شخصيات تتسق مع تراكمات الواقع وتبدو إفرازاً له

شخصيات تتسق مع تراكمات الواقع وتبدو إفرازاً له

سمير الفيل يتناولها في «أتوبيس خط 77»
الأحد - 25 شوال 1442 هـ - 06 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15531]

يكشف الإهداء الذي يتصدر المجموعة القصصية «أتوبيس خط 77» عن بعض ملامح العمل الأساسية، حيث يعلن المؤلف سمير الفيل، منذ البداية، انحيازه للبسطاء والمهمشين وحرصه على تسجيل حكاياتهم الأصلية قبل أن يرحل أصحابها ويطويها النسيان.
المجموعة صدرت عن دار «غراب» بالقاهرة، وفازت مؤخراً بجائزة «ساويرس» للقصة القصيرة، وهي تحفل بحكايات منحوتة من الواقع المصري، لا سيما في مدينة دمياط الساحلية، شمالي مصر، مسقط رأس المؤلف، التي تشكل بطابعها التجاري والصناعي إطاراً مكانياً محدداً للتجربة.
يشكل الهم الاجتماعي وعالم الطبقات الفقيرة، سمة لافتة في المجموعة، حيث تتسع المسافة بين الحلم والواقع، بل تصبح كابوساً أحياناً، وهو ما يطالعنا في قصة «أسيل» أطول نصوص الكتاب، حيث تتعدد خيوط الحبكة، فثمة زوج ضعيف الشخصية (الإتربي) منسحق أمام زوجته ذات البأس والشكيمة (نوارة)، يهرب من واقعه إلى عالم المخدرات، تاركاً زوجته تقرر مصير ابنته (أسيل) التي أنجبها من زيجة سابقة لم تكلل بالنجاح. تقرر الزوجة الحالية فصل الابنة من المدرسة توفيراً للنفقات ثم تزويجها لشاب بلا مميزات وهي لا تزال دون السن القانونية. نرى كل ذلك بعيون الراوي وهو جار للأسرة يقع في غرام أسيل الجميلة المهمشة ذات الأحلام المنسية، لكنه يقمع مشاعره بواقعية، حيث إنه أعلن عن خطبته لفتاة لا يبدو أنه يحبها، كما أن عدداً لا بأس به من السنوات يفصل بينهما. يشير الراوي إلى تلك المفارقة بعبارة لا تخلو من السخرية مخاطباً القارئ: «سأقول لك يا صديقي إن الزواج شيء، والحب شيء آخر، وأكتفي بهذا القدر من الكلام، وأسكت سكوتاً مريباً!».
توافق «أسيل» على الاقتران برجل لن تشعر معه سوى بالتعاسة فقط من أجل الهروب من زوجة أب اعتادت على ضربها وطردها من البيت، ليعطف عليها الراوي العاشق الذي يخفي مشاعره ويتظاهر بالحياد تغليباً لحسابات العقل والواقع. تمر السنوات وتعود «أسيل» للمكان أكثر نضجاً وتصالحاً مع الأيام بصحبة ابنها. تلتقي الراوي فتخبره أنها كانت تنوي تسمية الابن على اسمه، لكنها خشيت من زوجها، ثم يودعان بعضهما في صمت ونظرات تقول الكثير.
يتجدد الصراع نفسه في قصة «نجوى»، حيث تتعرض فتاة بريئة لموقف شديد الخذلان على يد شاب مستهتر تزوجها ثم رحل للعراق، في الثمانينات، ليعمل بمصنع لتعبئة التمور ثم نسيها تماماً، لا يرد على خطاباتها ولا يرسل لها ما تحتاج إليه من أموال، خاصة بعد أن أنجبت بنتاً سمّتها «نجوى». وبعد عدد من تجارب الحب والزواج الفاشلة، تقطع خيط الأمل الواهن فتهجر الرجال إلى الأبد وتقرر التفرغ لتربية ابنتها، تميمتها الوحيدة للسعادة والحظ.
ولا يخلو القص من مسحة مفارقات بالغة المرح والقسوة معاً، ففي قصة «أم إحسان» تطلعنا صورة كاريكاتورية لزوجة وديعة طيبة لكنها في لحظة الغضب تتحول إلى كائن شرس، تكاد تفتك بزوجها أكثر الناس قرباً منها: «تحاصره في الركن وتلكمه بقبضة يدها ولا تلتفت لصراخه بل تزداد توحشاً. وبعد أن تتعب، تنسحب خطوتين، فيما هو يتفقد بطنه ووجهه وعنقه الذي خُنق لدقائق ثم يرتمي على المقعد القطيفة الأزرق، وهو يهددها: سوف أهرب، وأتركك للذئاب تفترسك!».
تسيطر النساء على أجواء المجموعة بشكل واضح، كما يشكلن بؤرة الصراع مع الرجل وهموم الحياة، لكن هذه البطولة تتراجع لأول مرة في قصة «عطارد الغلبان»، ليصبح الرجل مركز الحدث، ولكن عبر قصة مفجعة مكللة بالحزن تحمل رغم بساطتها تساؤلات حائرة حول مغزى الموت والحياة، فبعد أن رجع «عطارد الغلبان» من جنازة بناته الثلاث أغلق محل «الفول والطعمية» الذي يتكسب منه مصدر رزقه، ولم يره أحد ضاحكاً بعد ذلك قط، وهو الشخص المعروف بخفة الظل والمرح والسخرية من كل شيء في الوجود حتى من نفسه شخصياً. كان موت بناته الثلاث حادثة مروعة اهتزت لها المدينة. ورغم إيمانه العميق بالقضاء والقدر، فإنه ظل يفكر والحيرة تعتصره، في مغزى أن تصعد سيارة إلى الرصيف فتدهس البنات، وهن يتخيرن ثوب زفاف أبيض لأختهن الكبرى العروس سامية. يتساءل الرجل وهو يدفن المأساة في قلبه على طريقة التراجيديات الكبرى: لماذا انحلت المكابح في تلك المنطقة بالذات؟ ولماذا لم تدخل بناته محل الملابس لقياس فستان بعينه بدلاً من التلكؤ أمام الفاترينة؟ أو لماذا على الأقل لم يتقدمن دقائق أو يتأخرن ساعات ليفلتن من مصيدة الموت؟
تتسق شخصيات المجموعة مع تراكمات الواقع اجتماعياً وإنسانياً، وتبدو إفرازاً له، فهي طالعة من لحمه ودمه، ترسم بالعيش والكدح تحت مظلته شهادة حية من المرارة والحرمان والعبثية أيضاً: زوج يطمع في مال زوجته، مرتادو مقهى من العجائز لا يحتسون سوى النعناع والينسون. ولا يكترث الفيل بالخيال وتداعياته، بل يرى الواقع أشبه بقطعة من الصلصال في انتظار مَن يشكلها. لذلك تتحرر القصص من المجاز وزخارفه اللغوية والبلاغية، كما لا يولي الفيل اهتماماً باستخدام تقنيات سرد حداثية أو ما بعد حداثية، في المقابل يشكل التراث الشفاهي ملمحاً أساسياً في بلورة فعل الحكي وتنميته درامياً، ويستفيد الفيل هنا من تجربته القديمة كشاعر عامية. لذلك تبدو القصص بمفارقاتها وصراعاتها، وكأنها انعكاس حي لمرآة الواقع والحياة معاً، رحلة في أتوبيس مكدس بالبشر، تتكرر عشرات المرات وعلى الطريق نفسه يومياً.


مصر Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة