التخفي وراء الكتب... والأصدقاء

مقارنة بين «مذكرات» غالب هلسا وخليل صويلح وقاسم حداد

التخفي وراء الكتب... والأصدقاء
TT

التخفي وراء الكتب... والأصدقاء

التخفي وراء الكتب... والأصدقاء

أعترف بأنه اختيار انتقائي للكتاب الثلاثة، غالب هلسا وخليل صويلح وقاسم حداد، بدافع المقارنة وتوافر سبل الاختلاف بينهم لإظهار حقيقة واحدة مفادها أننا في الشرق نهاب تدوين المذكرات الشخصية بشكل صريح. الخيط الرابط بين الثلاثة هو تناولهم عالم الكتب والأصدقاء والتخفي خلف ذلك، ابتداءً من الغلاف الذي يحمل العنونة، فغالب هلسا يتخفى ليكتب مذكراته بعنوان «أدباء علموني»، وخليل صويلح بعنوان صادم «ضد المكتبة»، وكأنه يبعد شبهة التدوين، وقاسم حداد بعنوان «جوهرة المراصد»، وهو عنوان غامض لا تكتشفه إلا بقراءة الكتاب.
وعمد الثلاثة إلى الالتفاف على كتابة مذكرات، فتناولوا الحياة المحايثة لمسيرتهم ككتاب. وإن كان صويلح وحداد كتبا ذلك بنفسيهما، فإن كتاب هلسا تم بإشراف الكاتب ناهض حفتر، الذي أشرف على تجميع وإعداد ما كتبه هلسا في أوقات متباعدة، ولم يسعفه الزمن ليطبعها وهو حي.
ويلمح ناهض حفتر في المقدمة إلى أن الكتاب يمثل «نوعاً أدبياً جديداً في الأدب العربي المعاصر، إذ تتضمن فصوله ضرباً من سيرة ذاتية فكرية أدبية ومعالجات نقدية معمقة، ومعالجات نظرية ثقافية وسيكولوجية، وتأملات في الحياة العربية وتصاوير فنية لشخصيات أدبية ثقافية، كل ذلك في إطار نص واحد له الكثير من سمات النص الروائي» (ص8). وهنا وضع ناهض سيرة مع معالجات أخرى، أي أنها سيرة متخفية مع مقاصد أخرى، فيما كتب خليل صويلح بأسلوب سردي، اعتنى بتشذيبه بطريقة دقيقة. أما قاسم حداد فقدم (بورتريهات) قائلاً إنه «يكتب للصحافة بالشرط الأدبي ولا يذهب للكتابة بالشرط الصحافي». وهنا تتحول الكتابة إلى جانب آخر محايث للنقد، لا يغادره، بل يعيش في رحابه ضمن سيرته القرائية الذاتية.
هلسا: أدباء علموني... أدباء عرفتهم
يعطينا غالب هلسا درساً حياتياً تخلقه الكتب من خلال خلط وقائع الزمن والعيش داخل الحلم ضمن نشاط ذاتي، يقصي كثيراً من التأثر بالآخر بصورة مباشرة. يقول: «ولكن أليست لذلك ميزة ما؟ أعني غياب السياق التاريخي للشخوص والوقائع وخلط الأزمنة والأمكنة واعتبار التاريخ واقعاً يومياً يدور حولنا». (ص 10) في سياق سرد طفولته القرائية، إذا جاز التعبير، وهو يتحدث عن أرسين لوبين والزير سالم ورغبته للانتقام من الغجر، لأنهم قتلوا كليب. إنه لا يتحدث عن نفسه باعتباره كياناً بشرياً، له صلة اجتماعية أو سياسية بمحيطه يحكمها زمن محدد، بل يرتدي متون الكتب درعاً لتسويق حياته الخاصة، باعتبار أن الكتاب «حياته المفترضة وجنته الوحشية، وجحيمه الرحيم واختيار التكوين الحر، ومعرفة الآخرين من دون حاجة للتعثر بالمجاملات والنظر في الساعة خشية مكوثهم فترة أطول». هلسا يعيد إنتاج حيوات الشخوص في الكتب، ضمن بيئته حتى يصل إلى الخوف من إعادة القراءة للكتب التي قرأها في بدايته، بقوله: «ما زلت حتى الآن أخشى أن أعيد قراءة حكاية الزير سالم.
أخاف أن تفقد الأسطورة قدرتها على الالتحام بالواقع فأفقد لحظة البداية، فيصبح العالم مجرد تراكمات عرضية ورتيبة، تفتقد السر، وتفتقد العالم الغرائبي الذي يختبئ خلفه» (ص 12)، وكأنه يسلم بوجود حياة واحدة مضت، وهي حياته التي تشكلت في زمانه المعاش ولكن تحت أغلفة الكتب، حتى وإن اكتشف أن كليب كان طاغية وأن جساس كان يحمي امرأة مسكينة تملك ناقة وحيدة.
الكتب عند هلسا، هي حياته الأجمل في طفولته (التي تختنق بالرتابة والملل وعنف الكبار وضيق أفقهم) (ص17). الكتابة جعلت غالب هلسا جوانياً يخلق حياته الخاصة في ظلام الغرفة مسترجعاً حياة الكتب وحكاياتها ضمن (إحساس الفنان الذي يكتشف أبعاداً جديدة للواقعة اليومية العادية: بعد الدلالة، وبعد الارتباط بمنظومة من الوقائع لتشكيل بنية، وبعد الوجود الإنساني في العالم... أي تلك الحرية الداخلية التي يمتلكها الفنان عندما يعيد صياغة العالم المحيط به) (ص 19)
جولة غالب هلسا في حياته - الكتب التي عاشها - من الزير سالم إلى تيسير سبول، مروراً بهيمنغواي وطه حسين ويحيى الطاهر عبد الله وابن المقفع، هي درعه الحصين واكتشافه الأوحد، أما الحياة الواقعية فهي العيش فقط ضمن زمن تحقق لا جدال فيه. الحياة لوح أبيض نقشت عليها الكتب تجربته التي يسبح في امتدادها اللامتناهي، معترفاً بفضل القراءة عليه من خلال الكتّاب الذين علموه أن يصبح كاتباً: «لقد علموني كيف أرى العالم من حولي بشكل جديد وكيف أضعه في سياق العمل الروائي، بمعنى أنني لولاهم لما أصبحت كاتباً». (ص 53)

خليل صويلح... ضد المكتبة

من يقرأ كتاب خليل صويلح، «ضد المكتبة» سيعثر حتماً على الجدية الصارمة في تطبيق ما يراه نقدياً هو الأصلح في اختيار العنوان والاستهلال المبهر الذي يجب توفره عند الكاتب ليكون مبهراً وقابلاً للقراءة والمتعة، فهو يرى نفسه إزاء الكتب «مفتوناً بدور الطريدة لا الصياد» (ص7)، وما عيشه في الحياة إلا التفتيش في «متاهة كتب أخرى، مثل لعنة أبدية، في تجوال طليق يطيح هندسة رفوف المكتبة، رأساً على عقب!» (ص 7). يحتمي صويلح أيضاً بتاريخ المكتبة الضائع: «كان علي أن أنتبه جيداً إلى مقاييس حجم المكتبة التي أنوي تفصيلها بما يتناسب مع ارتفاع وعرض الباب الخارجي للمنزل المستأجر، وذلك لإدخالها لاحقاً بلا رضوض» (ص9). أصبحت الكتب هي سيرته الشخصية التي يحفظها بديلاً عن الهجران والتشرد. وبطريقة السرد الروائي ينقل لنا حياته - ورمزيتها المكتبة - فهو لا يفصح عن التحولات الفكرية صراحة، بل بشير إليها كما في الحكاية التالية «حجزت رفاً في المكتبة لتلك المجلدات كهوية صريحة لانتمائي الماركسي الصلب. ولأن مكتبتي خضعت لارتحالات قسرية، من منزل مستأجر إلى آخر، فقد أهديت تلك المجلدات لأحدهم في إحدى نوبات «التعزيل» ، كما سأتخلص لاحقاً من مجلدات الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، بنصف ثمنها، لأسباب تتعلق بالإفلاس هذه المرة» (ص10). إننا هنا نتعرف على حياة الكاتب خليل صويلح، من خلال الحاضنة الأرحب في حياته، ألا وهي المكتبة التي تعرضت (لخمس رحلات قسرية) (ص 10) ويبدو أن تعوده على الفقدان لكتب دعته للمجازفة بالقول: «سأجازف أكثر بأن أدعو إلى فكرة اللا مكتبة ومديح فضيلة التجوال) (ص12). إننا نقرأ مذكرات شخصية لصويلح من خلال الكتب التي يختارها ضمن عملية التخلي الطوعي عن بعض العناوين: «أظن، من دون تنظيف المكتبة من الأعشاب الضارة، ستكون نوعاً من الجحيم الدنيوي». (ص 14)
إنه عشق الحياة عبر التسلل من أبواب الكتب، حيث تصبح الحياة مجرد إقامة رمزية أو تلمس وجود فقير إزاء ثراء معرفي مكتنز في الكتب، أو حيازة حياة الآخرين حتى يصبحوا، أصدقاء خلص لا يخونون أبداً. وهو يلخص لنا رأيه في آخر جملة بالكتاب: أن تكون «ضد المكتبة»، فأنت تحتاج إلى مكتبة أخرى، بخطط ومتاهات لا نهائية!» (ص 134)

قاسم حداد... جوهرة المراصد

يختلف البحريني قاسم حداد في سرد السيرة الذاتية، لا من خلال الكتب - وإن استعان بها - بل من خلال بورتريهات الكتاب الذين عايشهم، مسقطاً عليهم بعضاً من انطباعاته، أو كما كتب في المقدمة الكاتب عبد الله سفر «هذا التحديد العام بمثابة القماش والأصباغ يدلف بها حداد إلى محترفه، لا لينجز صورة مطابقة، نسخة فجة فظة. إنما هي صورته هو، صورته الخاصة. من منظوره الشخصي» (ص 15). إن حداد يعطينا مفتاحاً للتأكيد على الهوية، على قيمة الحياة في الصداقة، وعلى أهمية معرفة الذات من خلال الأصدقاء وكتبهم، مملحة باللقاءات الشخصية رغم ندرتها أحياناً حيث يقول: «لست واثقاً بالضبط، ما إذا كنت فيما أكتب هذه البورتريهات عمن أعرف من الأصدقاء، أبحث بدوري عن قاسم حداد في هؤلاء الأصدقاء»، (ص 19).
يحول مشاهدته لمحمود درويش في مهرجان جرش في الأردن عام 1997 إلى مقارنة بين جماهيرية درويش وبين الجواهري حارس بوابة الشعر العمودي، مشيراً إلى مطالب الجماهير السياسية التي تحيق بالشاعر، فيما هو يريد الانطلاق في عالم رحب مفتوح ناشداً الحرية بلا حدود: «كيف يستطيع الشاعر أن يكون صوتاً لذاته الجديدة وأن يكون معبراً في الوقت نفسه عن لحظته الحضارية وبصيغة أخرى، أن يكون «شاعراً» بمعزل عن سلطة الجمهور»...
لذلك حين سمعت خبر وفاة الجواهري، رددت بداخلي تعبير «لكنها تدور»... فرغم بنية التقليد التي لا تزال حاضرة في الثقافية الشعرية العربية، فإن شاعراً مثل محمود درويش لا يزال يعمل على تجاوز تلك البنية (ص 79)
حداد يكتب عن «وجوه الكتابة»، إن صح التعبير، وتجارب عاشها مع بعض شخصيات الكتابة، إنه يكتب ريبورتاجاً صحافياً بطريقة أدبية، عن مهرجانات ومشاعر، عن الانطباع في القراءة والاستماع والمعايشة، متسلحاً بالتاريخ الشخصي للكتاب وعوامل تألقهم وحتى انحداراتهم، لأن للهزيمة أو الانتصار لغة تتمثل إحدى الحالتين وتصبح أدباً. هنا المؤلف يتحدث أصالة عن غيره ليدعم فكرة وجوده الحياتي، ويفعل ذلك كمن يحمي وجهه من الشمس الشرقية الساطعة الساخنة بظل كتاب يرفعه فوق رأسه سائراً نحو حياته الموغلة في التفاصيل الغائمة حتى يصل لمتاهة المرايا:
هذا هو قاسم حداد... تقريباً
لكم توهمت أنني رأيته في هذه المرايا، فيما كان متماهياً في الزئبق.
ها أنا أثق بأنني لا أعرفه أبداً
من يزعم أنه يعرف نفسه. (ص 325)



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.