الفلسطينيون يحتفلون بـ«النصر» والإسرائيليون يتحدثون عن «تغيير المعادلة»

«حماس» تقول إن يدها «على الزناد»

فلسطينية توزع حلوى في الأقصى بمناسبة وقف النار في غزة (أ.ف.ب)
فلسطينية توزع حلوى في الأقصى بمناسبة وقف النار في غزة (أ.ف.ب)
TT

الفلسطينيون يحتفلون بـ«النصر» والإسرائيليون يتحدثون عن «تغيير المعادلة»

فلسطينية توزع حلوى في الأقصى بمناسبة وقف النار في غزة (أ.ف.ب)
فلسطينية توزع حلوى في الأقصى بمناسبة وقف النار في غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي خرج فيه عشرات ألوف الفلسطينيين إلى الشوارع يحتفلون بالنصر ويرفعون شارات النصر بأصابعهم، وهم يقفون فوق ركام الدمار في قطاع غزة، ويعدّون وقف النار هزيمة للاحتلال، انطلقت في إسرائيل حملة حساب عسير وسط اتهامات للحكومة والجيش بالفشل وانتقادات لـ«الإسراع» في وقف النار قبل تحقيق أهداف العملية.
وأطلقت الشرطة الإسرائيلية أمس، قنابل الصوت على فلسطينيين خلال مواجهات خارج المسجد الأقصى في القدس. وقال ميكي روزنفيلد، المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية، إنه جرى إلقاء الحجارة على ضباط إسرائيليين عند إحدى بوابات الأقصى و«ردت الوحدات ودخلت منطقة الحرم القدسي. وهي تتعامل مع هذه الاضطرابات بهدف احتواء الموقف». وأفاد الهلال الأحمر بالقدس بأن طواقمه تعاملت مع 20 إصابة خلال المواجهات في المسجد الأقصى.
وفي أعقاب خروج وسائل إعلام إسرائيلية وعدد من السياسيين والخبراء العسكريين بانتقادات شديدة لأداء الحكومة والجيش والمخابرات في الحرب على غزة، أشاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أمس، بما وصفها بـ«عملية نوعية حققت لإسرائيل إنجازات غير مألوفة». وأضاف أنه «عندما خرجنا لشن العملية العسكرية حددت غايتها المركزية: إعادة الهدوء من خلال ترسيخ الردع، وتوجيه ضربة شديدة للمنظمات الإرهابية. وهكذا فعلنا». وكان نتنياهو يتحدث في مؤتمر صحافي، عُقد ظهر أمس (الجمعة)، في مقر وزارة الأمن في تل أبيب، إلى جانب وزير الأمن بيني غانتس، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي، ورئيس جهاز المخابرات العامة (الشاباك) ناداف أرغمان.
ورد نتنياهو على الانتقادات الشديدة على أدائه منذ بداية الحرب والاتهامات له بأنه بادر إلى هذه الحرب لخدمة مصلحته الشخصية لإفشال جهود تشكيل حكومة مناوئة له، وتقوية مكانته كرئيس حكومة، وإجهاض محاكمته بمخالفات فساد جنائية، فقال: «هذه افتراءات. فقد وجّهنا ضربات كاسحة إلى (حماس) وتنظيماتها وأعدناها إلى الوراء سنين طويلة. فليس كل شيء معروف للجمهور الآن، وليس لـ(حماس) أيضاً، لكن سيتم الكشف عن مجمل إنجازاتنا بمرور الزمن». وأضاف: «في هذه المرحلة بإمكاني القول إننا نفّذنا أموراً جريئة جديدة وغير مسبوقة، من دون الانجرار إلى مغامرات غير ضرورية. ولو كانت هناك حاجة إلى اجتياح قطاع غزة ودخوله بقوات برية، لفعلنا ذلك، لكني اعتقدت هذه المرة أننا مقابل الهدف الذي وضعناه سنتمكن من تحقيق نتائج أفضل بطرق أخرى وآمنة أكثر. وألحقنا ضرراً بالغاً بـ(حماس) بالحد الأدنى من الإصابات في إسرائيل. فـ(حماس) تلقّت ضربات لم تكن تتخيل وجودها ولا في الكوابيس والأحلام».
وتفاخر نتنياهو بالعمليات النوعية التي نفّذها جيشه، والتي رأى فيها الفلسطينيون «تدميراً رهيباً» وحظيت بانتقادات في جميع أنحاء العالم، فقال: «قمنا بتدمير الأنفاق الهجومية، بطول 100 كيلومتر، وهذا إنجاز هائل لم يحقق مثله أي جيش في العالم حتى اليوم. ودمّرنا تسعة أبراج إرهابية وعشرات البيوت للقادة. ولا أحد من هذه الأهداف كان بريئاً. هذه مكاتب لـ(حماس) ومقرات قيادة ومخازن أسلحة لها. استهدفنا مصانع قذائف صاروخية ومختبرات ومخزونات أسلحة. وكل هذا من خلال حد أدنى باستهداف مدنيين غير ضالعين في القتال».
وقال نتنياهو: «لقد غيّرنا المعادلة ليس فقط في أيام العملية العسكرية وخلالها، وإنما غيّرناها للمستقبل أيضاً. وإذا اعتقدت (حماس) أننا سنتحمل تقطير القذائف الصاروخية، فإنها مخطئة. وسنردّ بقوة أخرى على أي مظاهر عدوانية ضد سكان غلاف غزة أو أي مكان آخر». وتابع: «الدمار الذي جلبوه على أنفسهم بأيديهم أصبحوا يعرفونه. وهم يعلمون أننا أعدناهم سنوات إلى الوراء».
أما وزير الأمن، بيني غانتس، رئيس حزب «كحول لفان»، فقال إن «قوات الأمن والجيش الإسرائيلي أظهروا في الأيام الأخيرة القدرات الاستخباراتية والعمليات بالغة القوة في تاريخ دولة إسرائيل. وحققنا الغايات العسكرية التي وضعناها. وجبينا ثمناً باهظاً جداً من (حماس). ودمرنا منظومة الأنفاق، وقتلنا أكثر من 200 ناشط إرهابي، بينهم قادة كبار جداً. ونجحنا في إحباط خطط (حماس) لتنفيذ عمليات تسلُّل، وإرسال طائرات مسيّرة وغير ذلك».
وأضاف: «في هذه المرحلة انتهى العمل العسكري وحان وقت العمل السياسي. والعمل السياسي لا يعني اتفاقاً خاطفاً، وإنما تحريك خطوات طويلة الأمد ستُضعف المتطرفين وتعزز وتربط بين المعتدلين وتعززهم. وأنا تكلمت اليوم مع قادة الدول العربية المعتدلة. يحظر علينا إغلاق الباب الذي فُتح. وإذا لم نعمل سياسياً بسرعة وبشكل صحيح، ستسجَّل عملية حارس الأسوار (هكذا يسمّون العملية الحربية الأخيرة على غزة) كجولة أخرى في الطريق إلى العملية العسكرية القادمة. ولا يوجد تفويض لحكومة إسرائيل بتحويل إنجاز عسكري غير مسبوق إلى إهدار فرصة سياسية».
وتكلم رئيس أركان الجيش أفيف كوخافي، فقال: «(حماس) ارتكبت خطأ جسيماً بإطلاقها قذائف صاروخية باتجاه دولة إسرائيل. إنها ببساطة تقرأ قوتنا بشكل صحيح واصطدمت بقوة هجومية وأنظمة دفاعية لم تشهدها ولم تتوقعها من قبل. وسيستغرق العدو وقتاً طويلاً كي يدرك حجم قوة الضربة التي تلقاها». وتابع كوخافي أنه «بالنسبة لي وللجيش الإسرائيلي، انتهى الأمر ولكنه لم يكتمل. ونحن على استعداد إلى العودة والعمل بقوة بالغة في أي وقت».
وتكلم رئيس «الشاباك»، ناداف أرغمان، فقال إن «هذه العملية العسكرية هي نتيجة استعدادات دقيقة وعمل استخباراتي ممتاز للجيش الإسرائيلي و(الشاباك). وهي ليست مشابهة لعمليات عسكرية سابقة من حيث الضربة التي تلقتها (حماس). وبإمكان هذه العملية أن تكون عملية تغيير واقع، وذلك وفقاً لأدائنا منذ الآن فصاعداً. لقد تغيرت قواعد اللعبة».
وكانت وسائل الإعلام الإسرائيلية قد نشرت تقارير، صباح أمس، تحتوي على انتقادات شديدة للحكومة والجيش. وروت أن هذه الانتقادات وصلت إلى طاولة الحكومة نفسها، إذ إن عدة وزراء وجّهوا انتقادات شديدة اللهجة لأداء المؤسسة الأمنية في الحرب على غزة، فيما وجه السياسيون والخبراء انتقادات إلى الحكومة. وفي جلسة المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينيت)، التي عُقدت مساء الخميس، لإقرار وقف إطلاق النار. وقال الموقع الإلكتروني لصحيفة «هآرتس» إن نتنياهو والوزراء الأعضاء في الكابينيت يبدون قلقين من نتائج «العملية العسكرية» التي يُظهرها الفلسطينيون وعدد من الإسرائيليين على أنها انتصار لحركة «حماس».
وحسب تقارير عديدة في جميع وسائل الإعلام، فإن وزراء في «الكابينيت» وصفوا العملية بأنها «عديمة الفائدة، لعجزها عن طرح أهداف من شأنها (تغيير واقع الهجوم) الإسرائيلي على القطاع، ولم تحقق أي نتيجة عملياتية ناجحة». وقال أحد الوزراء إن سلاح الجو الإسرائيلي «فشل في تدمير معظم الأنفاق الدفاعية لـ(حماس)، والتي كانت إحدى المهام الرئيسية للعملية العسكرية. كما انتقدوا تجنب القيادة العسكرية والسياسية في إسرائيل، اجتياح القطاع وتنفيذ عملية برية، والاكتفاء بضربات معظمها جوية. وعدّوا عدم التمكن من اغتيال قيادات بارزة في حركة (حماس) بحجم يحيى السنوار أو محمد الضيف، فشلاً كبيراً للجيش الإسرائيلي».
- «حماس»: «يدنا على الزناد»
في غضون ذلك، قال عزت الرشق عضو المكتب السياسي لـ«حماس»: «اليوم تقف هذه المعركة صحيح، لكن فليعلم نتنياهو وليعلم العالم كله أن يدنا على الزناد وأننا سنبقى نُرَاكِم إمكانيات هذه المقاومة ونقول لنتنياهو وجيشه: إن عدتم عدنا». ومضى قائلاً لـ«رويترز» في الدوحة إن مطالب الحركة تتضمن أيضاً حماية المسجد الأقصى والكف عن إخراج الفلسطينيين من ديارهم بالقدس الشرقية، وهو ما وصفه الرشق بأنه «خط أحمر». وأضاف: «ما بعد معركة (سيف القدس) ليس كما قبلها، فشعبنا الفلسطيني التفّ حول المقاومة ويعلم أن المقاومة هي التي سوف تحرر أرضه وتحمي مقدساته».
أما رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية، فشكر إيران أمس، على دعمها «المقاومة» الفلسطينية بالمال والسلاح، مؤكداً الاستعداد لما بعد المواجهة العسكرية الأخيرة مع إسرائيل. وقال هنية في كلمة متلفزة بُثّت عبر فضائية «الأقصى» التابعة لـ«حماس»: «ما بعد معركة (سيف القدس) ليس كما قبلها (...) سنحضر أنفسنا لمرحلة بعد (سيف القدس) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى»، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية. وقال: «نعد هذه المعركة قفزة نوعية في تاريخ الصراع ونقطة تحول كبيرة جداً، سيقرأها كل صناع القرار داخل العدو».
وكان وقف إطلاق النار قد بدأ في الثانية من فجر أمس (الجمعة)، بعد أن أعلنت كل من إسرائيل والفصائل بقيادة «حماس»، الموافقة على المقترح المصري. وقال المتحدث باسم نتنياهو إن إسرائيل «وافقت على المقترح المصري لوقف إطلاق النار من الطرفين، ودون أي شروط». وفي المقابل، أعلنت كل من «حماس» و«الجهاد»، الموافقة رسمياً على المقترح المصري.
وقد أكدت القاهرة إيفاد وفدين أمنيين منفصلين، أحدهما إلى تل أبيب والآخر إلى المناطق الفلسطينية، لمتابعة إجراءات التنفيذ والاتفاق على الإجراءات اللاحقة التي من شأنها الحفاظ على استقرار الأوضاع بصورة دائمة. وفُهمت هذه الصياغة في الجانب الفلسطيني على أنها تعني التداول في موضوع القدس. فسارعت مصادر سياسية إسرائيلية إلى نفي ذلك. وقالت في تصريحات إعلامية إن «ادعاءات (حماس) بشأن وجود تفاهمات تتعلق بالقدس والحرم القدسي وحي الشيخ جراح، ضمن وقف إطلاق النار هو أمر متخيَّل ولا أساس له من الصحة».
وعلى أثر إعلان وقف النار، في الثانية فجراً، خرج عشرات ألوف الفلسطينيين إلى الشوارع في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، يطلقون زمامير السيارات ويطلقون الرصاص والألعاب النارية في الهواء ويلوّحون بأعلام فلسطين وأعلام «حماس» و«الجهاد» و«فتح» ويجوبون الشوارع بالسيارات وبمسيرات المشي ويكبّرون تكبيرات العيد الذي حُرموا من تعييده. كما خرج أطفال غزة، أمس، يرتدون ملابس العيد. ولكن الفرحة انتُزعت، حالما بدأ أصحاب البيوت المشردون يعودون إلى بيوتهم فيرونها ردماً أو حطاماً أو مصابة بأضرار تُفقدها صلاحية السكن، وأصحاب الحوانيت الذين لم يستطيعوا التعرف بسهولة على حوانيتهم من شدة الأضرار التي سبّبها القصف الإسرائيلي.
وفي المقابل، بقي الإسرائيليون سكان البلدات الجنوبية، خصوصاً المحيطة بقطاع غزة، في الملاجئ وفق تعليمات الدفاع المدني تحسباً من «خدعة فلسطينية» وتجدُّد القصف. وراح قادتها المحليون في السلطات البلدية ينتقدون الحكومة على وقف النار ويقولون إن الحكومة لا تهتم لهم وإنما تهتم فقط بسكان تل أبيب وضواحيها. وإنها أضاعت فرصة لتركيع «حماس» وقطع شرها تماماً عنهم. ولكن في تل أبيب امتلأت المطاعم والنوادي الليلية بالمواطنين.
وأجمعت الفصائل الفلسطينية أمس، على اعتبار وقف إطلاق النار نتيجة «للصمود الأسطوري» لأهل قطاع غزة. واستخدم كثيرون من قادة الفصائل في قطاع غزة كلمة انتصار. ورحب الرئيس محمود عباس ورئيس وزرائه محمد أشتية، بها. وأكدوا أن وقف النار لا يعني وقف النضال السلمي لأجل القدس وصد مخططات الاستيطان والتهويد الإسرائيلية إزاءها والمساس بالمسجد الأقصى المبارك.
وقد أشادت الرئاسة الفلسطينية، في بيان، بالجهود التي بذلتها مصر وقطر والأردن والإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لتحقيق وقف النار. ووجّهت الرئاسة «التحيات لصمود وتضحيات شعبنا في قطاع غزة، وتحدي المقدسيين للإجراءات الإسرائيلية والحراك الشعبي السلمي في الضفة، والذي جاء متزامناً من جهود مصرية وعربية وأميركية، واتصالات فلسطينية على مدار الساعة، بما في ذلك التحرك تجاه مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان».
وأصدر رئيس الوزراء الفلسطيني د.محمد أشتية، بياناً أشاد هو أيضاً «بنجاح الجهود الدولية التي بُذلت طيلة الأيام الماضية والتي قادتها جمهورية مصر العربية الشقيقة لوقف العدوان الإسرائيلي على أهلنا في قطاع غزة».



«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.