تنافس بين دمشق والقامشلي على محصول القمح السوري

TT

تنافس بين دمشق والقامشلي على محصول القمح السوري

جفت عشرات الآلاف من الهكتارات من الأراضي الزراعية في شمال شرقي سوريا، جراء انعدام الهطولات المطرية الموسمية، وتضرر موسم القمح والشعير المروية بعلاً على سلة سوريا الغذائية، ما ينذر بانخفاض كبير في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية ومرور عام قاسٍ على سكان المنطقة وعموم سوريا.
وتحولت من دولة مكتفية ذاتياً بالقمح والخبز إلى جائعة تزامنا مع استمرار الأزمة الاقتصادية، وتذبذب أسعار صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية، لتسجل هذه الأيام بحدود 3100 ألف ليرة للدولار.
وخرج نحو 265 ألف هكتار مخصصة لزراعة القمح من الموسم، من أصل 390 ألف من بين إنتاج العام الجاري، إضافة إلى تضرر موسم الشعير بعد خروج نحو 400 ألف هكتار من الموسم البعل من خطة الإنتاج، مع بقاء 125 ألف هكتار من القمح المروي و20 ألف هكتار من الشعير المروي ضمن خطة الإنتاج، وقد تكون المساحات أكثر من ذلك إذ تقدر المساحات القابلة للزراعة في محافظة الحسكة نحو مليون هكتار، دون وجود معطيات كاملة حول حجم الضرر النهائي بإنتاج هذا الموسم إلى حين انتهاء الحصاد.
ورغم هذه الأرقام المتدنية وتوقعات بربع الإنتاج إلى ما دون نصف مليون طن من مادة القمح وربع مليون طن من مادة الشعير، دخلت «الإدارة الذاتية»، والحكومة السورية في مضمار المنافسة لشراء إنتاج هذا العام، وحجبت الجهتان تحديد أسعار القمح والشعير بانتظار انتهاء موسم الحصاد وتحديد كميات الإنتاج.
وقال سلمان بارودو رئيس هيئة الاقتصاد والزراعة في «الإدارة» لـ«الشرق الوسط» إنها أتمت كافة الاستعدادات لتسلم مادتي القمح والشعير من الفلاحين والمزارعين وشراء محاصيلهم. وقال: «قمنا بإصدار التعميم حفاظاً على إنتاج الموسم لأن مناطق الإدارة بأمس الحاجة لها، ومن خلال هذا التعميم يمنع نقل مادتي الشعير والقمح حتى بين مناطق الإدارات نفسها»، مشيراً إلى أن الصوامع الخاضعة لسيطرة الإدارة بحالة جيدة وتم تعقيمها والتأكد من جاهزيتها بشكل كامل، وعن الهدف من قرارات منع تجارة القمح ونقله بين مناطق الإدارة أوضح قائلاً: «بهدف الحفاظ على البذور للسنوات القادمة ومن أجل توزيع مادة الطحين على الأفران العامة والخاصة بشكل عادل، دون حدوث أزمات كالتي شهدتها المنطقة بالآونة الأخيرة».
بالتوازي، أعلنت المؤسسة العامة السورية للحبوب والبذور الحكومية، تخصيص 450 مليار ليرة سورية (ما يعادل مليونا ونصف مليون دولار أميركي) لتسديد ثمن محصول القمح للعام الجاري دون تحديد سعره. وقال مدير المؤسسة يوسف قاسم في إفادة صحافية نشرتها وكالة الأنباء الرسمية (سانا) الأربعاء: «سيتم تسديد ثمن المحاصيل عبر المصارف الزراعية خلال 48 ساعة من تاريخ تسليم المحصول»، مشيراً إلى وجود 46 مركزا لشراء محصول في كل المحافظات السورية، إلى جانب وجود 5 صوامع تم تجهيزها وتأهيل صومعتين معدنيتين في محافظتي الرقة وحلب، والعمل على تأهيل صومعتين بنفس المنطقة. وأضاف أن «المراكز في أتم الجاهزية للمباشرة في عملية التسلم كما يمكن افتتاح مراكز مؤقتة حسب الحاجة الفعلية وبما يتوافق مع الإنتاج المتوقع».
4 ملايين طن
باتت سوريا مقسمة بين ثلاث مناطق نفوذ بين جهات دولية وإقليمية ومحلية متصارعة، حيث تحتاج مناطق النظام إلى مليوني طن من القمح سنوياً لتأمين حاجتها من الخبز، إضافة إلى 360 ألف طن من البذور، ونحو 800 ألف طن للاستخدامات الأخرى من صناعة البرغل، والمعكرونة، والفريكة، والسميد، وغيرها، بحسب إحصاءات وزارة الزراعة، ومجموعها يزيد على 3 ملايين طن.
أما مناطق الإدارة الذاتية الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من واشنطن، تحتاج إلى 600 ألف طن لطحين الخبز وبذور العام القادم، ونفس الرقم تحتاجه مناطق المعارضة السورية المسلحة الواقعة شمال غربي البلاد، حيث تنتشر فيها قواعد وجنود من الجيش التركي وتدعم فصائل مسلحة موالية.
تتوقع هيئة الاقتصاد لدى الإدارة أن إنتاج القمح خلال هذا الموسم لن يتجاوز بأفضل حال ٤٠٠ ألف طن بحسب تقارير من هيئات ولجان الاقتصاد المتابعة لخطة الإنتاج، وتشجيعاً لتسليم الموسم إلى سلطات الإدارة نقل سلمان بارودو: «سنقدم للإخوة الفلاحين كافة مستلزمات الزراعة من سماد ومبيدات وأدوية ومحروقات بالسعر المناسب للعام القادم، وسنسهل عملية تسليم محاصيلهم، وسندعم المشاريع الخاصة للراغبين بإنشاء محالج أقطان ومستودعات أعلاف». حيث أنتجت مناطق الإدارة الذاتية من محصول القمح 900 ألف طن عامي 2019 و2020 منها 600 ألف طن تم تخزينها للبذور وصناعة الخبز، أما موسم هذا العام وبحسب تقديرات خبراء اقتصاديين ومسؤولي الإدارة سيكون ربع إنتاج كل عام، بعد خروج المساحات المزروعة وتحولت مرعى للأغنام.
وأشار أكرم حسو الذي ترأس المجلس التنفيذي لإقليم الجزيرة عدة سنوات إلى «عجز الإدارة عن دعم القطاع الزراعي ودخوله مرحلة الموت السريري»، وطالب برفع سعر شراء سعر كيلو القمح إلى عتبة 50 سنتاً لتعويض التكاليف والخسائر التي يتكبدها المزارعون والفلاحون.
فيما يرى الخبير الزراعي محمد فتاح أن انعدام الهطولات المطرية الموسمية وتراجع كميات الإنتاج يهددان الأمن الغذائي للمنطقة خصوصاً وباقي أرجاء سوريا عموماً، وقال: «كان بالإمكان تدارك خسارة المواسم الزراعية لو بذل جهد إضافي بوضع خطة استراتيجية بعيدة المدى، كتخزين كميات من المياه خلف السدود للاستفادة منها خلال سنوات الجفاف»، لافتاً أن غالبية الأراضي الزراعة البعلية تحولت إلى مساحة لرعاة الأغنام، وأشار إلى أن نسبة الضرر الزراعي وصلت إلى 90 في المائة نتيجة انحسار الأمطار بشكل عام.
وهذه الخسارة ستنعكس سلباً على الآلاف من الفلاحين والعمال الذين يكسبون عيشهم من خلال العمل في المحاصيل الزراعية الموسمية، إضافة إلى سقاية وجني المحاصيل ومنها العطرية والبقوليات والعمل في التعبئة والنقل وعمال وسائقي الجرارات والحصادات الزراعية، وأعرب فتاح عن أمله أن تكون المساحات المروية على الآبار البحرية «طوق النجاة» للقطاع الزراعي.
وتقول منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» في تقرير صدر عنها العام الماضي إن سوريا باتت تنتج من القمح ثلث الكمية مقارنة مع إنتاج القمح في عام 2019 والذي قدر بنحو 2.2 مليون طن مقابل 1.2 مليون طن لعام 2018، بينما قدر إنتاج سوريا من القمح قبل عام 2010 بنحو 4.1 مليون طن.
وكان وزير الاقتصاد السوري محمد سامر الخليل كشف في تصريحات صحافية أن سوريا تستورد ما بين 180 ألفاً و200 ألف طن من القمح شهرياً بتكلفة 400 مليون دولار أميركي، بينما رفعت سلطات الإدارة الذاتية العام الفائت سعر شراء محصول القمح المحلي وربطته بقيمة الدولار وبلغ آنذاك 17 سنتاً أميركياً للكيلوغرام الواحد، مما أثار الشكوك حيال الكميات التي سيكون بوسع الحكومة شراؤها، وشدد مسؤولو الإدارة على أن خطتها للعام الجاري تستهدف تخزين ما يكفي 18 شهراً وعدم السماح بالبيع إلى الحكومة إلا إذا توافر فائض.
يذكر أن معدل هطول الأمطار هذا العام وصل بشكل نسبي إلى ما يقارب 140 ملم، وهي كمية غير كافية لإنتاج موسم زراعي مقبول إذ كانت المعدلات في الأعوام السابقة تراوحت وسطياً إلى 400 ملم.
إلى ذلك، رفعت «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» أسعار المحروقات بنسب فاقت المائة في المائة، وتعد الأعلى التي تقرها حتى الآن، وهو ما أثار انتقادات حادة.
وبموجب القرار 119، رُفعت أسعار عدد من المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين المائة والـ300 في المائة.
وحسب القرار حددت الإدارة سعر ليتر البنزين بـ410 ليرات سورية، ارتفاعاً من 210 ليرات، بينما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 2500 ليرة إلى 8000 ليرة، وارتفع سعر مثيله المخصص للمنشآت الصناعية والتجارية من 5 آلاف ليرة إلى 15 ألف ليرة.
كذلك أسعار المازوت شهدت ارتفاعات بنسب متفاوتة، إذ حددت الإدارة سعر المازوت المخصص للتدفئة والزراعة بـ250 ليرة، ارتفاعاً من 75 ليرة لكل ليتر، أما سعر مثيله المخصص للمطاحن والأفران فارتفع من 75 ليرة إلى 100 ليرة، بينما ارتفع سعر المخصص منه لمكتب الصناعة والخدمات إلى 300 ليرة من 150 ليرة.
ولم تذكر «الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي لشمال وشرق وسوريا» مسوغات القرار الذي قوبل بانتقادات شديدة، واكتفت بالإشارة إلى أنه جاء بناء على مقترح إدارة المحروقات العامة، وعلى «مقتضيات المصلحة العامة».



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.