«مؤتمر باريس» يقر مساعدات لإنجاح العملية الانتقالية في السودان

لقاء جانبي مصري ـ سوداني ـ إثيوبي على هامش أعمال القمة

الرئيس الفرنسي يتوسط رئيس مجلس السيادة السوداني (يسار) ورئيس الحكومة السودانية خلال مؤتمر صحافي في باريس مساء أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي يتوسط رئيس مجلس السيادة السوداني (يسار) ورئيس الحكومة السودانية خلال مؤتمر صحافي في باريس مساء أمس (رويترز)
TT

«مؤتمر باريس» يقر مساعدات لإنجاح العملية الانتقالية في السودان

الرئيس الفرنسي يتوسط رئيس مجلس السيادة السوداني (يسار) ورئيس الحكومة السودانية خلال مؤتمر صحافي في باريس مساء أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي يتوسط رئيس مجلس السيادة السوداني (يسار) ورئيس الحكومة السودانية خلال مؤتمر صحافي في باريس مساء أمس (رويترز)

وسط إجراءات أمنية صارمة، التأمت أمس في «القصر الكبير» المؤقت في باريس فعاليات المؤتمر الدولي من أجل السودان، بحضور مجموعة واسعة من المسؤولين الأفارقة والعرب والأوروبيين، في مسعى لدعم السودان في المرحلة الانتقالية التي يجتازها، والتي تلقى مواكبة دولية أكان من الدول الغربية أو العربية والأفريقية، إضافة إلى المنظمات الإقليمية «الاتحاد الأوروبي، والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي» والدولية «الأمم المتحدة» والمؤسسات المالية الفاعلة.
واللافت أن الكلمات الرسمية التي ألقيت في المؤتمر ركزت في جانب كبير منها على الجانب السياسي من العملية الانتقالية والربط بين نجاحها مع استعداد الأسرة الدولية والأطراف المانحة لمساعدة السودان على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمالية وعنوانها الأول المديونية التي ترهق السودان وتوفر الأرضية للحركات الاحتجاجية. وأعلن مساء في ختام مؤتمر باريس عن مساعدات هدفها إنجاح العملية الانتقالية في السودان.
الكلمة الأولى كانت للرئيس إيمانويل ماكرون صاحب فكرة المؤتمر الذي وصف الثورة السودانية بأنها «متميزة» مردداً شعارها «حرية، سلام، عدالة»، معتبراً أنها «لم تكن حادثة عابرة في تاريخ السودان»، مضيفاً أن ما يعطيها بعداً آخر أنها جاءت بعد مرحلة نظام «إسلاموي» استخدم الإسلام لإحداث انقسام مجتمعي، حسب قوله. وحض ماكرون على استكمال العملية الانتقالية من خلال استمرار الإصلاحات والوصول إلى انتخابات حرة وشفافة توفر شرعية جديدة، منبهاً من أن فقدان الاستقرار في السودان «له تبعاته على أمن المنطقة وشمال أفريقيا وأمننا (الأوروبي)». وختم ماكرون بالدعوة لدعم السودان ومده بالمساعدة لمعالجة المديونية، معتبراً أن فرنسا «فخورة بأن تكون باب السودان لعودته إلى الأسرة الدولية».
هذه القراءة شدد عليها رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان ورئيس الحكومة عبد الله حمدوك. الأول تناول السياق العام للتحولات السودانية ودور القوات المسلحة في مواكبة تطلعات الشعب، مؤكداً أنها «سوف تبقى حارس التحول الديمقراطي والحامي للمرحلة الانتقالية وحماية أمن ومصالح السودان».
وإذ أكد البرهان أن التغيير في السودان «حقيقي وديمقراطي وأنه على الطريق الصحيح»، شدد على أمرين سياسيين - استراتيجيين: الأول، أن انضمام السودان إلى مبادرات السلام في المنطقة «يؤهله لأن يكون ركيزة أساسية للسلام في المنطقة»، في إشارة إلى التطبيع مع إسرائيل، مضيفاً في تصريح صحافي آخر أن «التطبيع لا علاقة له بحقوق الفلسطينيين» بأن تكون لهم دولتهم.
والثاني أن نهج بلاده رفض التدخل في شؤون الآخرين وحسن الجوار ودعم السلام والأمن الإقليمي وانتهاج التفاوض لحل الخلافات مع إثيوبيا بما يحفظ مصالح الدول الثلاث. وفي هذا السياق، أفادت مصادر في المؤتمر بأن لقاء جانبياً في إطار القمة تم بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وعبد الفتاح البرهان وعبد الله حمدوك من جهة ورئيسة جمهورية إثيوبيا ساهلي وورك زودي. وكان هذا الملف قد أثير مساء الأحد بين عبد الفتاح السيسي والبرهان.
وقد حرصت باريس على التساوي بين جناحي السلطة في السودان: العسكري والمدني. لذا، تحدث رئيس الحكومة بعد رئيس المجلس السيادي وشارك كلاهما في المؤتمر الصحافي، وكذلك أعطيت الكلمة لثلاثة من المشاركين في الثورة التي أطاحت بالرئيس المعزول عمر البشير.
جاءت كلمة حمدوك لترسم مسار العملية الانتقالية وما قامت به الحكومة من إصلاحات في الإطار الانتقالي وما تواجهه من تحديات مختلفة الأشكال والأنواع، مشدداً على أن تجربة بلاده تقوم على «التشارك» بين المدنيين والعسكر من أجل بناء الديمقراطية. وقال حمدوك: «السودان يمر في عمليات انتقالية عديدة: من النزاعات إلى السلام ومن الديكتاتورية إلى الحرية، ومن الانغلاق إلى الانفتاح» استجابة لطموحات الشعب الذي يريد تغييراً جذرياً. وعرض حمدوك للإصلاحات التي تمت وللسير في بناء السلام مع المجموعات المسلحة وباكورتها اتفاق جوبا والعزم على الاستمرار بها وصولاً إلى الإصلاحات الاقتصادية. وشدد حمدوك على أن الخرطوم ترغب في الاستفادة من مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون في مطلب واضح لتخفيف ديون بلاده. وسبق لمصادر رئاسية فرنسية أن اعتبرت أن القمة غرضها معالجة الديون «الجماعية». أما الديون «الثنائية» فسيتم النظر بها لاحقاً. وفي كلمتي البرهان وحمدوك دعوة واضحة لدعم السودان على صعيد المديونية، واعتبار أن نجاح العملية الانتقالية الديمقراطية والإصلاحية مرهون إلى حد كبير بالدعم لتخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية ولتوفير سبل النجاح للسلطات في إصلاحاتها.
هذه المسؤولية الخارجية أشار إليها أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في كلمته المسجلة، حيث شدد على واجب الأسرة الدولية في «دعم التحول الديمقراطي في السودان وبناء اقتصاده» منوهاً بالمؤتمر الذي «سيعيد السودان إلى الأسرة الدولية». وكانت لافتة كلمة موسى فكي، رئيس اللجنة الأفريقية الذي حث المؤتمرين على الاستجابة لـ«طموحات الشعب السوداني»، محذراً من أن السودان يعاني من انعدام الاستقرار في محيطه ومن مشاكل حدودية مع إثيوبيا وخلافات بشأن مياه النيل والنزاع مع تيغراي، مورداً بعض الأرقام المخيفة ومنها أن مديونية السودان تساوي 145 في المائة من ناتجه القومي.
وعرض فكي استعداد الاتحاد الأفريقي لمساعدة الخرطوم في مواجهة مشاكلها الأمنية ودعمها لشطب ديونها وتوفير الدعم للانتخابات، داعياً أصدقاء السودان إلى «عدم تركه وحيداً في مواجهة التحديات المتربصة به». وركزت كلمة أمين عام الجامعة العربية أحمد أبو الغيط على دور الجامعة في مساندة السودان ومناشدة الأطراف كافة على مساعدته في توفير القروض «التجسيرية» وعلى الوفاء بوعودهم له. وفي الجانب السياسي، شدد أبو الغيط على التزام الجامعة سلامة السودان ووحدة أراضيه والتضامن الكامل معه في كل ما يقوم به من أجل بسط سيطرته على أراضيه والحفاظ على حقوقه المائية والدعوة إلى اتفاق عادل وملزم بعيداً عن الإجراءات الأحادية ويجنب المنطقة ضرب الاستقرار.
أما على الصعيد المالي، فقد كان أول الغيث إعلان وزير الاقتصاد والمال برونو لومير منح السودان قرضاً قيمته 1.5 مليار دولار من أجل تسديد متأخراته من الديون لصندوق النقد الدولي. وتبلغ القيمة الإجمالية لديون السودان 60 مليار دولار. وتأتي خطوة باريس في سياق المبادرات الدولية إزاء السودان، حيث قدمت الولايات المتحدة من جهة وبريطانيا والسويد وآيرلندا من جهة أخرى قروضاً للسودان لدفع متأخراته للبنك الدولي ولبنك التنمية الأفريقي.
وفي المؤتمر الصحافي الختامي الذي شارك فيه ماكرون والبرهان وحمدوك كشف عن نتائج القمة التي أعلنت الخرطوم أملها بأن تشطب 70 في المائة من ديونها.



«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
TT

«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

تدخل العلاقات العسكرية المصرية الصينية مرحلة جديدة من التعاون، مع انطلاق فعاليات التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026»، وسط توترات تشهدها المنطقة.

وتلك المناورة الثانية من نوعها خلال عامين بين مصر والصين، وتعد بمثابة دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين البلدين، وفق ما يرى خبير عسكري واستراتيجي مصري، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، معتقداً أنها قد تمتد إلى تعاون عسكري أوسع لاحقاً في إطار تنويع مصر مصادر التصنيع العسكري.

ومساء السبت، أعلن الجيش المصري، في بيان، انطلاق فعاليات التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، لافتاً إلى أن التدريبات تُنفذ على مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية داخل مصر، ضمن النسخة الثانية من المناورات بين البلدين.

فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

وتشمل المراحل الأولى من التدريب مجموعة من المحاضرات النظرية والعملية، بهدف توحيد المفاهيم القتالية بين الجانبين، إلى جانب تنفيذ طلعات جوية مشتركة والتدريب على أعمال التخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة.

وتستهدف التدريبات تبادل الخبرات وتطوير مهارات القوات المشاركة، ضمن خطة التدريبات المشتركة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية مع نظيراتها من الدول الشقيقة والصديقة، بهدف دعم وتعزيز علاقات التعاون في مختلف المجالات العسكرية، حسب البيان المصري.

وفي 14 أغسطس (آب) الحالي، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، تشن شي، في مؤتمر صحافي، إن تلك المناورات ستختتم أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل، لافتاً إلى أنها ثاني تدريب مشترك بين القوات الجوية في البلدين.

وحسب المتحدث الصيني، ستركز المناورات على تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ القتالية، فضلاً عن تدريبات على توظيف القوات، مؤكداً أن التدريب المشترك سيواصل تعزيز الثقة المتبادلة والصداقة التقليدية، ويعمق التعاون العملي بين الجيشين، ويسهم في تحقيق السلام والاستقرار على الصعيد الإقليمي.

وكانت النسخة الأولى في أبريل (نيسان) 2025، تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، وقد أجريت في إحدى القواعد الجوية المصرية بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة.

دفعة للعلاقات العسكرية

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التدريب يسهم بشكل مباشر في تعزيز العلاقات العسكرية بين البلدين، مؤكداً أن استمرار انعقاد نسخ «نسور الحضارة» يعكس نجاح التدريب الأول، خصوصاً أن وصول طائرات صينية إلى مصر لإجراء تدريب مشترك دليل على أن بكين تحقق استفادة كبيرة جداً من هذا التعاون.

وشدد فرج على ضرورة وضع هذا التعاون في إطاره الطبيعي، باعتباره ضمن سياق العلاقات العسكرية المصرية مع مختلف دول العالم، قائلاً: «يجب ألا نحمّل هذا التدريب أكثر من حجمه، فمصر معروفة بتنوع علاقاتها، وهي أكثر دولة في العالم تجري تدريبات مشتركة، حيث نستفيد نحن وتستفيد الدول الأخرى أيضاً».

تعاون يتسع

وسبق أن كان التعاون العسكري الصيني المصري مسار قلق إسرائيلي، وفي فبراير (شباط) 2025، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن مخاوف حادة لدى الأجهزة الأمنية في إسرائيل من حصول مصر على مقاتلات صينية من طراز J-10C مزودة بصواريخ جو- جو بعيدة المدى.

وقالت المصادر العبرية وقتها، إن ما يقلق إسرائيل ليس الطائرة المقاتلة الصينية، بل الصاروخ الصيني جو-جو بعيد المدى، وهو سلاح لم تمتلكه القوات الجوية المصرية من قبل، حيث ستسمح هذه الصواريخ للقوات الجوية المصرية بمحاولة ضرب الطائرات الإسرائيلية حتى دون أن تكون في مجال رؤيتها.

تلا ذلك حديث مجلة ناشونال إنترست الأميركية، في ديسمبر (كانون الأول)، عن أن مصر لجأت إلى الصين لصُنع أسطول متطوّر من الطائرات المسيّرة، في خطوة تهدف إلى مواجهة تصرفات إسرائيل العدوانية على حدودها الشرقية.

وحول ما يثار عن ارتباط هذه المناورات بصفقات تسليح معينة، أشار فرج إلى أن الحديث عن شراء طائرات من طراز جي 10 أو غيرها أمر يقع خارج نطاق المناورة الحالية، مؤكداً أن «المناورة ليست لها علاقة بهذا الأمر».

ولفت إلى أن العلاقات العسكرية المصرية الصينية تتجه نحو مزيد من الشراكة الأكبر، لا سيما في ظل التعاون القائم في مجال الطائرات المسيرة التي يتم تصنيعها محلياً في مصر، مؤكداً أن هناك مزيداً من التعاون العسكري في مجال التدريب المشترك، وفي مجال التصنيع الحربي المشترك.

وعلاقات مصر والصين لها تاريخ قديم، وفي مايو (أيار) الماضي، احتفلت مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو 1956، حين بادرت مصر إلى أن تكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين.

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ، في بكين، في مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية – الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».


«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
TT

«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)

وسط مساعٍ حثيثة لنزع اعتراف دولي، مبني على اعتراف إسرائيلي «مستهجن إقليمياً»، يواجه إقليم «أرض الصومال» الانفصالي «انشقاقات» عسكرية متصاعدة باتت تهدد استقرار قواته، لصالح الجيش الفيدرالي الصومالي.

وقال العقيد علي أحمد إسماعيل، المعروف بـ«أشكاتو»، والمنشق مؤخراً، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات الإقليم الانفصالي «لم يعد لديها أي تمثيل عسكري محلي من أبناء مناطق سول وسناغ وتوغدير»، المتنازع عليها مع ولاية «الشمال الشرقي».

العقيد أشكاتو مع جنوده (مقطع من فيديو يتحدث فيه إلى قواته)

وتشكلت «ولاية شمال شرقي الصومال»، قبل نحو عام فقط، وتطالب ببعض المناطق الشرقية من «أرض الصومال».

ووفق أشكاتو، فإن «الوحدة العسكرية التي كان يقودها كانت آخر قوة من أبناء تلك المناطق داخل قوات الإقليم قبل انتقالها إلى صفوف الجيش الفيدرالي الصومالي».

وأوضح أشكاتو أن «الانشقاق لم يكن مجرد انتقال محدود لعدد من الجنود، بل جاء نتيجة اختيارهم الوقوف إلى جانب سكان مناطقهم وعائلاتهم»، مضيفاً: «كنا آخر فصيل متبقياً لدى أرض الصومال من محافظات المنطقة الشمالية الشرقية... واخترنا أن نوحد صفوفنا مع عائلاتنا وأهلنا في منطقتنا، وننضم إلى الشمال الشرقي».

من رأى ليس كمن سمع!

وفي ردّه على تقارير قلّلت من حجم القوات المنشقة، قال إن «أهمية الخطوة لا تقاس بعدد الأفراد المنشقين». وأضاف قائلاً: «ليس الخبر كالمعاينة، ومن رأى ليس كمن سمع!».

وكشف النقاب عن أن أفراد وحدته أنهوا إجراءات التسجيل والدمج ضمن قوات الجيش الصومالي، قائلاً إنهم «سُجلوا في تعداد الجيش، ومررنا جميعاً للتنظيم، وانضممنا إلى الجيش الفيدرالي كوحدة نظامية»، لافتاً إلى أن «الجزء المتبقي سيجري تسجيله لاحقاً».

وأضاف: «لم يتبقَ في أرض الصومال أي تمثيل عسكري أو وجود عسكري لمناطقنا، كنت آخر وحدة موجودة معهم، واخترت الشمال الشرقي».

وميّز بين وجود قوات «أرض الصومال» في مناطقها التقليدية وبين قدرتها على تمثيل أو السيطرة على المناطق التي ينتمي إليها.

امتداد المجتمعات المحلية

وتعود جذور التوتر في محافظات سول وسناغ وأجزاء من توغدير (منطقة عَين)، حيث يدعى «إقليم أرض الصومال» سيطرته على هذه المناطق، ضمن حدود محمية الصومال البريطانية السابقة التي أعلنت استقلالها عام 1991. أما ولاية شمال شرقي الصومال، التي تطورت محلياً واعترفت بها الحكومة الفيدرالية العام الماضي، فتراها امتداداً لمجتمعاتها المحلية، خاصة عشيرة الدولباهانتي.

وبعد قتال عنيف عام 2023، انسحبت قوات الإقليم من لاسعانود ومناطق واسعة من سول، وبقيت خطوط التماس متوترة في سناغ ومحيط بوهودلي، حيث شهدت المنطقة منذ ذلك الحين انشقاقات متبادلة على المستويين السياسي والعسكري.

ونفى أشكاتو أي علاقة مباشرة بين قرار انشقاقه والتطبيع مع إسرائيل، موضحاً: «ليست هناك علاقة مباشرة بين قراري والتطبيع مع إسرائيل». وأضاف: «لكن لن يكون هناك تطبيع في شمال شرقي الصومال مع أي جهة لا نريدها».

إسرائيل... وزيارة واشنطن

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت إسرائيل اعترافها باستقلال الإقليم، لتصبح بذلك أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة، حيث تم تبادل السفراء وفتح سفارة لأرض الصومال في القدس، وزيارة رسمية لرئيس الإقليم إلى إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم أن الاعتراف الإسرائيلي شكّل اختراقاً دبلوماسياً مهماً للإقليم، فإنه لم يسفر حتى الآن عن موجة اعترافات دولية.

وبحسب تقارير محلية، فإنه من المزمع أن يتوجه رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، إلى العاصمة الأميركية واشنطن الشهر المقبل، ضمن وفد كبير يهدف إلى تعزيز فرص الاعتراف الأميركي بالإقليم.

وحاول العقيد أشكاتو تقديم انشقاقه باعتباره قراراً سياسياً واجتماعياً مرتبطاً بالانتماء إلى سكان المنطقة، قائلاً إن «أبناء مناطق سول وسناغ اختاروا بناء كيانهم السياسي الخاص»، داعياً أي شخصيات أو أفراد ما زالوا يتلقون رواتب من هياكل تابعة لأرض الصومال إلى الانضمام إلى ولاية شمال شرقي الصومال.

وبينما رحّبت ولاية شمال شرقي الصومال بالخطوة، لم يصدر عن سلطات أرض الصومال أي موقف رسمي حتى الآن. وبحسب رواية أشكاتو، فإن «الانشقاق قد يمثل أكثر من مجرد خسارة عسكرية محدودة، وقد يكون مؤشراً على مشكلة أعمق تواجه أرض الصومال في الشرق، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها في مناطق متنازع عليها من دون قاعدة محلية عسكرية وسياسية تستطيع الاعتماد عليها».


للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
TT

للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)

دخلت أحدث موجة من التصعيد الحوثي العسكري أسبوعها الرابع، مع اتساع نطاق العمليات على امتداد خطوط التماس، بالتزامن مع استهداف مناطق سكنية ومواقع للنازحين، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية ردها على هجمات الجماعة المدعومة من إيران، ونفذت، وفق ما أعلنت، أكثر من 400 عملية خلال موجة التصعيد الحالية، شملت استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية واستهداف مواقع وتحركات وتعزيزات حوثية، إلى جانب إحباط محاولات التسلل.

وشهدت التطورات الميدانية خلال الساعات الـ24 الأخيرة نمطاً أقل نشاطاً؛ إذ اقتصر الأمر على تبادل القصف وعمليات الرصد والاستهداف على أكثر من جبهة؛ من مأرب والجوف شرقاً، إلى الحديدة وباب المندب والساحل الغربي، وسط مؤشرات على استمرار الجماعة في تهديدها العسكري ورفع مستوى المخاطر على المدنيين والممرات البحرية.

وفي شمال غربي وجنوب مأرب، استهدفت مدفعية القوات المسلحة اليمنية مواقع وثكنات تابعة للحوثيين، في إطار الرد على تحركات الجماعة وتصعيدها على خطوط التماس. وفي جبهة البرح بالساحل الغربي، أعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل نفذتها عناصر حوثية، في وقت تواصل فيه الجماعة تحريك عناصرها ووسائلها القتالية في المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

مدفعية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي تقصف مواقع للحوثيين (إعلام عسكري)

وفي شرق الجوف اليمنية، استهدفت الجماعة بصاروخ باليستي محيط مناطق تضم مخيمات للنازحين والبدو الرحل؛ مما يضيف تهديداً جديداً على السكان المدنيين الذين يعيشون أصلاً في ظروف هشة. وفق ما نقله الإعلام العسكري.

وبالتوازي مع العمليات البرية، كثفت القوات الحكومية عمليات الرصد والاستطلاع والاستهداف، ونشرت مشاهد قالت إنها توثق ملاحقة قيادات حوثيين وتحركاتهم، إلى جانب استهداف تعزيزات ومواقع وتحصينات تابعة للجماعة في عدد من الجبهات.

تعقب القيادات

أظهرت المشاهد التي بثتها القوات المسلحة اليمنية عمليات تعقب بواسطة طائرات مسيّرة لقيادات حوثيين، قالت إنها تمكنت من استهدافهم، إضافة إلى عمليات استهداف لعربات عسكرية وتحركات وتعزيزات، في نمط يعكس توسع الاعتماد على الطائرات المسيّرة في مراقبة ساحة المعركة وتحديد الأهداف، على نحو بات أوسع حضوراً في هذه الموجة من التصعيد.

كما بث الإعلام العسكري اليمني مشاهد لعمليات استهداف تحصينات ومواقع وآليات عسكرية تابعة للحوثيين، في إطار ما تصفه القوات الحكومية بأنه رد متواصل على التصعيد الذي بدأ قبل نحو 20 يوماً، ولم يعد مقتصراً على جبهة واحدة.

جانب من استعراض القوات المسلحة اليمنية طيرانها المسيّر (إكس)

وتقول القوات الحكومية إن حصيلة عملياتها خلال هذه الفترة تجاوزت 400 عملية في عموم مناطق التماس، مستخدمة الطائرات المسيّرة والمدفعية ووسائل الاستطلاع، بالتوازي مع التصدي لمحاولات التسلل والهجمات الحوثية على مواقعها.

ويبرز الساحل الغربي اليمني بوصفه أحد أكبر مسارح التصعيد تأثراً، خصوصاً مع استمرار القصف الحوثي على المناطق السكنية وتحركات الجماعة البحرية في محيط باب المندب.

في الأثناء، أعلنت قوات المقاومة الوطنية الحكومية العثور على لغم بحري تابع للحوثيين في باب المندب، بالتزامن مع تدمير زورق مفخخ، في تطور يسلط الضوء مجدداً على المخاطر التي تمثلها الأنشطة الحوثية في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وعلى اليابسة، قالت مصادر محلية إن مدنيين اثنين أصيبا بشظايا قذائف «هاون» أطلقتها الجماعة على منطقة الحيمة الساحلية في مديرية التحيتا جنوب الحديدة، في أحدث مثال على امتداد القصف إلى المناطق المأهولة بالسكان.

أثر أوسع

في ظل هذه التطورات الميدانية كان الأثر الأوسع للتصعيد يظهر في موجات النزوح المتواصلة من القرى الواقعة قرب خطوط التماس، خصوصاً في الساحل الغربي.

ففي منطقة دُباس شمال مديرية حيس (جنوب الحديدة)، أجبرت الهجمات الحوثية أكثر من 100 أسرة على مغادرة منازلها، بعد تصاعد القصف المدفعي والصاروخي واستهداف المناطق السكنية، بالتزامن مع زراعة الألغام والعبوات في محيط القرى.

يمني داخل مستشفى يحمل طفلة مصابة في هجوم حوثي (أ.ف.ب)

وقال مسؤول الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في حيس، إبراهيم ناصر مشهور، إن التصعيد الحوثي المتواصل شمال المديرية تسبب في نزوح 104 أسر منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي، داعياً الحكومة والمنظمات المحلية والدولية إلى الإسراع في توفير المأوى والغذاء والدواء، خصوصاً للأطفال.

واضطرت الأسر النازحة، وفق المصادر المحلية، إلى الاحتماء في مناطق جبلية وعرة وتحت الصخور الكبيرة، بعد أن فقدت منازلها ومصادر رزقها؛ في حين تسبب القصف في نفوق عدد من المواشي التي تعتمد عليها الأسر في معيشتها.

ولا تقف تداعيات التصعيد عند حدود دُباس، إذ تحدث مسؤولون محليون عن وصول عشرات الأسر يومياً إلى حيس من مناطق في مديريتي الجراحي وجبل راس، بعد تعرضها لضغوط أمنية وعسكرية دفعتها إلى مغادرة منازلها.

وقال نائب مدير «مكتب حقوق الإنسان» في محافظة الحديدة، غالب القديمي، إن الحوثيين يمارسون تهجيراً قسرياً بحق سكان قرى جنوب الجراحي وجبل راس، ويجبرون السكان تحت تهديد السلاح على مغادرة منازلهم، التي يحولونها لاحقاً، وفق إفادته، مواقعَ وثكناتٍ عسكرية.