هوية تائهة في متاهات ما بعد الحرب العالمية الثانية

هوية تائهة في متاهات ما بعد الحرب العالمية الثانية

ترجمة عربية لرواية «شتيلر» للسويسري ماكس فريش
الاثنين - 26 شوال 1442 هـ - 07 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15532]

بعد نحو 70 عاماً على صدورها، تأتي هذه الترجمة العربية لرواية «شتيلر» الشهيرة للكاتب السويسري ماكس فريش، التي يطرح من خلالها سؤال الهُوية التائهة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عبر عُقدة سردية تتتبع لغز بطل وجد نفسه فجأة مُجبراً على الاعتراف بهوية شخص آخر مفقود منذ سنوات.

تقع الرواية في 524 صفحة، وصدرت طبعتها الأولى عن دار «زور كامب» في فرانكفورت عام 1954، أما الترجمة العربية فقد أنجزها من الألمانية المترجم المصري سمير جريس، وصدرت عن دار «سرد» السورية. في كلمة له عن الخصوصية الأدبية لماكس فريش، يقول المترجم، الذي هو ناقد أدبي أيضاً: «قدم فريش أدباً ذاتياً في وقتٍ كان الأدب الألماني يبحث عن دور اجتماعي وسياسي ويبتعد عن كل ما هو ذاتي. آنذاك كان النقاد يحتفون برواية (طبل الصفيح) لغونتر غراس و(حصة اللغة الألمانية) لزيغفريد لنتس و(آراء مهرج) لهاينريش بول، وهي كلها أعمال تتمحور حول الماضي النازي ومسؤولية الألمان في الحرب وتدمير العالم وملاحقة اليهود؛ في تلك الفترة تخصص ماكس فريش في الكتابة الذاتية، وفي الحديث عن الهوية والذات. وقد حققت أعماله نجاحاً عالمياً كبيراً لأنه أصاب عصب الوقت، ومنح ملايين القراء الأمل في أن يبدأوا حياة جديدة ويكتسبوا هوية جديدة مثلما حاول شتيلر».

ويصف جريس الرواية وما حققته من شهرة بأنها شكلت نقطة تحول في حياة كاتبها، وحفزته على هجر مهنته كمهندس معماري، والتفرغ نهائياً للكتابة.


صفحات بيضاء


تبدأ الرواية بجملة أصبحت من أشهر الجمل في الأدب الألماني المعاصر: «لستُ شتيلر!»، جملة بسيطة لكنها كانت تعبيراً عن حنين الملايين في ألمانيا وأوروبا إلى هوية جديدة وحياة جديدة بعد انتهاء الحرب. ففي سياق أقرب للدراما البوليسية تقبض شرطة الحدود السويسرية على بطل الرواية فور وصوله زيوريخ عبر القطار، ليعلم بعدها أن أحد المسافرين أبلغ الشرطة باشتباهه في أنه هو النحات السويسري «شتيلر» المُختفي منذ ست سنوات، ليدخل في متاهات إثبات أنه ليس المدعو شتيلر، وأنه مواطن أميركي من أصل ألماني يُدعى «وايت»، إلا أن نفيه المتواصل لم يمنع السلطات السويسرية من الزج به في السجن الاحتياطي، في زنزانة «تدخلها الشمس وتُطل على منظر شجر كستناء عتيق».

يفيض البطل، صاحب الهُوية المُزدوجة، في وصف الزنزانة ورفاق السجن، وحارسه، والمُحامي المُفوض بالدفاع عنه بين عشرات التفاصيل التي راح يكتبها على الصفحات البيضاء التي منحتها له السلطات في السجن ليُدون بها كل ما يذكره عن حياته التي يدعيها، فكتب في أولى سطورها: «لست شتيلر»، في إيجاز قاطع تبعته صفحات طويلة من التفاصيل والحكايات المُتقاطعة.


في جلد إنسان غريب


ينساب سرد الرواية على صفحات كُراسات التدوين التي يبحث فيها «شتيلر» عن حكايته الحقيقية؛ وتسود «الكراسة الأولى» نبرة غاضبة من ادعاء «البعض» أنه مواطن مفقود منذ عدة سنواته: «كل ما يهمني في وضعي العبثي الآن، هو ألا أسمح لهم بإقناعي بثرثرتهم، وأن أقابل باحتراس كل محاولاتهم اللطيفة الرامية إلى إدخالي في جلد إنسان غريب». وهو ما يعكس طبيعة الكتابة الذاتية في الرواية كركيزة أساسية من آليات ماكس فريش في بناء معماره السردي، وهي أيضاً، بالنسبة للبطل، طوق النجاة الوحيد لإثبات أن له هوية أخرى غير المنسوبة إليه «علي أن أدون حياتي! بالتأكيد للبرهنة على أن لي حياة أخرى غير حياة السيد المفقود شتيلر الذي يدعونه».

على مدار الرواية، تتداخل الشخصيات، خصوصاً في ترجيح الهُوية المنسوبة للبطل، منها ظهور زوجته «يوليكا» راقصة الباليه الجميلة التي وصلت من باريس إلى زيوريخ بعد علمها بظهور زوجها «شتيلر» بعد كل تلك السنوات، كما يتوالى ظهور شخصيات أخرى تشتبك مع ظهوره المفاجئ، ويجد المدعو «شتيلر» نفسه في موقف المُشاهد لحياته المزعومة التي لم يملك أي أدلة لإنكارها، ويستسلم لتوالد حكايات عن ماضيه الذي ينفيه، وحاضره الذي قلب مجريات حياته، فيما يظل ينفي كونه هذا الشخص، رغم أن السياقات لا تدعوه سوى للامتثال إلى أنه النحات السويسري «شتيلر» المختفي في ظروف غامضة.


حياة على الهامش


تتوطد علاقة البطل بزوجته، خصوصاً مع نزهاتهما بإذن إدارة السجن الاحتياطي، فيبدأ من خلالها التعرف على تلك الجميلة، التي هي من المُفترض زوجته، ومعها يرى انعكاسات ذاته المزعومة كزوج مُحب ومُرهف الحس، ومُحبِط وخائن في الوقت ذاته، ما جعل حياتها مع شتيلر تمر بمنعطفات نفسية شديدة. لقد كانت تحاول تذكيره بتفاصيل تلك الحياة، بما فيها أنغام متتالية «كسارة البندق» لتشايكوفسكي، التي كانت الموسيقى المُصاحبة للقائها الأول، ولسنوات زواجهما، كما تحدثت معه عن تطوعه للمشاركة في الحرب الأهلية الإسبانية، وإصابتها بداء الرئة، والأوقات الثقيلة التي سبقت اختفاءه. وسعت بواسطة الفن أن تخفف من وطأة ذهن زوجها البطل المُشوش، فتدعوه لزيارة أحد تماثيله البرونزية التي نحتها ووقع عليها بالأحرف الأولى لاسمه، لكنه ظل ينظر إلى التمثال باستغراب كأنه ينتمي لفنان آخر، ليسرح في المقابل في مشهد سرب بجع بريشه الأبيض في الشمس، كأن التمثال لا يخصه، في إنكار كامل لصنيعه.

كان المدعو «شتيلر» يدون كل تلك المشاهدات كلما انفرد بنفسه في الزنزانة، فما إن يُنهي كراسة حتى يبدأ في أخرى، واحتلت «يوليكا» جانباً كبيراً من التدوين، كتب عن حكاياتها عنه كزوج، وتداخلت الحكايات مع بداية ظهور شخصيات أخرى في السرد مثل المدعي العام وزوجته، التي كانت على علاقة بشتيلر أيضاً، وأخيه فيلفريد شتيلر، وحارس الزنزانة، ومحامي الدفاع المكلف بالدفاع عنه، جميعهم كانوا يظهرون في تداخل وتماه مع أوراق كراساته. وسط كل هذا المحاولات من أجل إثبات أن البطل هو نفسه «شتيلر» المفقود، يحس القارئ أن ثمة تواطؤاً من قبل الجميع لإفقاده صوابه، لسبب مجهول، أو أن هذا البطل يعاني من نزعة فصامية تُغرقه في هذا التيه، إلا أن المعالجة الفنية البارعة تجعلنا لا نستبعد أن يكون هو حقاً النحات السويسري المختفي، فدائماً لا تُفارقه نظرته الشعرية للأمور، كما أنه مُغرم بالوصف، وربط الأحداث بالطبيعة في مدينة زيوريخ التي يراها بعين المُحبط الحالم وهو يغرق في وصفها والتعليق على تحولاتها، والتعليق على هوس أهلها الشديد بالنظافة.


اعتراف أخير


يتفاقم المأزق الشخصي للبطل، بين هُوية مزعومة يراه بها الجميع، وهوية حقيقة مرتبكة لا يستطيع التعبير ولا الدفاع عنها، وحرية مرهونة بزيف مريح للجميع، وقد بات جلياً أمامه أنه لا سبيل للخلاص سوى بالاعتراف بما يريدون: «لا لغة عندي للحقيقة، أرقد فوق فراشي الخشبي، تمر الساعات دون نوم، هل أستسلم؟ بالأكاذيب سأحقق ذلك على الفور، كلمة واحدة، ما يُطلقون عليه اعترافاً، عندئذ سأكون حراً، هذا ما يعني في حالتي: أن يُحكم عليّ بلعب دور لا علاقة له بي، هل أعرف أنا نفسي من أنا؟ هذه هي الخبرة المفزعة التي مررت بها في الحبس الاحتياطي: ليس عندي لغة لحقيقتي!».

ومع تداخل الحكايات، واختلاط المُتخيل بالحقيقي، والزائف بالأصيل، يظل يُقاوم إلى أن تحكم المحكمة بأنه هو السيد «شتيلر».


ماكس فريش


Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة