الألمان يهربون من التقنية إلى الخيال الجميل

الألمان يهربون من التقنية إلى الخيال الجميل

إقبال كبير على مهرجانات الحكواتية وبينهم كتاب عرب
الأحد - 11 جمادى الأولى 1436 هـ - 01 مارس 2015 مـ
أغلفة قصص خيالية، و حكواتي ألماني في أحد المهرجانات

الإقبال الكبير على حضور مهرجانات الحكواتية التي تقام في المدن الألمانية هو دليل على أن التقنية المتطورة لم تقلل من حب الإنسان لسماع القصة الخيالية لأنه مهما تطور تقنيا يظل طواقا لسماع قصة تحمله إلى عالم الخيال الجميل مما يؤكد على أن هذا النوع من القصص ليس فقط للأطفال بل للكبار أيضا. وحكواتية المقاهي الذين اشتهروا سابقا في العالم العربي اعتمدوا قصصا خيالية من ألف ليلة وليلة وشهرزاد وغيرها كانت في نفس الوقت منبرا للتثقيف والتطور الفكري، وكان معظمهم يتوقف عن السرد في جزء مثير من القصة وكانت هذه حيلة ذكية لشد الناس للمجيء في اليوم التالي من أجل مواصلة سماع قصصهم، ويقال إن البعض كان يلحق الحكواتي إلى منزله مصرا على سماع بقية الحكاية لعدم استطاعته النوم بسبب قلقه على مصير البطل.
وعن سبب تعلق الإنسان بالقصص الخيالية يقول الباحث الألماني في القصص الخيالية فيلهلم سولمس، الذي اشتهر هو نفسه بكتابة قصص الأطفال إنها وسيلة للهروب إلى عالم يدخل الفرحة إلى قلبه وهذا يفسر أيضا سبب مشاهدته لأفلام الصور المتحركة مثل ميكي ماوس وغيره.
ويضيف «الإنسان يحب الخيال دائما لذا نجد أن الحدوتة موجودة منذ عقود طويلة، حتى أن الشعوب القديمة اعتمدت قصص السحر والشعوذة كي تسردها في الجلسات الحميمة أو العائلية، وبعض الرسومات الفرعونية تشير إلى وجود أشخاص كانت مهنتهم سرد الروايات الخيالية أي أنهم كانوا حكواتية. إذن فالقصة الخيالية كانت وما زالت جزءا من الحضارة الإنسانية مما يعني أن الإنسان مهما تطورت مداركه الحياتية وأصبحت حياته مرهونة بالأجهزة والآلات المتطورة إلا أن الحكاية التي فيها الكثير من الخيال والسحر تعتبر ملجأ له، وتعيده أيضا ولو لوقت قصير إلى طفولته التي يشتاق إليها مهما تقدم في السن».
وقصص الحكواتي كانت وما زالت تتحدث عن أوضاع معينة يعرفها كل البشر مثل الحب والحسد والغيرة والطمع والشر والخلافات بين الناس أو الأخوة، لكن أيضا المصير وفقدان الأحبة، لذا فهي ليست قصصا لها تاريخ معين أو تدوم لفترة محددة بل تنقل من جيل إلى آخر ومن زمن إلى آخر وهذا دفع صناع الأفلام اليوم إلى تحويل قصص مثل الجميلة النائمة أو ليلى والذئب وغيرها إلى أفلام، كان الإقبال كبير جدا على مشاهدتها حتى من قبل الكبار.
لكن متى تسرد القصص والحكايات الخيالية؟ برأي الحكواتي الألماني يسرد اليوم الحكواتي قصصه في المناسبات الثقافية، لكن الحدوتة كانت في الماضي وسيلة التسلية الوحيدة تقريبا لذا تعاظم شأن الحكواتي لأن معظم الناس كانوا أميين أو أن القليل منهم كان يقرأ وكان الإقبال على سماع الحكواتي أو القصاص كبير جدا أيضا في أوروبا.
وقصص الخيال كانت تروي في عربات السفر وفي السفن، وكانت تخصص قاعات للحكواتي كي لا يشعر المسافر بطول الزمن أو لكي ينسى مخاطر البحر. ومعظم الحكايات كانت عن البحار والبحارة وما نسج خيالهم من قصص عن حوريات البحر أو كيف تغلبوا على الغول أو كيف طعنوا العملاق الشرير الذي خرج لهم من أعماق المياه، واللافت أن مثل هذه القصص لم تفقد بريقها واليوم ويحاول الحكواتية سردها بنفس الطريقة المشوقة القديمة.
وعن منبع حكايات الحكواتية يقول الحكواتي الألماني: «لقد أتت من القرية والجبل وانتقلت إلى المدينة وكانت تحكي عند الجلوس في الشتاء حول موقد النار، ثم أصبحت مهنة يتقاضى ساردها (أي الحكواتي) أموالا وكان يتجول من مكان إلى آخر ولم يعد محورها مشكلات القرية أو العلاقة الاجتماعية فيها بل تخللتها مغامرات نوادر وقصص المدينة مثل السرقات واللصوص وغيرهم. ورغم تنقلها من حكواتي إلى آخر إلا أن كل واحد كان يسردها بطريقته الخاصة ويضيف إليها مما نعمت عليه مخيلته أو شاهده خلال تجواله، لذا صبغت الحدوتة بطابع راويها».
لكن حكواتية ألمان مشهورين كالأخوين غريم كتبوا قصصا الهدف منها تربية الأطفال وليس تسليتهم فقط. لذا فإن أغلب أبطال قصصهما كانوا نشطاء وعلى استعداد لتقديم المساعدة وشجعان بينما خصال خصومهم كانت على العكس تماما، ورغم المصاعب التي يواجهها البطل الخرافة فإنه في نهاية القصة يجازى ويوصف بالطيب.
وللحكواتي في ألمانيا تاريخ عميق، وما كتبه الأخوان غريم قبل أكثر من 200 عاما لهو شاهد على ذلك واليوم يتباهى الحكواتية لقصها، ولقد نشر لهما المجلد الأول أوائل القرن الـ18 والثاني عام 1814 وتضمنت الطبعة السابعة أكثر من 211 قصة من أشهرها هانسل وغريتل وهما أخوان يواجهان مشكلات لأنهما ضاعا في الغابة كما في «الأميرة بياض الثلج والأقزام السبعة» غيرها. وقصص الأخوين غريم يقرأها الكبار كما الصغار وتحول بعضها إلى أفلام وفيها الكثير من الخيال والسحر والأساطير التي يطوق الإنسان للعودة إليها، لكنها في نفس الوقت فيها الكثير من العبر الإنسانية ومع أن بعضها تميز بالعنف لكن هدف الكاتبين كان معاقبة الأشرار بشكل خاص.
والقصص التي يرويها الحكواتية اليوم هي حكايات شعبية انطلقت في ألمانيا عام 1812 لكنها ليست كلها ألمانية بل اقتبست من قصص شعوب أخرى صهرها أيضا حكواتية فرنسا وبريطانيا وإيطالية وغيرها في لغاتهم والبسوها الثوب المحلي، لذا نرى ان الكثير من القصص مثل الأميرة بياض الثلج والأقزام السبعة أصبحت في بلدان أخرى تحمل أسماء أخرى مع نفس المضمون، ففي القصة العربية يصبح اسم بياض الثلج «فلة». وتوجد حكايات كثيرة تداولها الناس نشأت في مناطقهم وتعكس واقع مجتمعاتهم مثل قصة «ليلى والذئب». وعندما كتبها الأخوان غريم تحول اسم ليلى إلى الفتاة ذات القبعة الحمراء.


* مهرجانات للحكواتية
* وبعد تزايد الاهتمام بالحدوتة والحكواتي تنظم في المدن الألمانية سنويا مهرجانات يأتيها حكواتية من كل أنحاء العالم وتقام خلالها فعاليات ثقافية تتمحور كلها حول فن الحكاية الشعبية التي تعتبر «ألف ليلة وليلة» من أبرز تجلياتها، كما تتنوع الفعاليات ما بين أفلام مسرح العرائس والعروض الموسيقية والراقصة، وذلك بلغات كثيرة ومن ثقافات مختلفة، من الحكايات العربية وحتى الألمانية والتركية والروسية والإسبانية الخ.
وعلى مدى أيام المهرجانات يقرأ الحكواتية الضيوف الحكايات التي تم اختيارها من شرق العالم وغربه باللغة الأصلية قبل قراءتها باللغة الألمانية. ومن بين الحكواتية عرب مشهورون ولهم مكانة مميزة في المهرجانات كالكاتب السوري رفيق الشامي والروائي الفلسطيني الأصل سليم الأفنيش. ويتبع هؤلاء أسلوب مشوق وخاص عند سرد حكاياتهم أمام الجمهور الألماني، فالحكواتي سليم البدوي الأصل يتحدث مثلا عن حياة البدو وتراثهم كمقدمة بسيطة تعرف الجمهور بالخلفية التي تجري فيها أعماله، ثم يتطرق إلى بعض أعماله المتأثرة بالأدب القبلي الذي نشأ على تراثه، فهو قد ولد في صحراء النقب ابنا لشيخ عشيرة كبيرة.
ومن الحكواتية الذين عرفوا بشكل واسع في ألمانيا اللبناني يوسف نعوم الذي يقول: «ينسج الكتاب الواقع ضمن حكايات وأساطير على أنها من عهود مضت، لكنها في الحقيقة تعكس واقع المجتمع في كل زمن».
ويعتبر الحكواتي رفيق الشامي من أشهر الحكواتية العرب والألمان في ألمانيا، فهو يمزج قصصه التي تتحدث عن الواقع الألماني بسحر الشرق وألف ليلة وليلة، ولقد تحولت الكثير من حكاياته إلى أقراص مدمجة مما سمح لها بالدخول إلى حياة كل فرد، لذا سجلت أكثر مبيعات في ألمانيا، كما ترجمت رواياته إلى ما يزيد على 20 لغة. ومن أشهر أعماله «حكايات من معلولا» و«حكواتي الليل»، و«كف مليئة بالنجوم» وصندوق العجائب والشجرة الطائرة «وهذا ليس ببغاء»، وأجمل لحظات الحكواتي الشامي، كما ذكر مرة، هي عندما يجلس على الكرسي أمام الجمهور كي يحكي له حدوته من حدوتاته.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة