حفلات في «خيم الوطن» بشوارع دمشق... وصور الأسد تغرق الغوطة

«أثرياء الحرب» وقادة الميليشيات تكفلوا بالحملات الدعائية

سوريون يركبون حافلة في طريقهم للاقتراع في دمشق أمس (رويترز)
سوريون يركبون حافلة في طريقهم للاقتراع في دمشق أمس (رويترز)
TT

حفلات في «خيم الوطن» بشوارع دمشق... وصور الأسد تغرق الغوطة

سوريون يركبون حافلة في طريقهم للاقتراع في دمشق أمس (رويترز)
سوريون يركبون حافلة في طريقهم للاقتراع في دمشق أمس (رويترز)

شهدت دمشق وريفها خلال الأيام القليلة الماضية، حملة إعلانية ضخمة لصالح الرئيس بشار الأسد، شارك فيها «أثرياء الحرب» وقادة ميليشيات عبر نشر صور وإعلانات تدعم الرئيس لولاية رابعة تستمر سبع سنوات.
وقالت مصادر متابعة لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للانتخابات الرئاسية فالعملية تدار من قبل الفرع الداخلي (251) في شعبة المخابرات العامة (إدارة أمن دولة) والتي تولى ضباطها، الاتصال بأثرياء الحرب وقادة ميليشيات من أجل ملء الساحات العامة والطرقات بالصور والشعارات». ولفت الانتباه في وسط دمشق ومحيطها نصب عدد كبير من «خيمة وطن»، التي شهدت احتفالات غنائية وعروضا راقصة وإلقاء خطابات تتضمن «التأييد» للأسد، إضافة إلى ترديد حشود الحاضرين وهم يرفعون صوره هتافات «الولاء».
وبحسب مشاهدات «الشرق الأوسط»، كانت التجمعات الانتخابية التي شهدتها مناطق في دمشق وريفها، ممولة بالكامل من رجال أعمال وتجار ظهروا خلال سنوات الحرب، والذين قام بعضهم بذلك استجابة لطلب الأجهزة الأمنية والعسكرية أو أفرع حزب «البعث» الحاكم. كما قامت غرف التجارة والصناعة بإجبار أعضائها على دفع مبالغ نقدية لدعم حملة المرشح الأسد.
- أثرياء الحرب
وتولى رجل الأعمال خضر علي طاهر الشهير بـ«أبو علي خضر»، الذي ظهر خلال سنوات الحرب، وعبر شركته «إيلا» الترويج للمرشحين للانتخابات الرئاسية خاصة أنه تحصل على احتكار الإعلانات الطرقية في الشوارع بعد صفقة مع «المؤسسة العربية للإعلان» الحكومية. لكن طاهر عمل عبر شركته «إيماتيل» والتي تحصلت قبل شهرين على حق احتكار استيراد الموبايلات على الترويج للرئيس الأسد بشكل كبير على حساب المرشحين الأخيرين.
ويصف كثيرون طاهر بـ«ثري المعابر»، الداخلية ومع دول الجوار، وهو يتحدر من منطقة صافيتا التابعة لمحافظة طرطوس، ويبلغ من العمر 44 عاماً، ويعتبر من أبرز الأشخاص الذين جمعوا ثروة طائلة من عمليات «الترفيق»، و«الترسيم»، من خلال فرضه إتاوات بملايين الليرات السورية، مستفيداً من دعم السلطات الأمنية والعسكرية له. وحسب صفحات على موقع «فيسبوك»، فإن جميع معابر التهريب من وإلى سوريا، هي برعاية «أبو علي خضر»، الأمر الذي جعله يتربع على عرش أغنى أغنياء سوريا.
كما دخل على خط الترويج للأسد رجل الأعمال سامر فوز الذي ظهر أيضا خلال سنوات الحرب، وجاءت حملته لدعم ترشيح الأسد تحت عنوان «معك الأمان»، والمشتقة من اسم المجموعة الاقتصادية التي يقودها الرجل «مجموعة أمان القابضة».
واللافت أن الأجهزة الأمنية شاركت في حملة الأسد، إذ لاحظت «الشرق الأوسط» في دوار الميسات وجود إعلان ضخم يحمل صورة الأسد ويذيل بأنه من فرع المدينة في الأمن السياسي، كما شوهدت لافتات مذيلة بأسماء أفرع تتبع للأمن العسكري وأمن الدولة.
ويسود حاليا قلق كبير أوساط قادة في الأجهزة الأمنية خوفا على مناصبهم من تنقلات طال تأجيلها ولا بد من حسمها وعلى الأرجح أن تتم عندما يتفرغ الأسد بعد فوزه المحسوم في انتخابات الأمس.
- قادة ميليشيات
في وسط دمشق ومحيطها لفت الانتباه انخراط قيادات ميليشيا «قوات الدفاع الوطني» بشكل كبير في تحشيد كوادرها والأهالي للمشاركة في الاحتفالات التي أقيمت في «خيمة وطن» في العديد من المناطق وتضمنت إلقاء خطابات تتضمن «التأييد».
وتشكلت «الدفاع الوطني» في 2013 بتوجيه من إيران وأطلق عليها البعض حينها «باسيج سوريا»، وذلك عندما أعلنت دمشق عن تشكيل «قوات رديفة» للجيش تتفرغ للمهام القتالية، حيث كانت العاصمة السورية وقتها على وشك السقوط بيد فصائل المعارضة المسلحة.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2015، كشف الجنرال الإيراني حسين حمداني، الذي قتل قرب حلب في 2015، أنه كان يشرف على تدريب «الدفاع الوطني»، في حين أعلن قائد «قوات الباسيج» الإيرانية شبه العسكرية، محمد رضا نغدي، أن إيران دربت 70 ألف مقاتل، شكلت بهم 128 فوجاً، مشيراً إلى أن ميليشيا «الدفاع الوطني» أصبح قوامها 100 ألف مسلح.
ووصل مرتب المسلح في ميليشيا «الدفاع الوطني» عند التأسيس بين 40 - 50 ألف ليرة سورية، والقيادي ما بين 75 - 100 ألف إلى أكثر من 100 ألف ليرة، في حين كان يبلغ مرتب العنصر في الجيش النظامي 25 ألفا.
وأسهمت هذه الميليشيات التي انضم إليها عاطلون عن العمل ومطلوبون ومطرودون من الجيش النظامي بشكل كبير في استعادة دمشق السيطرة على مساحات واسعة من المعارضة، وجمعت قيادتها والكثير من مسلحيها ثروات كبيرة من عمليات «تعفيش» (سرقة) المنازل في المناطق التي كان يتم استعادة السيطرة عليها من المعارضة، وكذلك من الإتاوات التي كانوا وما زالوا يفرضونها على المارة في الحواجز التي يقيمونها.
في أواسط عام 2014 حاول الرئيس الأسد حل ميليشيا «الدفاع الوطني» لمنع لجوء إيران إلى استخدامها لفرض تسوية تهدد نفوذه. وجرى فعلا تفكيك الكثير منها، لكن عملية التفكيك طويت بعد سقوط إدلب ربيع عام 2015، حيث اضطرت دمشق وطهران للاستنجاد بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتعويضاً لإيران عن حل «الدفاع الوطني»، أمر الأسد بتأسيس «الفيلق الرابع اقتحام» بوصفه جزءا من الجيش النظامي، لكن الفيلق لاقى نجاحا ضئيلا وظل هزيلاً.
وخلال عام 2015، بدأت تظهر من أنقاض «الدفاع الوطني»، تشكيلات بعضها مقرب من إيران، وبعضها محسوب على أجهزة الأمن السورية، وأخرى مقربة من الروس.
ومع تدخل روسيا إلى جانب دمشق في سبتمبر (أيلول) 2015، انتعش من جديد مشروع تفكيك «الدفاع الوطني»، مع اعتقاد موسكو أن تصرفات هذه الميليشيات تسيء إلى سمعة الجيش النظامي السوري، وبات مشهد مسلحيها نادرا في وسط العاصمة واقتصر على عدد من الأحياء المحيطة بها.
- أيضا الغوطة الشرقية
ولوحظ حرص دمشق على الترويج للانتخابات في مناطق ريف دمشق التي كانت تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلحة وجرى تدمير قسم كبير منها خلال الحرب وتهجير المعارضة منها خلال السنوات الماضية.
وجالت «الشرق الأوسط» في مدينة دوما التي كانت تمثل مركز الثقل للمعارضة في غوطة دمشق الشرقية، ولاحظت وجود كثيف لصور الأسد. وبرز اسم النائب في مجلس الشعب والتاجر عامر خيتي، في صور الأسد المنشورة والتي تتضمن عبارات دعم وولاء دوما للأسد. كما أسهم خيتي ورجل أعمال آخر برز خلال الحرب وهو «المنفوش»، في رعاية أحد احتفالات دعم الأسد في دوما.
ولم يختلف المشهد في مناطق عربين وجوبر وسقبا وحمورية وغيرها من قرى وبلدات الغوطة الشرقية عما هو عليه في دوما، بينما نشط في مناطق جنوب دمشق رجل الأعمال الذي يحمل الجنسية الجزائرية خالد الزبيدي في الترويج لحملة الأسد.
وتحدثت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن تكلفة إحدى الولائم في ريف دمشق لدعم الحملة الانتخابية للأسد بلغ أكثر من 30 مليون ليرة سورية (حوالي 10 آلاف دولار).
وبحسب مطلعين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، تولى رجل الأعمال محمد حمشو الذي انسحب من الانتخابات البرلمانية التي جرت الصيف الماضي، رعاية حملة المرشحين الآخرين في مواجهة الأسد. وذكرت المصادر أن حمشو تكلف بنفقات استئجار شركة العلاقات العامة التي صممت حملتي محمود مرعي وعبد الله سلوم عبد الله، العضو في المكتب السياسي في «حزب الوحدويين الاشتراكيين». وذكرت مصادر إعلامية أن الشركة المعنية هي «أفكار بلاس»، التي تعود ملكيتها لفارس جدعان أخو زوجة ماهر الأسد.
وبالنسبة للكثيرين من السوريين، كان موسم الانتخابات موسم خير، فقد تحسنت التغذية الكهربائية وانتظم توزيع المشتقات النفطية، وعملت البلديات على تنظيف الأحياء والشوارع، إضافة إلى بعض القرارات التي قدمت منحاً للموظفين.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.