الانعكاسات الفنية للانقلابات العربية في رواية عراقية عن ممثلة مشهورة

«سعاد والعسكر» لنجم والي

الانعكاسات الفنية للانقلابات العربية في رواية عراقية عن ممثلة مشهورة
TT

الانعكاسات الفنية للانقلابات العربية في رواية عراقية عن ممثلة مشهورة

الانعكاسات الفنية للانقلابات العربية في رواية عراقية عن ممثلة مشهورة

يبدو أن فترات الحظر في المنازل هي الأكثر جذباً لقراءة الروايات، فللرواية طقسها الخاص في القراءة، ومناخها. وقراءة الرواية تخضع أيضاً لوعي القارئ، وتطوره، فقد كنتُ، مثلاً، لا أحب الروايات العربية، وذلك لشدة تأثري بروايات «ماركيز». فبعد أن قرأته وضعت رواياته جداراً بيني وبين النتاج العربي والعراقي تحديداً في الرواية، وفي القصة القصيرة، ولكن بمرور الأيام وجدتُ أننا أمة تحكي، بل إنها لا تملك غير الحكي، فهو أحد سبل بقائها وانتشارها، نحن نحكي ونحكي بشكل جيد، ولدينا من المواقف والقضايا ما يشكل سحراً خاصا في السرد.
لهذا فقد ركنتُ إلى السرد العربي والعراقي، فوجدتُ فيه من السحر الكثير، وفيه من الصراخ، وتعرية الجوانب المجتمعية، والسياسية الكثير أيضا.
آخر الأعمال التي ركنتُ لها، وسافرت معها لمدة أسبوع، هو رواية «سعاد والعسكر» للروائي العراقي نجم والي المغترب في ألمانيا.
إنَّ ما يميز أعمال «نجم والي» أن العسكر أخذوا حصة كبيرة في اشتغالاته السردية منذ روايته الأولى «الحرب في حي الطرب» التي أدان فيها مبكرا الحرب العراقية الإيرانية، وصرخ عالياً بوجه الحرب التي استبدل بها حي للغجر يغنون، ويرقصون، ويأكلون، من خلال شخصية أحد الجنود الهاربين. ويعود هذه المرة بروايته الجديدة «سعاد والعسكر»، 2021. دار سطور في بغداد، لجوء العسكر ولكن في منطقة أخرى، تشكل أيضاً إدانة للنظم العسكرية الانقلابية، وكأنَّه في هذه الرواية من خلال شخصية سعاد المظلومة، ومن خلال شخصية «سليم عدلي أو جمال عباس، أو الذي لا يعرفون اسمه» الشخصية المخابراتية العسكرية الظالمة، أراد أنْ يختصر أزمنة مرت على هذه الشعوب، ويدين تجربة الانقلابات التي حدثت في العالم العربي أواسط القرن الماضي، كما أن فيها خيطاً من الحنين للنظم الملكية التي أسقطها العسكر، وشكل فيما بعد حكوماته الجمهورية أو الوطنية. ولكنها جمهوريات بوليسية ضيقت على الناس حرياتها، واستثمرت في ميدان الفن، ولكنه استثمار لجسد الفنانات كما تسرده الرواية، حيث تبنى العسكر فنانة اسمها «سعاد» أواسط القرن الماضي في مصر، ومن ثم أوغلوا في هذا التبني بحيث جعلوا منها مصدرا للابتزاز السياسي مع كبار الرؤساء والزعماء. وكان الهدف من وراء ذلك هدفاً وطنياً كما أبلغوها، وإنها تقدم خدمة لوطنها، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يصورون لها كل سهراتها الخاصة، ويسجلون لها كل أحاديثها مع العشاق المفروضين عليها. والمفارقة التي تعمدها الروائي هو اسم الضابط المسؤول عن سعاد الذي يصور لها مغامراتها الليلية حيث سماه «سليم عدلي أو جمال عباس» وهو في الواقع يقوم بعملية معاكسة لعملية السلامة أو العدالة، وكأن نجم والي يعيدنا إلى فكرة العرب قديما، في أن يسمّوا الأشياء بعكس طبيعتها، فالمريض يسمّونه سليماً، والأعمى بصيرا، وهو من باب التفاؤل كما تروي لنا المدونة السردية العربية. وبهذا فقد وضع اسم «سليم عدلي» لأبخس مهنة يقوم بها، حيث تسلط على رقاب عدد من الفنانات دون عدالة وشكل منهن رابطة باسم «نساء فرقان» حيث الاسم اسم ديني، فيما كانت الواجبات المنوطة على عاتق هؤلاء النسوة من الفنانات هي واجبات للإيقاع بالسياسيين أو الزعماء الكبار من الرؤساء كما تروي الرواية.
اشتمل غلاف الرواية الذي يعد عتبة مهمة على صورة تقترب كثيرا من صورة الفنانة المعروفة «سعاد حسني» فيما مسح المصمم كلمة العسكر بشريط أسود وأبقى كلمة سعاد فقط، وكأن مخرج الكتاب بتوصية من الروائي أراد أن يحذف العسكر من كل حياتنا أو أن هذا الشريط الأسود هو إعلان عن موت العسكر تبشيرا بموتهم مستقبلاً، ولولا أن الصفحة الثانية بعد الغلاف مكتوب عليها سعاد والعسكر لما عرفنا اسم الرواية.
الرواية اشتملت على عوالم سردية متنوعة، وكلما توغل القارئ في صفحاتها اشتبك السرد أعلى فأعلى، وصعد التشويق إلى أعلى مناسيبه، ذلك أن الروائي تلاعب بخيوط الرواية، وأربك القارئ من خلال هذا التلاعب، فالقارئ وقع في حيرة التصنيف الإجناسي للعمل، رغم أنه مكتوبٌ في صفحة الغلاف رواية، إلا إنَّ هذه الرواية بسبب سحر السرد فيها مزجت بين مجموعة أشكال ما بين المذكرات، والسيرة الذاتية، وما بين الراوي العليم أو كلي العلم، وما بين الراوي المساير للأحداث، بحيث تشعر أن الراوي يتفاجأ كما يتفاجأ القارئ. وحتى السيرة الذاتية نفسها تنقسم إلى سيرته الذاتية الخاصة أي سيرة الروائي بلحمه ودمه، حيث يشير بوضوح في صفحات الرواية الأولى إلى أنه (قدم من برلين حيث تسلم دعوة من معهد غوته لعقد ندوة في القاهرة 2008) وفعلاً فالكاتب مقيم في برلين، وقدم محاضرة في القاهرة في هذه الأوقات التي ذكرها، ثم يمر على فنادق ومقاه ومطاعم مررنا جميعا بها، بعد ذلك يلتقي بصديق أميركي له، يسلمه دفاتر خاصة بحبيبته «سعاد» التي انتحرت في لندن، في يوم انتحار الفنانة سعاد حسني نفسه، وفي المكان نفسه، يسلمه الدفاتر بسرية تامة خوفاً من بطش السلطات العسكرية التي تلاحقه، ومن هذه التفصيلة تبدأ مذكرات الفنانة سعاد حسني من أول أغنية لها أمام الملك حتى آخر أغنية، حيث رددت الأغنية الأولى نفسها، وانتحرت بعد ذلك (أنا سعاد أخت القمر... بين العباد حسني انتشر.....طولي شبر ووجهي بدر... صوتي سحر... كلي بشر).
على مدار 370 صفحة من القطع المتوسط تدور أحداث الرواية ساردة تفاصيل حياة هذه الفنانة التي اسمها سعاد، ولكنها على خلاف اسمها أيضا، فهي غير سعيدة كما توضح خيوط السرد، حيث أُجبرت على العمل مع الأجهزة الأمنية كما في الرواية، وبقيت طوال ثلاثين عاما تحت سلطتهم يوجهونها حيث شاءوا هي ومجموعة أخرى من الفنانات، إلى أنْ هربت إلى لندن، وأفل نجمها، وتردت صحتها، وبدت تلك السندريلا الجميلة عبارة عن برميل منفوخ من السمنة، أثَّر على نفسيتها، فاعتزلتْ العالم في شقة في لندن.
رغم إدانته الواضحة للعسكر في العالم العربي وهيمنته على مقدرات عدد من البلدان، وهيمنة أجهزة المخابرات على مفاصل مهمة من مفاصل الدول ومنها الفن، فإنه عمل روائي فني بامتياز، حيث بقيت كل خيوط الرواية بيد الروائي، ولم ينس حدثاً من أحداثها، ففي اللقطة الأولى غنت سعاد أمام الملك وعمرها ستة أعوام، وأعطى الملك أباها ألف جنيه ليدخلها المدرسة ويصرف على تعليمها، ولكنه لم ينفق عليها درهما واحدا. كان هذا في الصفحات الأولى من العمل، بقيت حتى آخر الصفحات تتذكر الملك وكلماته لها، وتتذكر حتى الأكل الذي أكله الملك في تلك الاحتفالية، وتحلم أنْ تأكل ما أكله لتموت بالطريقة نفسها التي مات فيها الملك في مطعم في إيطاليا، حيث يحب أن يأكل وجباته المفضلة من المحار وجراد البحر وشرائح من لحم العجل مع البطاطس المحمرة: «كم بودها أنْ تذهب يوما إلى المطعم ذاته وتجلس لتأكل الوجبة نفسها التي تناولها الملك، أليس هو الذي بدأت مشوار حياتها معه كفنانة، فلماذا لا تنهي حياتها على الطريقة نفسها التي انتهى إليها؟».
إذن رواية تدور حول فنانة بدأت طفلة في حفل أقامه الملك في أواسط القرن العشرين، ومن ثم حدث انقلاب على الملك ليسيطر العسكر على مقاليد الحكم، لتبدأ رحلة جديدة لهذه الفنانة تحت هيمنة العسكر، والأجهزة الاستخباراتية، لتصبح فيما بعد نجمة البلاد الأولى، وحلم كل السياسيين في التقرب منها. بعدها تذوي وتهرب إلى لندن وتموت منتحرة.
بيَّن علاقة الغرب والشرق، وضع الروائي ثلاث شخصيات أجنبية، واحدة عجوز بريطانية «المسز روز» وأخرى أسترالية شابة عشقت صحافيا مصريا فتركها بعد ستة أشهر، وبقيت تندب حظها وتبكي فقط، وآخر سيمون سيروس الذي يصبح قطب الرواية وسبب نشر دفاتر بطلة العمل «سعاد»... هذا الشاب الأميركي سيتزوج سعاد ومن المصادفات أن يحتفل بزواجه في بغداد في فندق المنصور ليلة وصول كادر تصوير فلم «القادسية». الشخوص الأجانب في العمل هذا هم أكثر عطفاً على سعاد من أبناء جلدتها، وحتى من أهلها الذين لا يظهرون في العمل إلا بوصفهم مستهلكين لأموالها، بينما العجوز البريطانية «المسز روز» منحت سعاد شقتها في لندن لتقيم فيها مجاناً، فيما حاول سيروس الأميركي أن يحافظ على سعاد بكل ما استطاع من قوة، ولكن سعاد انتحرت بعد أن سافر سفرة عمل سريعة خارج لندن، فاضطر لأن يعود إلى مصر ليقتل الضابط «سليم عدلي» الذي شكل عقدة سعاد الأزلية.
هل في الرواية من رسائل أراد نجم والي أن يوصلها من خلال رسم الشخصيات التي ظهرت؟ فمعظم الشخصيات المحلية هي شخصيات عدوانية وانتهازية ما عدا الشخصيات الأجنبية كما قلنا؟
هل في الرواية من رسائل تحن إلى الزمن الملكي في البلدان التي تحولت إلى ما يسمى الحكومات الوطنية؟
هل الرواية فقط لسرد سيرة فنانة مشهورة لا أكثر؟ أم أن الروائي اتخذ من هذه الفنانة قناعاً لحركة الفن والثقافة تحت ظل العسكر؟
الرواية أوردت قائمة من الأسماء الصريحة منها صدام حسين وكيف أنه تعلق بسعاد حسني وصرح للصحافيين بأنه يحبها، وكيف جاءت إلى بغداد لتمثل في فيلم القادسية وكانت برفقته لأيام، وكيف أنها أخذت منه معلومات حول حرب الخليج القادمة، معلومات واقعية ولكن السرد يسحبها لمنطقته السحرية فتشتبك الشخصيات الحقيقية بالشخصيات الورقية، وتتداخل الأماكن السردية بالأماكن التي نعيش فيها، فيما يتنازل التاريخ عن حقائقه ووضوحه ليكون طفلاً طيعا بيد الروائي، يأخذه للأماكن وللأحداث التي يريد تسجيلها. فالروائي يُدين العسكر، ولكنه يمرر رسائله من خلال تصرفات الجنرالات الكبار والضباط الثانويين، ويتعرى الواقع العربي ولكن على لسان أبطاله، الذين يضخ على ألسنتهم وجهة نظره التي يريد تمريرها، بحيث يقنع متلقيه بوجهة النظر هذه من دون أن يحشر نفسه بإلقاء المواعظ أو الشكوى، وهذه مهارة فنية في النقد داخل المتن الجمالي.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.