نجيب محفوظ... صراع الروائي والسيناريست

74 فيلماً تحمل اسمه تسجل سابقة في تاريخ السينما

نجيب محفوظ... صراع الروائي والسيناريست
TT

نجيب محفوظ... صراع الروائي والسيناريست

نجيب محفوظ... صراع الروائي والسيناريست

إحصائية مدهشة لم يرصدها كثيرون من قبل بهذه الدقة والتوثيق يكشف عنها الناقد نادر عدلي في كتابه «سينما نجيب محفوظ» الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، والذي يذكر فيه أن 74 فيلماً في جعبة السينما المصرية تحمل اسم نجيب محفوظ، تتضمن ما كتبه خصيصاً للشاشة الفضية، وهى 30 عملاً، فضلاً عن الأعمال المأخوذة عن رواياته وقصصه القصيرة وتبلغ 44 عملاً.
والسؤال: كيف بدأت علاقة أديب نوبل بهذا الفن أصلاً؟ سئل ذات مرة فأجاب بأنها قصة عشق بدأت منذ أن كان طفلاً في الخامسة من عمره عندما شاهد فيلماً لأول مرة بإحدى دور العرض. وفي أواخر الأربعينات عرض عليه المخرج الشهير رائد تيار الواقعية صلاح أبو سيف أن يعلمه كتابة السيناريو والقصة السينمائية بعد أن سجل اسمه كسيناريست بنقابة السينمائيين. وبالفعل قدم محفوظ 19 سيناريو خرجت للنور، لكنه ابتعد بعد ذلك عن كتابة السيناريو واكتفى بكتابة القصة أو المعالجة السينمائية للفيلم. ولم يكن الأمر بالنسبة له مجرد ممارسة مهنة أو حرفة، لذلك نجده يقول في أكثر من حوار: «راودني أمل كبير أن يصبح مجال السينما امتداداً لحياتي الإبداعية». أيضاً كان تعيينه مديراً للرقابة على المصنفات الفنية من أسباب ابتعاده عن الكتابة للسينما لفترة. وفي الوقت نفسه، بدأ الاهتمام السينمائي بأعماله الأدبية الروائية وتحويلها إلى كثير من الأفلام المهمة، ثم قصصه القصيرة، ثم تولى منصب رئيس المؤسسة العامة للسينما فازداد ارتباطاً بهذا المجال.

من «المنتقم» إلى «المجرم»
كيف تعامل نجيب محفوظ مع السينما وكيف تعاملت هي مع رواياته وقصصه؟ يجيب نادر عدلي أن الأمر سار عبر مرحلتين. في الأولى تولى صاحب «بين القصرين» كتابة السيناريو أو القصة والسيناريو ثم القصة المؤلفة للسينما أو القصة السينمائية المأخوذة عن أعمال الآخرين. واستمرت تلك المرحلة عبر 30 سنة كاملة حيث تبدأ بفيلم «المنتقم»، إنتاج 1947 وإخراج صلاح أبو سيف وبطولة نور الهدى ومحمود المليجي، حتى فيلم «المجرم» بطولة شمس البارودي وحسن يوسف والإخراج أيضاً لصلاح أبو سيف. وتشمل هذه المرحلة 30 فيلماً قام محفوظ بكتابة السيناريو لـ14 فيلماً منها، والقصة والسيناريو لـ4 أفلام، إضافة إلى 8 قصص كتبها للسينما، ومعالجة سينمائية عن أعمال الآخرين بلغت 8 أفلام.
ويذكر المؤلف أن محفوظ اكتسب حرفة كتابة السيناريو بسرعة عبر أول فيلمين ومع الفيلم الثالث «لك يوم يا ظالم» بدأ تأثير الواقعية المحفوظية في تفاصيل المكان والشخصيات رغم اقتباس القصة من الأدب الفرنسي. وفي الفيلمين التاليين «ريا وسكينة» و«الوحش» برع في استغلال وقائع إجرامية حقيقية كتبت عنها الصحافة وأبطالها سفاحون تم إلقاء القبض عليهم كما استغل جاذبية القصة المشوقة، ليبرز مفارقات البيئة الاجتماعية في مصر في الأربعينات والخمسينات والستينات، وهو ما تجلى أيضاً في أفلام لاحقة مثل «فتوات الحسينية»، و«درب المهابيل» و«الفتوة»، لافتاً إلى أنه من خلال هذه الأفلام يأتي تأثير محفوظ ودوره منذ البداية في دعم وترسيخ التيار الواقعي في السينما المصرية. وحين كتب السيناريو لروايتي إحسان عبد القدوس «الطريق المسدود» و«أنا حرة» كان يتناول شريحة أعلى من الطبقة المتوسطة في واقع اجتماعي مختلف، شبه أرستقراطي، لكن بصمات الواقعية رغم ذلك كانت تظهر بقوة في هذين العملين. توقف عميد الرواية العربية بعد ذلك عن كتابة السيناريو، مكتفياً بكتابة القصة فقط، كما في فيلم «الاختيار» مع المخرج يوسف شاهين إنتاج 1971 بطولة سعاد حسني وعزت العلايلي. وأحياناً كان يكتب القصة السينمائية عن أعمال أدبية لآخرين، كما في «بئر الحرمان» إخراج كمال الشيخ وبطولة نور الشريف وإنتاج 1969.

نقد النقد
يوضح المؤلف أنه في الوقت الذي ابتعد فيه محفوظ عن كتابة السيناريو، انتبهت السينما بشكل متزايد إلى أعماله الروائية الأدبية وبالمصادفة كما يقول محفوظ نفسه: «قام أحمد عباس صالح بتحويل روايتي (بداية ونهاية) إلى مسلسل إذاعي، وتصادف أن تابع هذا العمل المنتج والمصور السنيمائي عبد الحليم نصر، ولاحظ أنه يصلح لأن يكون فيلماً سينمائياً، وقام بالاتفاق معي واشترى الرواية».
تؤرخ هذه الواقعة إلى المرحلة الثانية في علاقة محفوظ بالسينما، حيث أصبح المنتجون والمخرجون يقدمون فيلماً مأخوذاً عن إحدى رواياته بشكل منتظم كل عام تقريباً، فتم تقديم 17 فيلماً خلال 15 سنة في هذا السياق. ووصل عدد الأفلام إلى 28 فيلماً مأخوذاً عن 21 رواية له، حيث كان أحياناً يتم أكثر من معالجة سينمائية للرواية الواحدة كما حدث مع «اللص والكلاب»، كما قدمت 6 أفلام عن حكايات من رواية «ملحمة الحرافيش»، وبعد جائزة نوبل أنتجت ثلاثة أفلام عن رواياته في المكسيك وفيلم في جمهورية أذربيجان بعنوان «اعتراف» عن «اللص والكلاب».
ويذكر عدلي أنه حين بدأ الاتجاه إلى القصص القصيرة لمحفوظ، تم اختيار 12 قصة نشرت في 6 مجموعات قصصية مختلفة أفرزت لنا 13 فيلماً. وبذلك يبلغ عدد الأفلام التي حملت اسم نجيب محفوظ في المرحلتين 74 فيلماً، تمثل في مجملها وتنوعها «حالة» ليس لها مثيل عربياً أو عالمياً في علاقة أديب بالسينما من حيث الاستمرارية والتأثير والخصوصية والأهمية على نحو يكسبها صفة وتصنيف «سينما نجيب محفوظ».
كما كان لافتاً أنه من بين مائة فيلم تم اختيارها لتكون الأفضل في تاريخ السينما المصرية في القرن العشرين، نجد عشرة أفلام مأخوذة عن روايات وقصص لأديب نوبل.
ويلفت الكتاب إلى أن أعمال محفوظ لم تتمتع فقط بالأسلوب السينمائي الجمالي، إنما صنعت كذلك حالة من التطور في حركة صناعة السينما عبر الدفع تجاه المدرسة الواقعية نفسها بكل أبعادها التاريخية والاجتماعية والسياسية والنقدية أيضاً.
ويعبر محفوظ في حواراته عن رضاه لتعامل الشاشة الفضية مع أعماله لأنها كانت في أيدي كبار المخرجين من أمثال صلاح أبو سيف وكمال الشيخ وحسين كمال وعاطف سالم وحسام الدين مصطفى وعلي بدرخان وحسن الإمام. أما التعامل النقدي السلبي مع بعض هذه الأفلام فيقول عنه: «في اعتقادي أن النقد السينمائي هو أحد أبعاد الأزمة التي تعيشها السينما المصرية فإنني آخذ علي النقاد مسألة تحيزهم (الآيديولوجي)، فهم لا يفرقون بين الفن والسياسة وما يتفق مع فكرهم السياسي يرفعونه إلى عليين وما يختلف معه ينزلونه إلى أسفل سافلين دون أسباب موضوعية، فالفنان أو المبدع يجب أن تحسبه على فنه وإبداعه فقط ولا تخلط بينه وبين مواقفه الشخصية أو السياسية».

صراع خفي
لكن هل عانى نجيب محفوظ من الصراع بين الروائي والسيناريست؟ الإجابة بـ«نعم» قاطعة، بحسب الكتاب، فقد كان يدرك أن الكتابة للسينما لها ضرورات تختلف عن كتابة الرواية ولهذا لم يكتب السيناريو لرواياته حتى لا يكون هو نفسه من يعبث بها عبر مشرط السيناريست، لكن في الوقت نفسه لم يعترض على ذلك حين فعله الآخرون!
ويفسر محفوظ عدم كتابته أي سيناريو لفيلم مأخوذ من أعماله الأدبية بقوله: «كنت أمتنع عن كتابة سيناريوهات أفلامي، خشية أن إخلاصي للكتاب الذي أحب أن يكون متحرراً يؤثر على إخلاصي لكتابة السيناريو». وبالنسبة لعدم اعتراضه على ما يتم من تغيرات في رواياته حين يتم تحويلها للسينما يقول: «السينمائي فنان وليس مترجماً للعمل الأدبي، فهو صاحب رؤية وصاحب إبداع ويصح أن يأخذ من الرواية 90 في المائة أو 50 في المائة، حسب رؤيته، ويصح أن يؤلف قصة جديدة مستوحاة من الأولى ويعطيها اسماً جديداً، ثم إن الحذف أو الإضافة ضرورة فنية تقتضيها المعالجة السينمائية، وهي عمل مشروع كنت أمارسه في الفترة التي مارست فيها كتابة السيناريو».



مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.