إيمان يحيى: الرواية وسيلتي للاتصال والتواصل مع المجتمع والناس

الفائز بجائزة «ساويرس» يرى أن الجوائز تمثل حافزاً تسويقياً للنشر

إيمان يحيى
إيمان يحيى
TT

إيمان يحيى: الرواية وسيلتي للاتصال والتواصل مع المجتمع والناس

إيمان يحيى
إيمان يحيى

فازت أخيراً رواية «الزوجة المكسيكية» لإيمان يحيى بجائزة «ساويرس» الأدبية. وكانت الرواية قد أثارت اهتمام المتابعين منذ صدورها. هنا حوار مع الروائي يحيى عن روايته الفائزة، وتناصها مع رواية «البيضاء» ليوسف إدريس، وتجربته الروائية عموماً، وتأثير الجوائز على عمل الكاتب وإبداعه:
> إلى أي مدى يمكن أن تؤثر الجوائز على توجهات الكاتب الأدبية والفنية؟
- الحصول على جائزة يجذب نظر القراء إلى الكتاب والكاتب، ولعل هذا أهم هدف من الجوائز. لا أنفي الحافز التشجيعي للكاتب لحصوله على جائزة، لذا سعادتي بالغة بحصولي على جائزة معترف بنزاهتها واستقلالية لجنة تحكيمها وعدم وجود ضغوط عليها. الجوائز تمثل حافزاً تسويقياً للنشر، لكنني لا أعتقد أنها تؤثر على آلية وفنية عمل الكاتب بشكل مباشر أو مؤثر، ربما عندما يحوز شكل روائي مستحدث جائزة ما، ويحدث انتشار لتقنيته يصبح ذلك حافزاً ينسج الكتاب على منواله.
> قلت عن رواية «البيضاء» ليوسف إدريس التي قمت بعمل تناصّ معها في روايتك، إن الخيال فيها واقع حقيقي... ما الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال في «الزوجة المكسيكية»؟ وكيف أفاد كل منهما الآخر؟
- رواية «البيضاء» رواية طليعية بامتياز، لم يتعاطف معها النقاد للظروف السياسية التي أحاطت بوقت نشرها. لم يستطع يوسف إدريس نشرها في كتاب سوى في بداية السبعينات. عندما قرأتها بعين محايدة رأيت فيها قفزة كبيرة في عالم الرواية المصرية لأنها تتعامل مع العوامل الداخلية النفسية للبطل عبر مونولوج طويل من أولها إلى آخرها، ناهيك بفكرة وجود بطل مهزوم، ليس إيجابياً كل الوقت. كل هذا جديد على الرواية المصرية والعربية. شاءت الظروف أن أصل إلى القصة الحقيقية المثيرة التي كانت وراء هذه الرواية، وشخوصها الحقيقيين، فانتهزت الفرصة وعبر تعدد الأصوات والظروف السياسية والاجتماعية نسجتُ رواية «الزوجة المكسيكية». إن الواقع أصيل في نسيج الرواية، ومليء بالتفاصيل التي تعقبتُها بدأب لسنوات طوال، لكن الخيال كما قلت أنت ممزوج بالواقع. وكم كنت مندهشاً عندما قابلت بعد صدور الرواية شهوداً على الأحداث أكدوا أن ما تصورته بخيالي حدث بالفعل شبيه له في الواقع. إنه حدس الروائي ومنطقية تطور المسار الروائي.
> من «سامنثا ديفيز» و«سامي جميل» إلى «يحيي» و«روث ريفيرا»، تراوحت الأحداث في «الزوجة المكسيكية»... ما الذي سعيت لتحقيقه؟
- الرواية عبارة عن روايتين: رواية إطار، ورواية متن! يتبادل فيهما الأبطال الأدوار. رواية الإطار تحكي ما لا يمكن أن يحكيه الأبطال المعاصرون للأحداث لأنهم لا يحيطون بالأسرار السياسية ولا بالأزمنة المستقبلية. قصة الأستاذ الجامعي و«سامنثا» بمثابة مرآة عاكسة للقصة الأصلية تأخذ فيها «سامنثا» صورة لشخصية «يحيى» القلقة، ولكن بشكل عصري، بينما يكون وجود الأستاذ الجامعي المتردد ضرورياً لشرح القصة الأصلية، والرواية أيضا تعكس الاختلاف بين الثقافات سواء بين الأستاذ والأميركية، أو ما بين «يحيى» و«روث». هي قيم تتصادم، وصراعات وتجاذبات. لعلها الحياة.
> أيضا في «الزوجة المكسيكية» حديث عن جماعة «كفاية» وشخصيات معروفة ورموز عالميين... كيف فكرت في وجود مثل هؤلاء وأنت تكتب عن قصة حب يسعى ناقد وتلميذته لكشف أسرارها وإثراء عالم الرواية؟
- الشخصيات التي تتحدث عنها جزء من صورة الواقع التي تجري به الأحداث، ولا يمكن اجتزاء قصة حب دون خلفياتها. قد يتراءى للبعض أن الحب وحده يكفي و لكنه يجري في مجتمع يموج بالتغيرات. كل الشخصيات التي ذكرتها كانت مؤثرة في الأحداث وكان العثور على خبايا وقائعها وتشابكها مع «يحيى» و«روث» مجهوداً إضافياً كبيراً على الروائي. مصر كانت في ذلك الوقت ثرية جداً بالرموز والشخصيات والصراع الاجتماعي والسياسي.
> تبدو تقنية الراوي العليم مسيطرة في فضاء الرواية، وهناك أيضاً تقنية استراتيجية تعدُّد الأصوات، حيث يتحدث يحيي بطل «البيضاء»، وغيره من الشخصيات... كيف ترى هذه المزاوجة بين التقنيتين؟
- بدايةً أتحفظ على سيطرة الراوي العليم، الرواية يرويها ثلاثة أشخاص أي إنها متعددة الأصوات، حتى الصور التي استخدمتها كانت من خلال رؤية تلك الأصوات لها. في أحد الفصول استخدمت رسالة دييغو ريفيرا إلى ابنته، وهذا طبعاً خيالي، ولكنه ممكن لأنه يعد رواية من جهة شخصية «روث». تقنية تعدد الأصوات تجعل الرواية أقرب إلى الواقع، وأكثر تركيبية وتعقيداً، وتُبرز الصراعات بشكل موضوعي. فالواقع معقّد، والحياة أكثر تركيباً وثراءً مما يظن البعض.
> في روايتك «الكتابة بالمشرط» أعطيت بعض شخصياتها أسماء ترمز لطريقة تفكيرها وتصرفاتها مثل «عامر النقلي» الطبيب الإخواني الفاسد و«علي شعارات»، ألا ترى أن هذه الطريقة في كتابة الأسماء يمكن أن تسطّح الشخصيات وتكشف مساراتها في الأحداث مسبقاً؟
- إعطاء أسماء معبّرة عن أشخاص أو مناقضة لجوهرهم تقنية استخدمها كثيراً أستاذنا نجيب محفوظ... رواية «الكتابة بالمشرط» عشتها بكل جوارحي، أنا بطل من أبطالها، وهي مرآة لطبيعة عملي كطبيب جراح وأكاديمي وكانت سلاحاً لي في صراع جامعي، وفي لحظة وجدت نفسي أعيش في رواية فعلاً، وتساءلت: لماذا لا أكتبها؟ وقد تعرضت لمواضيع لم تطرقها الرواية العربية. لأول مرة تدخل الرواية عالم المستشفيات الحقيقي، وغرف العمليات، وتفضح ما يجري في الواقع خلف الستار خصوصاً في مجالَي الصحة والتعليم الجامعي.
> في كتابتك احتشاد ورغبة في فضح الإرهاب ومنبعه الإخواني، ومحاربة التمييز ضد المرأة والأقباط، ومناقشة قضايا عديدة أخرى... ألم تخشَ من تأثيرها على فنية الرواية وتحويلها لمنشور سياسي؟
- الرواية بالنسبة لي وسيلة للاتصال والتواصل مع المجتمع والناس. ولا بد أن تهتم بهمومهم وهواجسهم الحقيقية. كلمة (احتشاد) تعبير عسكري تعبوي ينفر منه أي فن، المسألة هي كيف تستطيع بميزان من ذهب أن تمرر ما تريده من أفكار وقناعات دون أن تقع في خطابية أو تنفّر القارئ. جوهر المسألة ألا تجبر القارئ على تبني موقفك تحت تهديد السكين، ولكن كي تقنعه بسلاسة وبحرفية وعَبْر فن روائي، وإذا لم تقنعه فيكفيك تفهمه لما تكتبه. أعتقد أنني في الروايتين لم أقع في مطب الإنشائية والشعارات الفارغة. استخدمت تقنيات عديدة، تعدُّد الأصوات، والصورة واللوحة والملصق داخل النص، والخطابات المرسلة للأبطال، وكذلك الأمثلة الشعبية والأغاني العربية والأجنبية، حتى الروائح تستطيع أن تحسها في مواقف في النص. أيضاً التيمات الشعبية في مطعم الفول وعند بائع العرقسوس، كل تلك التقنيات واللمسات تعطي مذاقاً خاصاً ونكهة للرواية وتعصمها من الوقوع في الإنشائية.
> قارن بعض النقاد في «الكتابة بالمشرط» بين حالة «سعاد» الطبيبة الشابة بطلة الرواية التي تتعرض للاضطهاد من بعض زملائها وبين مصر كرمز... برأيك هل ثمة ما يدعم ذلك في الرواية؟
- في «الكتابة بالمشرط» هذه الرمزية موجودة، لاحظ أن في الرواية (سعادين): سعاد الشابة الطبية التي تقاوم اضطهاداً لاختيارها فرعاً مقتصراً على الرجال، وتعاني أيضاً من الأساتذة الكبار لأنها ما زالت مبتدئة. أما سعاد الأخرى، فهي طفلة اعتدى عليها جنسياً زوج الأم وسط سلبية من الأم، سعاد الطفلة ضحية المجتمع الذكوري أيضاً... وفي مشهد في الرواية تتوحد الاثنتان في المشاعر.
> استخدمتَ في «الزوجة المكسيكية»، كما في «الكتابة بالمشرط»، تقنية القطع والمونتاج السينمائي... تُرى متى يلجأ كاتب لهذه التقنيات؟ وما الشروط التي فرضتها في الكتابة الروائية لديك؟
- بالفعل استخدمت تقنية القطع والمونتاج السينمائي في الروايتين. لعل ولعي بالسينما في طفولتي وشبابي كان سبباً في ذلك. ربما لا تعلم أنني بعد تخرجي في كلية الطب تقدمت إلى معهد السينما لأصبح مخرجاً. ونجحت في الاختبارات وحال الموقف التجنيدي من التحاقي بالمعهد. التقنية السينمائية ملهمة للقارئ لأنها تعتمد على مشهدية مزدوجة، أن يرى القارئ أمامه مشهداً ويقوم بنفسه بتأويله، ربما ظهرت تلك التقنية بشكل ظاهر جداً في «الكتابة بالمشرط» لاستخدامها تقنية «الراوي العليم». هنا يستبطن القارئ المشاعر الداخلية للأبطال وما يدور في أذهانهم، أي إنه يخلق واقعاً موازياً خاصاً به للواقع المكتوب، وقد لجأت إلى هذه التقنية في «الكتابة بالمشرط» لأجعل الرواية أكثر موضوعية، خصوصاً أنني في الحياة العملية أحد أبطالها المتصارعين.
> تحكي «الزوجة المكسيكية» قصة حب وزواج غير معروفة بين يوسف إدريس وروث ريفيرا، كما تروي عن سنوات الخمسينات... إلى أي مدى يمكن أن تصلح الكتابة الروائية وسيلة لكشف خفايا تاريخ ما؟
- التاريخ نفسه راوٍ للأحداث، كلٌّ يروي من وجهة نظره، وإذا وضعت وجهات النظر بعضها إلى جانب بعض ستصل إلى الحقيقة التاريخية. أحد أنواع الرواية هي «الرواية التاريخية»، وأنا مولع بكتابة هذا النوع. وفي الحقيقة التاريخ دائماً يلقي بظلاله على الواقع المعيش والحاضر. من ضمن اهتماماتي كتابة الدراسات التاريخية، لذلك كنت عضواً لمجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية لدورتين متعاقبتين، ولي أصدقاء كثيرون من المؤرخين وأساتذة التاريخ. ولعل أقرب أصدقائي الذين أثروا في تكويني عالم التاريخ المصري البارز الراحل الدكتور رؤوف عباس.
> نتقل الرواية ما بين القاهرة وفيينا والمكسيك؛ وتروي عن أماكن وحياة لم يعد لها وجود... ما الذي قمت به لتستحضر هذه الأجواء؟
- بالفعل «الزوجة المكسيكية» تنتقل بين القاهرة والإسكندرية وفيينا والمكسيك، ولكي أنقل أجواء تلك الأمكنة، كان عليّ قراءة مئات الصفحات عنها، ورؤية صور عديدة لها في زمن الخمسينات، والأكثر من ذلك الغوص في الإنترنت لمحاول فهم الزمان وأبعاد المكان. المكان ليس أحادي الأبعاد، لكنه ذو أبعاد زمنية وثقافية ودرامية.
> لجأتَ في «الزوجة المكسيكية» لتقنية كتابة رواية على رواية... ألم تخشَ من سيطرة «البيضاء» على عالم السرد لديك؟
- أنا مغرم برواية «البيضاء» وأرى أنها لم تأخذ حقها. ولم أخشَ منها لسبب بسيط، أن روايتي تعتمد على تعدد الأصوات، و«البيضاء» تعتمد على صوت «يحيى». أحداث «الزوجة المكسيكية» مختلفة جداً عن أحداث «البيضاء»، تستطيع أن تقول إنها الأحداث الحقيقية، بطلة «البيضاء» اختفت وراء مونولوج «يحيى». وفيها نشعر بـ«يحيى» كشخص أناني لا يرى إلا نفسه بعد ارتباطه بسانتا، وفي «الزوجة المكسيكية» نرى «يحيى» في أنانية حبه وغيرته، وأيضاً نرى «روث» وكفاح المكسيك، والأهم نضال الشعب المصري من أجل الاستقلال والديمقراطية. هذا هو البحر الواسع التي تجري فيه قصة الزواج وقصة الأستاذ الجامعي وتلميذته.



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.