صدرت للشاعر السعودي جاسم بن محمد عساكر حتى الآن أربع مجموعات شعرية: «شرفة ورد»، عن نادي الأحساء الأدبي (2009)، «الأشرعة» عن مركز «تبارك»، (2012)، «أطواق الشوك»، عن نادي الشرقية الأدبي، (2014)، و«أغنية لهذا المأتم» عن دار «دراية» للنشر والتوزيع (2020). وهو عضو منتدى الينابيع الهجرية. وفي هذا الحوار، الذي جرى معه في الأحساء حيث يقيم، يتحدث عساكر عن تجربته الشعرية، ودور الشعر في عالمنا المعاصر، والعلاقة مع القارئ، وعن إصداره الأخير:
> دعني أسألك أولاً: ما علاقتك بالشعر؟ هل يمثل لك قضية؟
- من أجل أن تستمر علاقتي بالشعر كقضية يجب أن أزرع على أرصفة الحياة شجيرات خضراء وارفة الظلال من الكلمات وأن أظل أفتش في السماء عن غيمة تائهة تريد أن تهطل، فأحملها فوق كفي، كي أوزعها بالتساوي على الفلاحين الفقراء، والحقول، والعطشى، ومتى مات أحد الفلاحين فقراً؛ يكون مات بعضي، ومتى جفّ أحد الحقول، يكون مات بعضي الآخر، إلى أن يأتي علي الموت بأكملي، وحين يموت الحقل والفلاح معاً دون أن أحرك ساكناً، يكون وجودي على وجه البسيطة خيانة لهما، وعليه فلا حياة لخائن.
> هل للشعر رسالة... ما رسالته؟
- الشعر الحقيقي هو ما ينزل على الشاعر نزول القدر، ويطوّق كفه، ثم يسير به إلى دهاليز الفكرة التي يريد التعبير عنها، دون حساب للعواقب، فقد تكون الفكرة انقلاباً ضد النفس، أو تمرداً على مبدأ ومنهاج، وليس بالضرورة أن يسير به على طريق معبّد محدد الملامح مسبقاً، لأن الشعر حالة فوضوية بطبعه، لا يدري الشاعر في أي واد يزج به، وهناك من وظّف الشعر توظيفاً سيئاً عبر تبجيل الظلم مثلاً، وهذا لا يعني أن الشعر لم يخدم القضايا الإنسانية العادلة ولم ينتصر للإنسان، بل على العكس كان الشعر وما زال أحد الأسلحة الفتاكة ضد الأعراف المستبدة، كما أنه أحد القناديل المشعة التي تبعث أضواء الأمل في النفس البشرية المأزومة، وهكذا أعشق أن يكون وأن تتجلى مضامين رسالته إن كنت سأنظر إليه على أنه رسالة.
> هل للقصيدة زمن معين؟ كيف تولد القصيدة عنك؟
- القصيدة يا سيدي لا تأتي بمرسوم، وإنما تقتحم على الشاعر زمانه أنى وكيفما كان، وربما يكون الشاعر أيضاً في زمن غير زمنها، حيث يأتيها هو متأخراً عن الحدث الذي يريد التعبير عنه، وذلك بعدما تشرّب الموقفَ في مخيلته إلى أن أصبحت تلك المخيلة غيمة مثخنة بالماء وليس أمامها إلا أن تمطر، وقد يأتي الشاعر سابقاً لأوان القصيدة، فيكتب عن غرض سوف يحدث لاحقاً وهذا ما يسمى بشعر المناسبات، كأن يكتب للمشاركة بعد أسبوع في حفل أو مناسبة وطنية.
> أين مكان الشعر في زمن التسارع الرقمي هذا؟
- لا شك أن مطر الإلكترون الهاطل بغزارة على جسد هذا الكوكب، سلب الدفء من علاقاتنا ببعضنا البعض قبل كل شيء، وجرّد أرواحنا من دثار العواطف الحميمية فيما بين الأهل والأصدقاء، فدب البرد في المفاصل والعظام، إلى أن امتد هذا الأثر ليشمل كل شيء في حياتنا، وليس الشعر عن ذلك ببعيد، فالقصيدة التي كانت تتوهج بأنفاس ملقيها أمامك في قاعة صغيرة، تلمس من خلالها وهج المشاعر منه مُرسِلاً كما يلمس دفء إحساسك متلقياً، لم تعد بنفس درجة الغليان العاطفي بعد أن انتقلت من المنبر إلى الشاشة، لكن من جانب آخر يجب ألا نغفل دور التقنية الذي لعبته في تقديم المبدع وبسرعة الضوء على صعيد الحضور الإعلامي والانتشار، وإن كانت شرعت الباب على مصراعيه أمام الجميع، دون فرز ودون الموازين والاشتراطات التي تفرضها الأندية الأدبية مثلاً أو قاعات المراكز الثقافية والتي تخضع لمعايير معينة، وإن كانت بدرجة ما، في دعوة المشاركين على مسارحها.
> لماذا غاب الشعر العاطفي والرومانسي... هل أصبح «منبوذاً»؟
- صدقت...! لقد أصبح وصف (عاطفي رومانسي) تهمة وسبّة في بعض المواقف، من فرط ما انتسب الإنسان الحديث للواقع، فتراه في قسم من الحوارات يُذكر في حال الذم والاعتراض كتعبير مرادف للشخص المغيب عن الواقع. وفي ذلك ما فيه من التعريض كما نلحظ، لكن قد يحدث ونعذر من يطلقها أحياناً، نظراً لما آلت إليه مشاعره من الغربة ولما افتقده من حالة الصفاء التي كانت يوماً ما تملأ النفوس قبل أن تهب عليها رياح العصرية والمادة من كل حدب وصوب فجعلتها تتجمد إلى حد ما، وكذلك نظراً لشغفه الكبير للعثور على جوهر الحب الذي أصبح مفقوداً نظراً لتسيد الحديد والأسمنت...
> هناك من يقول إن القصيدة تراجعت...هل تتفق مع هذا الرأي؟
- ليس من حقنا أن نبخس دور القصيدة في حقبة زمنية ما، مهما كانت تلك الحقبة مدلهمة مظلمة ومهما كان واقعها مظلماً مزرياً، بل ربما تكون هي الضوء الذي يلمع في آخر النفق، والملجأ الذي يأوي إليه الإنسان بعد أن تتكالب عليه الأزمات، فيعود محملاً بخسائر وفجائع حياتية لا قبل له بها، ولك أن تنظر ما أفرزته جائحة «كورونا» من أدب وقصائد، كما لك أن تلقي نظرة على الكم الهائل الذي تصدره دور النشر من دواوين شعرية بين فترة وأخرى، ولك أن تتابع مواقع التواصل الاجتماعي وتكتشف ما تضخه من أمواج الأدب والشعر، وإن أصبح الغث يزاحم أكتاف السمين، علاوة على ما نشهده في حياتنا اليومية من تهافت النفوس نحو القصائد وتداولها بين الناس في المناسبات بعمومها، وإذا تغيبت القصيدة عن عصر ما فلا شك أن خللاً ما أصاب ذائقة الإنسان.
> ماذا يريد الشاعر من الجمهور؟
- على الشاعر أولاً أن يزرع الثقة عن نفسه في هذا الجمهور ثم يطلب ما يريد، كما عليه أن يبتعد عن الغوغائية والصراخ المفتعل وألا ينخدع بكل ما يمليه عليه جمهوره من آراء وانطباعات كلها مدح وثناء، وأن ينزل من برجه العاجي إلى الناس في الحارات والسكك القديمة ويتلمس هموم المجتمع، بإحساسه واقعاً، لا بخيالاته، وبذلك يستطيع أن يمرر بلسم كلماته على الجراح النفسية التي يعيشها الجمهور، الذي سوف يلمس فيه الصدق فيجعله أكثر قرباً ووصولاً منه.
> ماذا عن المشهد الثقافي في الأحساء، وكيف تقيمه؟
- المشهد الثقافي في الأحساء مشرق كطلعة شمس ذات صبح ربيعي دافئ لولا بعض السحاب المتقطع الذي يعتم عليه بين الفينة والأخرى جراء بعض الأوهام التي ينسجها بعض من يدعون الثقافة لأنفسهم ويصدقونها، بل ويوهمون البعض الآخر بأنهم امتلكوا ناصيتها، إضافة إلى زرع الجرعة الزائدة من الثقة في نفوس المبتدئين، ما يجعلهم يندفعون وينـزلقون على المسار الخاطئ حتى يتخبط المشهد في ليل من العمى أحياناً، ولكن بصورة عامة فإن المشهد مقبول إلى حد كبير ويرضي طموح الباحثين عن مواطئ أقدامهم على امتداد مساحته الشاسعة.
> حدثنا عن إصدارك الشعري الأخير «أغنية لهذا المأتم»، وما «الظلال» التي يلقيها هذا التركيب في العنوان؟
- حاولت في هذا الديوان أن أتناول مواضيع إنسانية وذاتية شتى، وأن أطرق أبواب التأمل والغزل، والرثاء، ونظرتي إلى الشعر، حيث جاء معظمه على الطريقة الخليلية ذات الشطرين، إلا أنه لم يخل أيضاً من بعض قصائد التفعيلة، وقد أفردت أيضاً قسماً للمقطوعات القصيرة التي جاءت على شكل ومضات تحت عنوان فرعي سميته (فهارس صغيرة لأوطان كبيرة)، أما الظلال في تركيبة العنوان، فكما تعلم أن العالم اليوم يعيش حالة من السوداوية المفرطة في ظل انتشار الأمراض والأوبئة وكذلك الحروب، والهموم النفسية، وكأنه مأتم كبير فجاء الديوان كأغنية تقول للبائسين واليائسين: لا تقنطوا فهناك أمل يختبئ في ركن ما من هذا العالم، فتعالوا لنسعد.

