سادت حالة من الترقب والحذر مختلف المناطق اللبنانية، غداة التفجير الانتحاري الذي عرفته مدينة الهرمل البقاعية، شرق لبنان، مساء أول من أمس، والذي أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة أكثر من 20 آخرين. وفيما ميزت اشتباكات متفرقة في مدينة طرابلس بدأت ليلا وامتدت حتى بعد ظهر أمس، واغتيال عنصر من حركة فتح في مخيم عين الحلوة، جنوب لبنان، المشهد الأمني أمس، أنجزت الشرطة القضائية أمس جمع الأدلة من موقع التفجير الذي استهدف محطة الأيتام للوقود وسط مدينة الهرمل.
وبينما عملت فرق تابعة لمؤسسة جهاد البناء التابعة لحزب الله وبلدية الهرمل على حصر الأضرار في المؤسسات والبيوت والمحال المجاورة وإحصاء السيارات المحترقة والمتضررة، واصل الجيش اللبناني والقوى الأمنية فرض طوق أمني في موقع التفجير. وبعد أن كانت قيادة الجيش أكدت مساء السبت أن الانفجار «ناجم عن تفجير أحد الانتحاريين نفسه وهو يقود سيارة من نوع غراند شيروكي»، أعلنت في بيان ثان أصدرته أمس إلحاقا ببيانها الأول، أنه «نتيجة كشف الخبراء العسكريين على موقع الانفجار، تبين أن كمية المتفجرات المستعملة تتراوح ما بين 25 و30 كيلوغراما، وهي عبارة عن مواد متفجرة وعدد من القذائف والقنابل اليدوية».
وأفادت معلومات أمنية نقلا عن مصادر في حزب الله أن عناصره كانوا اشتبهوا بالسيارة ورصدوها من بلدة رأس بعلبك إلى الهرمل، لكنهم انتظروا انتهاء الانتحاري من تعبئة الوقود في المحطة وإكمال سيره لتوقيفه. وقالت قناة «المنار» الناطقة باسم حزب الله أن «كاميرات مراقبة رصدت سيارة الغراند شيروكي وهي في طريقها إلى الهرمل»، وبات شريط الفيديو بحوزة الأجهزة الأمنية. وتبين أن السيارة المستخدمة في التفجير كانت مسروقة من منطقة الشويفات، جنوب بيروت، وتعود لمواطن يدعى عبد الله ناصيف.
وكانت «جبهة النصرة في لبنان» تبنت أول من أمس تفجير الهرمل، وهو الثالث الذي تعلن مسؤوليتها عنه في مناطق خاضعة لنفوذ لحزب الله خلال أقل من شهر. وأعلنت في بيان عبر حسابها الخاص على موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي، عن تنفيذها «عملية استشهادية ثانية على معقل حزب إيران في الهرمل (...) مع استمرار جرائم حزب إيران بحق أهلنا المستضعفين في شامنا الحبيب، وإصراره على إرسال المزيد من مرتزقته لقتل الشعب السوري».
وتفقد نواب بعلبك - الهرمل غازي زعيتر وعلي المقداد وإميل رحمة مكان الانفجار أمس، واستنكروا ونددوا بهذا «العمل الجبان»، وكانت دعوة إلى «ضرورة تعزيز القوى العسكرية والأمنية». كما تفقد المكان عدد من النواب السابقين وفعاليات بلدية ومسؤولي الأحزاب المحلية، دعوا إلى إعلان الحداد في المدينة اليوم.
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية في لبنان، أمس، أن معظم جرحى التفجير غادروا المستشفيات، وبقي ثلاثة منهم هم حسين ومحمد وغدير مرتضى في مستشفى العاصي، واثنان آخران في مستشفى البتول هما حسين المسمار (قيد العلاج) وناديا قبرص بانتظار نقلها إلى بيروت لمتابعة العلاج.
وموازاة مع التوتر الأمني في مدينة الهرمل، شهدت مدينة طرابلس (شمال لبنان) اشتباكات ليلية في أسواقها الداخلية، أدت إلى مقتل المدعو عمر حميدان وجرح مواطن ثان. كما أسفرت عن إحراق عدد من السيارات وإصابة الكثير من المنازل والمحلات التجارية بالرصاص وشظايا القنابل التي أطلقت، قبل أن تتمكن وحدات الجيش اللبناني من إحكام سيطرتها على الأسواق وتوقيف الاشتباكات.
وكان مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين جنوب لبنان، استفاق أمس على نبأ مقتل المدعو وسام كمال أبو الكل، المنتسب إلى حركة «فتح»، من قبل مسلحين مقنعين في الشارع الفوقاني في المخيم، ما أدى إلى حالة من التوتر .
وعلى الحدود الشمالية مع سوريا، وبعد ساعات على تفجير الهرمل، أقفلت السلطات السورية، ليل السبت، بشكل مفاجئ، العبور بالاتجاهين عند نقطتي العبور الشرعيتين بين لبنان وسوريا، في العبودية والعريضة. لكن المكتب الإعلامي التابع للمديرية العامة للأمن العام أوضح صباح أمس أن الأوضاع طبيعية على المعابر الحدودية الشمالية، كما أن حركة العبور عادية.
وكان تفجير الهرمل تزامن مع أنباء عن إصابة شخصين بجروح في مسجد الخاشقجي في بيروت بسبب قنبلة يدوية.
وفي نفس السياق، أعاد تفجير الهرمل الانتحاري تنشيط حركة الاتصالات والمشاورات على خط تأليف الحكومة اللبنانية، من دون أن تبرز أي إشارات إيجابية حول تحقيق أي تقدم، في وقت أجمعت فيه المواقف السياسية الصادرة أمس على وجوب الإسراع في تشكيل الحكومة، على غرار ما يجري بعد كل تفجير انتحاري في الأشهر الأخيرة.
وأعرب الرئيس اللبناني ميشال سليمان عن أمله في «أن يتعظ اللبنانيون، قيادات ورأيا عاما، مما يحصل من أعمال إرهابية وإجرامية توقع الضحايا وتخلف الخراب والدمار والقلق في النفوس»، داعيا «الأجهزة الأمنية والقضائية إلى بذل أقصى الجهود والتشدد في ملاحقة المحرضين والمرتكبين وتوقيفهم ومحاسبتهم».
وجدد سليمان، في تصريح أمس، دعوة «القيادات السياسية بنوع خاص إلى التبصر فيما يتربص بالوطن من مخاطر وتهديدات والتصرف بالتالي من وحي المصلحة الوطنية عن طريق تمتين الوحدة بين أبناء الوطن وتغليب نهج الحوار والتلاقي بما يصب في خدمة وطننا ومصلحة أبنائه وحقهم في العيش الآمن والحر والكريم».
وكانت دارة الرئيس المكلف تمام سلام شهدت أمس لقاءات عدة، إذ استقبل سلام حسين خليل، المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام أن اللقاء جاء «في إطار التشاور لتشكيل الحكومة»، ثم استقبل سلام بعدها وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية جبران باسيل، موفدا من النائب ميشال عون.
وكان نواب في حزب الله وكتلة عون اقترحوا عقد لقاء بين سلام وعون، بعدما لم يتمكن حزب الله من إقناع الأخير بقبول مبدأ «المداورة» (التداول) في توزيع الحقائب الوزارية، وإصراره على التمسك بحقيبة الطاقة، وعده تمرير المداورة مقدمة للفراغ في سدة الرئاسة الأولى، انطلاقا من أن ولاية الرئيس الحالي تنتهي في مايو (أيار) المقبل، ويتبع انتخاب رئيس جديد تشكيل حكومة جديدة.
وعد حزب الله، على لسان نائب رئيس المجلس التنفيذي في الحزب الشيخ نبيل قاووق، أنه «أمام تحديات الإرهاب التكفيري فإن أولى الأولويات الوطنية الإسراع في تشكيل حكومة جامعة تحصن الاستقرار وتخفف الاحتقان في الشارع»، موضحا أنه «عندما نقول حكومة جامعة فإننا نعني حكومة يتوافق فيها جميع الأطراف وبالأخص الذين يمثلون أكبر نسبة تمثيل مسيحي».
وقال قاووق خلال احتفال تأبيني أمس إن «الحكومة الجامعة تعني التوافق بين ممثلي الطوائف، وأن يشعر جميعهم أنهم غير مستهدفين وغير مهمشين، وأنهم ليسوا في دائرة الاستهداف والاستفزاز، فالتفهم والتفاهم المعبر الوحيد لتشكيل حكومة جامعة».
ورأى قاووق أنه «بعد سلسلة التفجيرات الانتحارية، لا يستطيع أحد أن ينكر أن لبنان قد تحول إلى قاعدة لتنظيم القاعدة، ومقرا وملاذا آمنا للإرهاب التكفيري، وأصبحت (القاعدة) بشقيها النصرة وداعش، يهددون استقرار لبنان بجميع طوائفه ومذاهبه»، مشيرا إلى أن «الفضيحة الأخلاقية والوطنية والإنسانية تتجسد في تغطية أو تبرير الإجرام والوحشية التي تضرب الأبرياء، نحن لا نفاجأ بأعمالهم لكننا نأسف أن بعض اللبنانيين يتعمدون استفزاز جمهور المقاومة من خلال المتورطين بجرائم القتل».
وفي السياق ذاته، شدد النائب علي فياض أمس، على أن «الأولوية وطنيا في هذه المرحلة هي مواجهة الجماعات التكفيرية، وهذا ما يجب أن يندرج كأولوية في طليعة برنامج عمل الحكومة المقبلة التي لا يعقل منطقيا وسياسيا أن تكون حيادية أو مفروضة إذا أراد اللبنانيون لها أن تتولى هذه المهمة الكبرى».
وأشار فياض إلى أن «خطورة الجماعات التكفيرية تجاه السنة واللبنانيين لا تقل خطورة عما يمارسه هؤلاء ضد الشيعة وإن يكن بوسائل أخرى، فما معنى أن يعلن هؤلاء إمارتهم في طرابلس، فهذا مصادرة لخيارات الناس وقناعاتهم وحريتهم، ويتهدد السيادة والأمن والاستقرار في لبنان والتعايش بين مكوناته».
في المقابل، رأى رئيس كتلة «المستقبل» رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، أن «حماية لبنان من مخاطر انعكاسات الأزمة السورية يكون بوحدة الشعب اللبناني وبدعمه للدولة بمؤسساتها السياسية والأمنية والعسكرية لكي تواجه الإرهاب والإجرام، لكن يجب أن يترافق ذلك مع خطوات ضرورية أولها انسحاب حزب الله من القتال في سوريا والعودة إلى لبنان، والخطوة الثانية تكون بتسليم الأمن على الحدود اللبنانية السورية للجيش اللبناني مدعوما بقوات الطوارئ الدولية».
وتعليقا على تفجير الهرمل، قال السنيورة إن «الشعب اللبناني بات كل يوم على موعد مع جريمة تستهدفه لكن ليس من إسرائيل، العدو القومي والوطني، بل نتيجة انعكاس الصراع في سوريا على بلدنا»، مشددا على أن «استنكار تفجير الهرمل والقصف السوري على قرى عكار لوحده لم يعد ينفع، والشعب اللبناني يريد أفعالا وليس أقوالا، والأفعال تكون باتخاذ الخطوات التي تبعد لبنان فعلا عن الأزمة في سوريا والتحلي بالواقعية».
وقالت النائبة في كتلة المستقبل بهية الحريري بأن «التفجير الإرهابي الذي طال من جديد منطقة الهرمل هو جريمة أخرى ترتكب بحق جميع اللبنانيين، وتضاف إلى ما سبقها من تفجيرات في مناطق مختلفة ومن اعتداءات على قرى حدودية كان آخرها في عكار وقبلها عرسال وغيرها من محطات دموية في مسيرة آلام هذا الوطن».
وأشارت الحريري إلى أن «الواضح أن الاستهداف واحد لكل لبنان والهدف مكشوف وهو ذر بذور الفتنة والشقاق بين أبناء الوطن الواحد، وهذا يتطلب، لمواجهته وإفشاله، مسؤوليات مضاعفة من الدولة في تحصين الساحة الداخلية وحماية الحدود، ومن اللبنانيين التماسك والتمسك بوحدتهم وسلمهم الأهلي، ومزيد من الإصرار على بقاء لبنان القوي بتنوعه وعيشه الواحد».
من ناحيته، أسف النائب في كتلة المستقبل هادي حبيش لكون «التفجيرات الانتحارية أصبحت يومية في لبنان بعد تدخل حزب الله في سوريا»، لافتا إلى أن «الحل يكون عبر خروجه من سوريا وضبط الحدود بشكل كامل وإن كان بمساعدة اليونيفيل». وأعرب عن اعتقاده بأن «السير بحكومة تصريف أعمال جامعة تسير أمور البلد أفضل من البقاء على هذا الوضع».


