نجيب محفوظ... صراع الروائي والسيناريست

74 فيلماً تحمل اسمه تسجل سابقة في تاريخ السينما

نجيب محفوظ... صراع الروائي والسيناريست
TT

نجيب محفوظ... صراع الروائي والسيناريست

نجيب محفوظ... صراع الروائي والسيناريست

إحصائية مدهشة لم يرصدها كثيرون من قبل بهذه الدقة والتوثيق يكشف عنها الناقد نادر عدلي في كتابه «سينما نجيب محفوظ» الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، والذي يذكر فيه أن 74 فيلماً في جعبة السينما المصرية تحمل اسم نجيب محفوظ، تتضمن ما كتبه خصيصاً للشاشة الفضية، وهى 30 عملاً، فضلاً عن الأعمال المأخوذة عن رواياته وقصصه القصيرة وتبلغ 44 عملاً.
والسؤال: كيف بدأت علاقة أديب نوبل بهذا الفن أصلاً؟ سئل ذات مرة فأجاب بأنها قصة عشق بدأت منذ أن كان طفلاً في الخامسة من عمره عندما شاهد فيلماً لأول مرة بإحدى دور العرض. وفي أواخر الأربعينات عرض عليه المخرج الشهير رائد تيار الواقعية صلاح أبو سيف أن يعلمه كتابة السيناريو والقصة السينمائية بعد أن سجل اسمه كسيناريست بنقابة السينمائيين. وبالفعل قدم محفوظ 19 سيناريو خرجت للنور، لكنه ابتعد بعد ذلك عن كتابة السيناريو واكتفى بكتابة القصة أو المعالجة السينمائية للفيلم. ولم يكن الأمر بالنسبة له مجرد ممارسة مهنة أو حرفة، لذلك نجده يقول في أكثر من حوار: «راودني أمل كبير أن يصبح مجال السينما امتداداً لحياتي الإبداعية». أيضاً كان تعيينه مديراً للرقابة على المصنفات الفنية من أسباب ابتعاده عن الكتابة للسينما لفترة. وفي الوقت نفسه، بدأ الاهتمام السينمائي بأعماله الأدبية الروائية وتحويلها إلى كثير من الأفلام المهمة، ثم قصصه القصيرة، ثم تولى منصب رئيس المؤسسة العامة للسينما فازداد ارتباطاً بهذا المجال.

من «المنتقم» إلى «المجرم»
كيف تعامل نجيب محفوظ مع السينما وكيف تعاملت هي مع رواياته وقصصه؟ يجيب نادر عدلي أن الأمر سار عبر مرحلتين. في الأولى تولى صاحب «بين القصرين» كتابة السيناريو أو القصة والسيناريو ثم القصة المؤلفة للسينما أو القصة السينمائية المأخوذة عن أعمال الآخرين. واستمرت تلك المرحلة عبر 30 سنة كاملة حيث تبدأ بفيلم «المنتقم»، إنتاج 1947 وإخراج صلاح أبو سيف وبطولة نور الهدى ومحمود المليجي، حتى فيلم «المجرم» بطولة شمس البارودي وحسن يوسف والإخراج أيضاً لصلاح أبو سيف. وتشمل هذه المرحلة 30 فيلماً قام محفوظ بكتابة السيناريو لـ14 فيلماً منها، والقصة والسيناريو لـ4 أفلام، إضافة إلى 8 قصص كتبها للسينما، ومعالجة سينمائية عن أعمال الآخرين بلغت 8 أفلام.
ويذكر المؤلف أن محفوظ اكتسب حرفة كتابة السيناريو بسرعة عبر أول فيلمين ومع الفيلم الثالث «لك يوم يا ظالم» بدأ تأثير الواقعية المحفوظية في تفاصيل المكان والشخصيات رغم اقتباس القصة من الأدب الفرنسي. وفي الفيلمين التاليين «ريا وسكينة» و«الوحش» برع في استغلال وقائع إجرامية حقيقية كتبت عنها الصحافة وأبطالها سفاحون تم إلقاء القبض عليهم كما استغل جاذبية القصة المشوقة، ليبرز مفارقات البيئة الاجتماعية في مصر في الأربعينات والخمسينات والستينات، وهو ما تجلى أيضاً في أفلام لاحقة مثل «فتوات الحسينية»، و«درب المهابيل» و«الفتوة»، لافتاً إلى أنه من خلال هذه الأفلام يأتي تأثير محفوظ ودوره منذ البداية في دعم وترسيخ التيار الواقعي في السينما المصرية. وحين كتب السيناريو لروايتي إحسان عبد القدوس «الطريق المسدود» و«أنا حرة» كان يتناول شريحة أعلى من الطبقة المتوسطة في واقع اجتماعي مختلف، شبه أرستقراطي، لكن بصمات الواقعية رغم ذلك كانت تظهر بقوة في هذين العملين. توقف عميد الرواية العربية بعد ذلك عن كتابة السيناريو، مكتفياً بكتابة القصة فقط، كما في فيلم «الاختيار» مع المخرج يوسف شاهين إنتاج 1971 بطولة سعاد حسني وعزت العلايلي. وأحياناً كان يكتب القصة السينمائية عن أعمال أدبية لآخرين، كما في «بئر الحرمان» إخراج كمال الشيخ وبطولة نور الشريف وإنتاج 1969.

نقد النقد
يوضح المؤلف أنه في الوقت الذي ابتعد فيه محفوظ عن كتابة السيناريو، انتبهت السينما بشكل متزايد إلى أعماله الروائية الأدبية وبالمصادفة كما يقول محفوظ نفسه: «قام أحمد عباس صالح بتحويل روايتي (بداية ونهاية) إلى مسلسل إذاعي، وتصادف أن تابع هذا العمل المنتج والمصور السنيمائي عبد الحليم نصر، ولاحظ أنه يصلح لأن يكون فيلماً سينمائياً، وقام بالاتفاق معي واشترى الرواية».
تؤرخ هذه الواقعة إلى المرحلة الثانية في علاقة محفوظ بالسينما، حيث أصبح المنتجون والمخرجون يقدمون فيلماً مأخوذاً عن إحدى رواياته بشكل منتظم كل عام تقريباً، فتم تقديم 17 فيلماً خلال 15 سنة في هذا السياق. ووصل عدد الأفلام إلى 28 فيلماً مأخوذاً عن 21 رواية له، حيث كان أحياناً يتم أكثر من معالجة سينمائية للرواية الواحدة كما حدث مع «اللص والكلاب»، كما قدمت 6 أفلام عن حكايات من رواية «ملحمة الحرافيش»، وبعد جائزة نوبل أنتجت ثلاثة أفلام عن رواياته في المكسيك وفيلم في جمهورية أذربيجان بعنوان «اعتراف» عن «اللص والكلاب».
ويذكر عدلي أنه حين بدأ الاتجاه إلى القصص القصيرة لمحفوظ، تم اختيار 12 قصة نشرت في 6 مجموعات قصصية مختلفة أفرزت لنا 13 فيلماً. وبذلك يبلغ عدد الأفلام التي حملت اسم نجيب محفوظ في المرحلتين 74 فيلماً، تمثل في مجملها وتنوعها «حالة» ليس لها مثيل عربياً أو عالمياً في علاقة أديب بالسينما من حيث الاستمرارية والتأثير والخصوصية والأهمية على نحو يكسبها صفة وتصنيف «سينما نجيب محفوظ».
كما كان لافتاً أنه من بين مائة فيلم تم اختيارها لتكون الأفضل في تاريخ السينما المصرية في القرن العشرين، نجد عشرة أفلام مأخوذة عن روايات وقصص لأديب نوبل.
ويلفت الكتاب إلى أن أعمال محفوظ لم تتمتع فقط بالأسلوب السينمائي الجمالي، إنما صنعت كذلك حالة من التطور في حركة صناعة السينما عبر الدفع تجاه المدرسة الواقعية نفسها بكل أبعادها التاريخية والاجتماعية والسياسية والنقدية أيضاً.
ويعبر محفوظ في حواراته عن رضاه لتعامل الشاشة الفضية مع أعماله لأنها كانت في أيدي كبار المخرجين من أمثال صلاح أبو سيف وكمال الشيخ وحسين كمال وعاطف سالم وحسام الدين مصطفى وعلي بدرخان وحسن الإمام. أما التعامل النقدي السلبي مع بعض هذه الأفلام فيقول عنه: «في اعتقادي أن النقد السينمائي هو أحد أبعاد الأزمة التي تعيشها السينما المصرية فإنني آخذ علي النقاد مسألة تحيزهم (الآيديولوجي)، فهم لا يفرقون بين الفن والسياسة وما يتفق مع فكرهم السياسي يرفعونه إلى عليين وما يختلف معه ينزلونه إلى أسفل سافلين دون أسباب موضوعية، فالفنان أو المبدع يجب أن تحسبه على فنه وإبداعه فقط ولا تخلط بينه وبين مواقفه الشخصية أو السياسية».

صراع خفي
لكن هل عانى نجيب محفوظ من الصراع بين الروائي والسيناريست؟ الإجابة بـ«نعم» قاطعة، بحسب الكتاب، فقد كان يدرك أن الكتابة للسينما لها ضرورات تختلف عن كتابة الرواية ولهذا لم يكتب السيناريو لرواياته حتى لا يكون هو نفسه من يعبث بها عبر مشرط السيناريست، لكن في الوقت نفسه لم يعترض على ذلك حين فعله الآخرون!
ويفسر محفوظ عدم كتابته أي سيناريو لفيلم مأخوذ من أعماله الأدبية بقوله: «كنت أمتنع عن كتابة سيناريوهات أفلامي، خشية أن إخلاصي للكتاب الذي أحب أن يكون متحرراً يؤثر على إخلاصي لكتابة السيناريو». وبالنسبة لعدم اعتراضه على ما يتم من تغيرات في رواياته حين يتم تحويلها للسينما يقول: «السينمائي فنان وليس مترجماً للعمل الأدبي، فهو صاحب رؤية وصاحب إبداع ويصح أن يأخذ من الرواية 90 في المائة أو 50 في المائة، حسب رؤيته، ويصح أن يؤلف قصة جديدة مستوحاة من الأولى ويعطيها اسماً جديداً، ثم إن الحذف أو الإضافة ضرورة فنية تقتضيها المعالجة السينمائية، وهي عمل مشروع كنت أمارسه في الفترة التي مارست فيها كتابة السيناريو».



بعد 35 عاماً من الشغف… «ساعات الأجداد» الأثرية تُعرض في مزاد ببريطانيا

مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
TT

بعد 35 عاماً من الشغف… «ساعات الأجداد» الأثرية تُعرض في مزاد ببريطانيا

مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)

تُطرح مجموعة خاصة من الساعات الأثرية الطويلة، المعروفة باسم «ساعات الأجداد»، للبيع في مزاد علني، بعدما جُمعت على مدى 35 عاماً بدافع شغف الاقتناء والترميم.

وتنتمي هذه الساعات إلى بلدات ديفايز، ورويال، ووتون باسيت، وكالن في مقاطعة ويلتشير البريطانية، وهي مملوكة للزوجين بول وجان سوكوني، اللذين قررا أن الوقت حان لانتقال هذه القطع التاريخية إلى «أيدٍ أمينة»، عند عرضها في مزاد تنظمه دار «RWB Auctions» في 4 مارس (آذار)؛ وفق هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وقال بول سوكوني: «لقد تجاوزت السبعين من عمري، وما زلت أعمل مستشاراً في قطاع الأغذية. شعرنا أنا وزوجتي بأن الوقت قد حان للتخلي عن بعض الساعات، ولا سيما تلك التي لا تزال تحتاج إلى ترميم. علينا التفكير في المستقبل، وليس من العملي الاحتفاظ بكل ما نملك».

وتضم مجموعة الزوجين ساعات متنوعة، إضافة إلى أجزاء ميكانيكية مرتبطة بها. وما بدأ بعملية شراء شخصية بسيطة تحوَّل مع مرور السنوات إلى شغف عمر، قادهما إلى البحث عن ساعات صنعها حرفيون محليون والعمل على ترميمها.

ويضيف بول، المقيم قرب ديفايز: «كانت لدى زوجتي رؤية رومانسية؛ أن تجلس بجوار مدفأة الحطب، تقرأ روايات توماس هاردي، في حين يملأ المكان صوت دقات ساعة عتيقة تبعث على الطمأنينة. لذلك اشتريت لها، قبل 35 عاماً، ساعة من هذا الطراز».

وتابع: «من هنا بدأت الحكاية. أصبحنا نبحث عن ساعات تحمل طابعاً محلياً وتاريخاً خاصاً؛ فلكل ساعة شخصيتها وهويتها».

ويبلغ عدد الساعات في مجموعتهما اليوم أكثر من 60 ساعة، وقد باع الزوجان عدداً منها لمشترين من مختلف أنحاء العالم، سعياً من هؤلاء إلى استعادة صلتهم بتاريخهم أو بجذورهم العائلية.

ومن المتوقع أن تحقق القطع المعروضة أكثر من ألف جنيه إسترليني عند عرضها للبيع هذا الأسبوع، وفق تقديرات دار المزاد.

وقال مساعد المزادات وخبير التقييم ويل والتر: «هذه قطع محلية لافتة للاهتمام، ومن المرجح أن تجذب هواة جمع من المنطقة، أو أشخاصاً يقيمون في الخارج لكن تربطهم صلة بهذه البلدات».

ويُنتظر أن يستقطب المزاد اهتمام المهتمين بالساعات الأثرية وتاريخ الحِرف المحلية في منطقة ويلتشير.


«كنوز غارقة» يعيد قراءة ذاكرةٍ ظلت قروناً تحت الماء

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
TT

«كنوز غارقة» يعيد قراءة ذاكرةٍ ظلت قروناً تحت الماء

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)

على طول الساحل الغربي للمملكة، يمتد تاريخ لا يمكن رؤيته من اليابسة. تحت طبقات المياه في البحر الأحمر، ترقد موانٍ قديمة، ومسارات تجارة اندثرت، وسفن توقفت رحلاتها قبل أن تصل إلى وجهتها الأخيرة. ولقرون طويلة، ظل هذا التاريخ صامتاً، ومحفوظاً في الأعماق، وبعيداً عن السرد التاريخي التقليدي.

اليوم، يحاول معرض «كنوز غارقة: التراث البحري للبحر الأحمر»، الذي افتتحه متحف البحر الأحمر في جدة التاريخية، إعادة هذا التاريخ إلى المجال العام، ليس بوصفه اكتشافاً أثرياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من الهوية الحضارية للساحل السعودي. المعرض، الذي جاء ثمرة تعاون بين متحف البحر الأحمر وهيئة التراث وعدد من الشركاء البحثيين، يقدّم قراءة موسّعة لدور البحر الأحمر بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في التاريخ، حيث التقت عبره طرق الحج، والتجارة، والهجرة، وربطت موانيه الجزيرة العربية بآسيا، وأوروبا، وأفريقيا.

مديرة متحف البحر الأحمر إيمان زيدان ترى أن الحاجة إلى هذا المعرض نشأت من طبيعة الساحل السعودي نفسه، الذي وصفته بأنه ساحل غني شهد عبور الحجاج، والرحالة، وازدهار موانٍ رئيسة، مثل الشعيبة، وجدة، إلى جانب مرافق ساحلية في فرسان، والسيرين، والحفز، شكّلت عبر القرون شبكات تجارة واسعة نقلت السلع، والمعرفة، والثقافات بين القارات.

وتوضح زيدان لـ«الشرق الأوسط» أن جزءاً كبيراً من هذا الإرث ظل غير مكتشف، أو غير متاح للمجتمع، رغم أعمال المسح الأثري التي شهدتها مواقع عدة على الساحل السعودي، إضافة إلى مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه، ومن أبرزها حطام سفينة أملج التي كشفت مكتشفاتها عن روابط تجارية وثقافية امتدت من شرق آسيا إلى مواني البحر الأحمر.

أوانٍ خزفية اكتشفت في باب البنط على ساحل البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

يضم المعرض نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، تتراوح تواريخها بين ما يقارب 1600 عام، بينها قطع خزفية، وفناجين بورسلين صينية تعود إلى فترات ازدهار التجارة البحرية، في شواهد تعكس حجم التبادل التجاري بين الصين والجزيرة العربية.

وتشير زيدان إلى أن طبيعة البحر الأحمر الجغرافية -كونه بحراً ضحلاً تحيط به الشعاب المرجانية والتيارات المتغيرة- دفعت البحارة تاريخياً إلى تطوير سفن تقليدية مختلفة في تصميمها عن غيرها من سفن العالم، كما اعتمدوا على الخرائط، وأدوات الملاحة، مثل الأسطرلاب، للاستدلال على الطرق البحرية.

وفي سياق الكشف عن حجم التراث غير المكتشف، أوضحت زيدان أن الدراسات الحالية تشير إلى وجود 40 سفينة غارقة على الساحل السعودي، وهو رقم لا يزال قيد الدراسة، ومرشح للارتفاع مع استمرار أعمال الاستكشاف والتوثيق، ما يعكس اتساع المخزون الثقافي الكامن تحت مياه البحر الأحمر.

من جانبه، أكد ماجد العنزي، مدير عام التراث الثقافي المغمور بالمياه المكلف في هيئة التراث، أن مشاركة الهيئة في المعرض تأتي ضمن جهود وطنية متواصلة في المسح والتنقيب عن مواقع التراث البحري، وحمايتها، مشيراً إلى أن الهيئة عرضت خلال المعرض عدداً من المكتشفات الناتجة عن أعمال ميدانية حديثة.

فناجين خزف صيني (الشرق الأوسط)

وأوضح العنزي، خلال الجلسة الحوارية المصاحبة للمعرض، أن فهم التراث المغمور لا يقتصر على دراسة الحطام، أو القطع المكتشفة، بل يتطلب قراءة أوسع للتغيرات البيئية والتاريخية، خصوصاً تحولات مستوى سطح البحر عبر آلاف السنين، إذ إن الحدود الساحلية التي نراها اليوم تختلف عمّا كانت عليه في العصور الحجرية، والبرونزية، ما يعني أن مواقع استيطان بشرية قديمة أصبحت اليوم تحت الماء.

وأشار إلى أن هذه الدراسات تساعد الباحثين على تحديد أماكن عيش الإنسان القديم، ومسارات الحركة البشرية والتجارية عبر الزمن، ما يمنح علم الآثار البحري دوراً متقدماً في إعادة فهم تاريخ المنطقة. ولم تغب مسألة الحماية عن النقاشات المصاحبة للمعرض؛ إذ شدد كل من زيدان والعنزي على أن التراث المغمور يمثل منظومة أثرية وبيئية متكاملة يجب الحفاظ عليها في موقعها الطبيعي، مع دعوة خاصة للغواصين والهواة بعدم العبث بحطام السفن، لأنها سجلات تاريخية قائمة بذاتها.

كما ناقشت الجلسة أهمية إشراك المجتمع في حماية هذا الإرث، عبر برامج التطوع التي تتيح للمهتمين والمتخصصين، خصوصاً الغواصين، المشاركة في أعمال التوثيق، والحفاظ على مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه. في النهاية، يكشف «كنوز غارقة» أن البحر الأحمر لا يزال يحتفظ بتاريخ لم يُقرأ كاملاً بعد.

فكل بعثة استكشاف، وكل قطعة تُكتشف، لا تضيفان معلومة جديدة فحسب، بل تعيدان رسم صورة المنطقة باعتبارها نقطة التقاء حضارات، لا مجرد ساحلٍ على خريطة. فالتاريخ هنا لم يختفِ... بل انتظر تحت الماء حتى يحين وقت ظهوره.


الشيف طرفة الفوزان: السمبوسة والفوانيس دخيلة… والسفرة تحكي أطباق رمضان

الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)
الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)
TT

الشيف طرفة الفوزان: السمبوسة والفوانيس دخيلة… والسفرة تحكي أطباق رمضان

الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)
الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

السفرة الرمضانية في السعودية تتجاوز كونها أطباقاً تُرصّ قبيل أذان المغرب، فهي مشهد اجتماعي مكتمل تتجاور فيه الذاكرة مع الرائحة، وتتكئ فيه الجغرافيا على قدر يغلي منذ عشرات السنين. هكذا تصف الشيف السعودية طرفة إبراهيم الفوزان مائدة الإفطار، بوصفها «حكاية بيت» قبل أن تكون وصفة مطبخ، مؤكدة أن لكل منطقة بصمتها الخاصة، وإن اجتمعت القلوب على طقس واحد.

المرقوق أحد الأطباق الشعبية التي أعدتها الشيف السعودية طرفة الفوزان

وتأتي نجد بأطباق رمضانية مثل «التاوة»، حيث تُخبز على الصاج وتُقدَّم مع الدبس أو السمن، و«اللقيمات» وهي كرات صغيرة من العجين تُقلى في الزيت ثم تُغمس في الدبس، بالإضافة إلى حلوى «التطلي» التي تُعرف اليوم بالكاسترد، والمهلبية البيضاء، والشعيرية المحلّاة بالسكر؛ وهي حلويات بسيطة في مكوّناتها وعميقة في رمزيتها. وأوضحت الفوزان أن «السمبوسة» لم تكن دائماً بنت البيت، بل كانت تُشترى أحياناً من الباعة في الشوارع، في مشهد يعكس بساطة الحياة آنذاك.

وأشارت الفوزان إلى أن الفطور النجدي في شهر رمضان يشمل تحضير «القرصان» و«السليق» بالحليب، ومعهما المكرونة الطويلة التي كانت تُكسر 5 كسرات قبل طهيها، في حين يتصدر «الجريش» و«المرقوق» المائدة، إلى جانب أطباق مثل «المراصيع».

اللقيمات أحد الأطباق التي أعدتها الشيف السعودية طرفة الفوزان

واستعادت خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» زمناً كانت فيه بعض الأكلات حكراً على شهر رمضان، حتى إن تناول «الجلي» في غيره كان يُعد خروجاً عن المألوف، في إشارة إلى الارتباط الوثيق بين هذه الأطباق والشهر الكريم، وحضورها الموسمي الذي كان يمنحها طابعاً خاصاً في الذاكرة الاجتماعية.

المائدة الشرقية... نكهات البحر والهريس

من الأحساء إلى الجبيل، يفرض «الهريس» حضوره بوصفه سيد الشوربات، فيما تتزين المائدة بـ«الساقو»، وهي حلوى تقليدية تُطهى بالسكر والزعفران وتُقدَّم باردة، و«البلاليط» المطهية بالهيل والزعفران والمكللة بقرص من البيض، على خلاف الطريقة النجدية في إعداد الشعيرية. كما يحضر «الرز الأحمر» المطهو مع الكنعد أو الهامور، بلونه المائل إلى البني بعد تحميصه، إلى جانب «التشريبة»، حيث تبدو النكهات أكثر اقتراباً من البحر وأشد التصاقاً بتفاصيل البيئة الساحلية.

المائدة الغربية... قمر الدين والدخن

تستقبل المنطقة الغربية الصائمين بنكهة مختلفة، حيث يتقدم عصير «قمر الدين» المائدة بلونه البرتقالي الكثيف، في تقليد استقر منذ عقود، وأصبح جزءاً من ذاكرة الإفطار في مدن مثل جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة. وإلى جانبه تحضر «شوربة الدخن» غير المحمصة، بقوامها ونكهتها الهادئة التي تعكس اعتماد المنطقة تاريخياً على الحبوب، كما تتربع «شوربة الحب» المصنوعة من القمح الكامل على عرش الأطباق المشبعة.

ولا تغيب المهلبية والشعيرية عن المشهد، حيث تُزيَّن أحياناً بالقرفة أو المكسرات، وتُقدَّم في صحون فردية صغيرة، كما تحضر أطباق الأرز واللحوم المطهوة بتتبيلات تميل إلى التنوع، متأثرة بحركة التجارة والحجاج التي مرّت عبر مواني البحر الأحمر لقرون طويلة، فحملت معها نكهات وتوابل من بلدان عدّة اندمجت تدريجياً في المطبخ المحلي.

جنوب المملكة... العريكة والخبز على الحطب

ويمتد هذا التنوع جنوباً، في مناطق عسير وجازان والباحة، حيث تتشكل المائدة الرمضانية من علاقة وثيقة بالأرض والموسم. وتُطهى «العريكة» المصنوعة من الدقيق الأسمر أو الدخن والممزوجة بالسمن والعسل، و«المعصوب» بطبقاته الدافئة من الخبز والموز والقشطة، بوصفهما خيارين مثاليين لبداية الإفطار أو ختامه. كما يبرز خبز «الملّة» و«الميفا» المخبوزان على الحطب، برائحتهما المدخنة، في مشهد يستحضر الأفران الحجرية والبيوت الجبلية القديمة.

وتُعد أطباق الدخن والعصيدة من الأطباق الرئيسية، تُسكب في صحون واسعة ويتشكل في وسطها تجويف صغير يُملأ بالمرق أو السمن، فيما تنضم أطباق اللحم المطهو ببطء إلى جانبها، وتُصنع الشوربات من الحبوب المحلية التي تمنح الدفء والشبع بعد الصيام.

المنطقة الشمالية... الدسامة والكرم البدوي

تميل المائدة الرمضانية في مدن شمال المملكة إلى الأطباق الدسمة، خصوصاً في مناطق الجوف والحدود الشمالية وتبوك، وتنسجم هذه الأطباق مع طبيعة الطقس البارد واتساع المساحات المفتوحة. ويتميز «الجريش» بقوامه الكثيف المطهو لساعات حتى يلين تماماً، ويجاوره «المطازيز» المحضّر من أقراص عجين صغيرة تُطهى مع اللحم والخضار في قدر واحد، بينما يأتي «القرصان» بطبقاته المشبعة من الخبز الرقيق والمرق الغني.

وغالباً ما تبدأ السفرة بشوربات القمح أو الشعير قبل أن تصل أطباق اللحم، سواء كانت على هيئة قطع مطهية في المرق أو أطباق أرز يعلوها اللحم، في انعكاس واضح لثقافة الكرم المتجذرة في المجتمعات البدوية، حيث تتعدد أطباق السفرة الشمالية وطرق تقديمها.

وأوضحت طرفة الفوزان، رغم كل هذا التنوع في المأكولات الرمضانية، أن هناك أطباقاً أساسية لا غنى عنها في السفر، مثل «التاوة واللقيمات والسمبوسة»، مع شوربة الجريش أو الشوفان، قائلة: «هي أطباق انتقلت من جيل إلى جيل، ولذلك ارتبطت في وعينا الجمعي برمضان نفسه».

المرقوق أحد الأطباق الشعبية التي أعدتها الشيف السعودية طرفة الفوزان

وقالت الفوزان إن شكل السفرة شهد تغيّرات ملحوظة في العقود الأخيرة؛ فبعد أن كانت تُفرش على الخوص ويُضاء فوقها سراج صغير، دخلت الفوانيس ذات الطابع غير المحلي، وتسللت ألوان وزينات مستوردة لا تعكس البيئة السعودية التقليدية، وهو ما أدى، حسب وصفها، إلى ترسيخ تصور لدى الأطفال والشباب بأن بعض هذه العناصر جزء من التراث، في حين غابت عنهم التفاصيل المحلية الأصيلة التي كانت تميز سفرتهم الرمضانية.

وبيّنت الفوزان أن الحفاظ على هوية المائدة يشمل أدوات الضيافة وطريقة التقديم وحتى المفردات المستخدمة أثناء الإفطار، مشيدة بجهود المؤسسات المعنية بالتراث التي تسعى لإعادة الاعتبار للموروث الرمضاني، لكنها تؤكد أن الدور الأهم يبقى للأسرة ووسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الوعي الغذائي المحلي، ونشر الثقافة المرتبطة بالتمر والقهوة العربية، وهما عنصران أساسيان يجتمع عليهما السعوديون في كل منطقة، ليكونا العامل المشترك الذي يوحد المائدة رغم اختلاف الأطباق والألوان.