتب ياسين رفاعية يعمل محررا فيها».
ويروي عامود حكايته مع أدونيس والماغوط بقوله: «محمد الماغوط هو ابن مدينتي (سلمية) مسقط رأسينا، هو ابن السماء والأرض التي عشنا فيها طفولتنا ومطالع شبابنا.. فعلاقتي معه وعلاقة قرابة في البيت والمناخ والطقس الاجتماعي.. وعلى ما أذكر.. وتحديدًا فيما يتعلق بكتابة قصيدة النثر.. كان محمد الماغوط قد أرسل إلى أدونيس في مجلة (الجندي) سنة 1951 بعض قصائده للنشر في المجلة وكنت في بعض زياراتي لأدونيس في مجلة (الجندي) ويُريني بعض مقطوعات محمد الماغوط، ويقول لي: هذا هو ابن بلدتك يبعث إلينا هذا الشعر النثري الجميل، فأطلع - أنا - عليها بحكم القرابة الجغرافية وبحكم صداقتي لأدونيس في (الجندي).. وكان كلانا يعجب بهذه المقطوعات.. بالمناسبة إنني أكبر في العمر من محمد الماغوط بحدود 3 سنوات أو 4.. ووجودي قبله في دمشق جعلني أقرأ له في مجلات (الجندي)، و(الدنيا)، و(المدينة) وعندما جاء محمد إلى دمشق تواشجت الصداقة أكثر وكان بيننا سليمان عواد، وهنا التقينا نحن الثلاثة في تحريك قصيدة النثر ومنحها الاهتمام.. وكان عواد والماغوط أكثر إنتاجا لها مني، لأنني ملت أيضا لكتابة القصيدة المقفاة وقصيدة التفعيلة منذ عام 1946 ونشرهما في مجلات: (عصا الجنة) و(الجندي) و(الدنيا) و(الجمهورية) في سوريا، وفي مجلتي (الأحد) و(كل شيء) في بيروت».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة