«سويس ليكس».. تهز ضمير العالم المالي

الفرع السويسري هز الجذع الدولي لبنك «إتش إس بي سي»

«سويس ليكس».. تهز ضمير العالم المالي
TT

«سويس ليكس».. تهز ضمير العالم المالي

«سويس ليكس».. تهز ضمير العالم المالي

بدأت فضيحة ما يعرف بـ«سويس ليكس»، التي تورط فيها مصرف «إتش إس بي سي» البريطاني العملاق، كنار وسط هشيم، سرعان ما اتسع خطرها، واضعة سمعة هذه المؤسسة المالية وفروعها في أنحاء العالم على المحك.
بدأت فصول هذه الفضيحة، التي أثارت عاصفة سياسية قبل الانتخابات العامة في مايو (أيار) المقبل، بادعاءات بوجود تورط في عمليات تهرب ضريبي وغسل أموال، ما زالت تحقيقاتها مستمرة. التحقيقات الجديدة جاءت رغم تأكيدات البنك بأنه قام بتنظيف الممارسات الخاطئة في الفرع السويسري، خصوصا في ما يتعلق بالتهرب الضريبي، منذ ظهور أول تسريبات شبيهة في عام 2008.

الأسبوع الماضي قامت السلطات السويسرية بغارة على الفرع السويسري في جنيف لفحص مزيد من مستندات البنك، ووثائقه، بعد أن تعالت الأصوات وتصاعدت موجة التسريبات لتشمل فروعا في عدد من بلدان العالم. ويواجه البنك حاليا تحقيقات في البرازيل والمكسيك والأرجنتين وفرنسا وبلجيكا والدنمارك، وهي تحقيقات تتعلق بحسابات سرية بعضها يخص قضايا فساد واختلاس وغسل أموال.
لم تتوقف الأمور عند حد.. وتصاعدت التطورات أخيرا بعد كشف مزيد من الوثائق السرية تؤكد إحداها أن المدير العام للمصرف، ستيوارت غاليفر، الذي تعهد بإصلاح هذه المؤسسة المالية التي طالتها الفضيحة، كان هو نفسه يملك ملايين الدولارات في حساب في سويسرا.
وبحسب الصحف البريطانية، فإن المدير العام للمصرف كان من عملاء فرعه السويسري المتهم بمساعدة زبائن أثرياء على التهرب من دفع الضرائب. وأفادت الصحف أن ستيوارت غاليفر كان يملك نحو 7.6 مليون دولار عام 2007 في حساب باسم «ورستير إيكويتيز»، وهي شركة مسجلة في بنما.
وكانت الصحف البريطانية نشرت قبل أيام رسالة اعتذار من غاليفر على أنشطة فرع «إتش إس بي سي» السويسري. وأكد غاليفر في رسالته أنه تمت «إعادة هيكلة كاملة» للفرع السويسري للمصرف بعد2007 بعدما سرب مهندس معلوماتي فرنسي يدعى ارفيه فالشياني قوائم بعملاء المصرف الذين يملكون حسابات في سويسرا وسلمها إلى السلطات الفرنسية.

* جذور القضية
تعود جذور قضية بنك «إتش إس بي سي» إلى ما قبل 7 سنوات، ولكنها انفجرت مرة أخرى قبل أيام عندما حصلت عدة وسائل إعلام من فرنسا وبريطانيا وحول العالم على وثائق سرية قررت معها نشر تفاصيل جديدة حول نشاط البنك في مساعدة عملائه على التهرب من دفع الضرائب وعلى غسل الأموال. وتأتي التفاصيل الجديدة في وقت حرج قبل الانتخابات البريطانية في شهر مايو المقبل حيث تستغلها الأحزاب البريطانية سياسيا.
وفي بريطانيا، يبحث الإعلام في سر تعيين رئيس البنك السابق ستيفن غرين وزيرا للتجارة، وعما إذا كان رئيس الوزراء الحالي ديفيد كاميرون يعلم بفضيحة البنك في وقت التعيين عام 2010.
وقائع قضية بنك «إتش إس بي سي» بدأت عام 2008 حينما قام محلل برامج اسمه ايرفي فالشياني كان يعمل في الفرع السويسري للبنك بسرقة بيانات سرية لأكثر من 30 ألف عميل للبنك يملكون في حساباتهم أكثر من مائة مليار دولار. وتعود هذه الحسابات إلى الفترة ما بين 2005 و2007، وذلك في أكبر عملية تسريب مصرفية في العالم تشبه عملية «ويكيليكس» لتسريب المعلومات الدبلوماسية الأميركية.
هرب فالشياني بالوثائق الإلكترونية إلى فرنسا. وفي فرنسا سلم فالشياني المعلومات للسلطات الفرنسية مقابل حمايته من طلب الاعتقال السويسري.
وفي عام 2009، بعثت وزيرة المالية الفرنسية آنذاك كريستيان لاغارد لائحة بعملاء البنك المذكورين في قوائم حسابات البنك إلى السلطات البريطانية وإلى حكومات عدد من الدول الأخرى.
ورغم علم السلطات البريطانية بفضيحة البنك، فإنها قامت بتعيين ستيفن غرين رئيس بنك «إتش إس بي سي» خلال فترة المخالفات وزيرا للتجارة، ثم رفعته إلى مجلس اللوردات في عام 2011.
القضية التي عادت إلى الظهور مرة أخرى متعددة الجوانب وتمس مجالات الضوابط المالية على البنوك خصوصا في مناطق الـ«أوفشور»، وأيضا الجوانب السياسية والإعلامية في الدول المتأثرة بالفضيحة، وما إذا كانت هناك جهود تبذل تحت الستار لإخفاء التحقيقات.
«الشرق الأوسط» اتصلت بهيئة الإشراف المصرفي (FCA) لمعرفة ما إذا كانت تقوم في الوقت الحاضر بتحقيقات حول وضع «إتش إس بي سي»، فكان رد المكتب الصحافي فيها أن «الهيئة تبحث في ممارسات البنك، ولكنها لا تقوم بتحقيق في الوقت الحاضر». وأضافت المتحدثة أن التسريبات في الفرع السويسري «أظهرت أهمية أن تعمل البنوك وفق الضوابط نفسها في كل المواقع والفروع». وأكدت الهيئة أنها تتعاون مع «بنك إنجلترا» ومع مصلحة الضرائب «من أجل معالجة أي قضايا إشرافية تظهر جراء الممارسات الحالية في «إتش إس بي سي».
وقال رئيس الهيئة مارتن ويتلي أمام هيئة برلمانية بريطانية إن الادعاءات ضد البنك تعود إلى أحداث وحسابات في الفترة ما بين 2005 و2007 وتخص الفرع السويسري وحده، وأضاف أن الهيئة تتابع ممارسات البنك جيدا وتعتقد أنها تحسنت بدرجة ملحوظة.
من ناحية أخرى، رفض «بنك إنجلترا» التعليق على القضية أو تأكيد ما إذا كان الجهاز الرقابي في البنك يقوم بمراجعة ممارسات بنك «إتش إس بي سي». كذلك رفضت مصلحة الضرائب البريطانية الإجابة عن أسئلة حول مجرى التحقيقات حاليا في حالات العملاء البريطانيين للبنك من المخالفين لقوانين الضرائب. وقال متحدث من المصلحة إنها لا تعلق على قضايا خاصة بأفراد أو بشركات فردية مثل «إتش إس بي سي».

* تداعيات إعلامية وسياسية
من أهم تداعيات القضية إعلاميا كانت استقالة كبير المحررين السياسيين في صحيفة «تلغراف» البريطانية بيتر أوزبورن، في نزاع مع ناشر الصحيفة حول محاولات منع نشر مقالات سلبية عن بنك «إتش إس بي سي» خوفا من منع إعلانات البنك عن الصحيفة. وطالب أوزبورن بالتحقيق في مدى تحكم أقسام الإعلان في السياسة التحريرية للصحف، وقال إن تغطية الصحيفة لموضوع بنك «إتش إس بي سي» هي فضيحة في حد ذاتها وغش للقراء. وكشفت صحيفة الـ«غارديان» البريطانية أن الأخوين باركليز حصلا على قرض قيمته 250 مليون إسترليني (375 مليون دولار) من بنك «إتش إس بي سي» لشركات أخرى غير الصحيفة مما يثير الشكوك في ادعاءات المحرر أوزبورن الذي استقال.
ويستغل حزب العمال المعارض هذه القضية سياسيا في إبراز تعيين رئيس «إتش إس بي سي» السابق ستيفن غرين وزيرا للتجارة في عام 2010، وأيضا لأن التحقيقات البريطانية لم تسفر إلا عن قضية تهرب ضريبي واحدة. ويلعب الحزب على أوتار الاعتقاد السائد بأن الفقراء فقط هم الذين يعاقبون على التهرب الضريبي في بريطانيا. وقدم الحزب استجوابا لوزير الخزانة جورج أوزبورن عن مدى معرفة وزارته بتوجه مصلحة الضرائب لعدم محاكمة مخالفي قوانين الضرائب وعما إذا كانت الوزارة سمحت بذلك.
أما حزب المحافظين فيرفض إجراء تحقيق علني، ويقول المتحدث باسم رئيس الوزراء إن مصلحة الضرائب البريطانية تصرفت بعقلانية عندما فضلت تحصيل الضرائب والغرامات بدلا من رفع قضايا جنائية.
من ناحيتها، تقول وزارة الخزانة التي تلقت المعلومات من فرنسا إن السلطات الفرنسية وضعت بعض القيود على استخدام المعلومات وهي قيود لم ترفع إلا أخيرا.

* جوهر القضية
جوهر الفضيحة كما عرف من الحسابات السويسرية للبنك هو أن بعض العملاء المذكورين يملكون حسابات سرية لا تعرف عنها مصلحة الضرائب البريطانية شيئا، وأن البنك ساعد هؤلاء العملاء على التهرب الضريبي مع معرفته بذلك، بل وسهل لبعض العملاء استخدام أموالهم بطرق غير مشروعة للتهرب الضريبي.
في إحدى الحالات طلب أحد العملاء البريطانيين من الفرع السويسري إرسال شحنة مالية نقدية سرية إليه في لندن مع موظف من البنك، فطلب منه البنك التوجه إلى فرع لندني لتلقي المبلغ المطلوب نقدا.
في حالة أخرى صرف البنك السويسري مبلغ 2.5 مليون إسترليني (3.75 مليون دولار) نقدا لعميل ذهب لسويسرا لتسلم المبلغ في حقيبة.
عميل ثالث في بريطانيا طلب وسيلة للوصول السهل إلى حسابه السري، فصرف له البنك بطاقة ائتمان يمكن بها صرف أي مبالغ نقدية فورية من أجهزة الصرف الآلي حول العالم.
وبعد كشف هذه المعلومات منذ عام 2009 في بريطانيا حول حسابات سرية لأكثر من 5 آلاف عميل بريطاني، لم تسفر التحقيقات إلا عن توجيه الاتهام لشخص واحد بالتهرب الضريبي، بينما تم تحصيل مبلغ 135 مليون إسترليني (202 مليون دولار) من بقية عملاء البنك المتهربين من الضرائب، وهو مبلغ أقل مما حصلته دول أخرى لديها عدد أقل من العملاء في بنك «إتش إس بي سي». فالتسريبات أدت إلى تحقيقات جنائية وعمليات اعتقال في كل من فرنسا وبلجيكا والأرجنتين.
وتدل عملية الاقتحام والتفتيش من السلطات السويسرية لفرع البنك في جنيف أخيرا على أن سويسرا تعتبر التهرب الضريبي جريمة أكبر من السرقة التي أدت إلى الكشف عن هذا التهرب، فقد كانت في السابق تلاحق سارق المعلومات فالشياني وحده، أما الآن فهي تلاحق البنك والسارق معا، وتقول إنها قد تحاكم فالشياني غيابيا.
البنك نفسه يقول إنه يتعاون مع السلطات السويسرية منذ علمه بسرقة معلومات الحسابات في عام 2008. ويشير البنك إلى أن القضية قديمة وأن ما يثار حولها الآن يجري لأغراض أخرى. وأكد بيان من البنك أنه منذ عام 2008 قام البنك بتغيير شامل لتعزيز المراقبة ومعرفة هوية المودعين، مما أدى إلى خفض عدد المودعين في البنك السويسري بنسبة 70 في المائة منذ عام 2007.
وفي الأسبوع الماضي نشر البنك إعلانات على صفحات كاملة في الصحف البريطانية يعتذر فيها عن ممارسات الفرع السويسري، ويشير إلى أن المخالفات وقعت قبل 8 سنوات وأن مناخ وضوابط العمل في البنك قد تغيرت منذ ذلك الحين.
ويقول المتحدث الإعلامي في الفرع الرئيسي للبنك إن عدد الموظفين المشرفين على الالتزام الضريبي زاد 4 أضعاف إلى 6 آلاف موظف. وفي عام 2012 وقع البنك اتفاقية مع السلطات الأميركية للالتزام بقواعد منع غسل الأموال، وذلك بعد دفع أكبر غرامة في تاريخ المصارف الحديث، قدرها 1.9 مليار دولار لمخالفته قوانين الحظر على إيران وشبهة غسل أموال لشبكات مخدرات مكسيكية.

* سر عودة قضية «إتش إس بي سي» إلى واجهة الأحداث.. وحقائق أخرى
* رغم أن قضية «إتش إس بي سي» تعود إلى عام 2008 وتتعلق بحسابات مصرفية بين عامي 2005 و2007، فإنها انفجرت إعلاميا في عام 2015، لسبب بسيط؛ وهو أن بعض وسائل الإعلام حصلت على التسريبات المصرفية وقررت نشر الوقائع. من هذه الوسائل كل من صحيفة «لوموند» الفرنسية التي كانت المصدر الأصلي قبل توزيعها معلومات الحسابات السرية على كل من «بي بي سي» والـ«غارديان» البريطانية ونحو 50 صحيفة أخرى حول العالم.
* هناك فارق قانوني مهم في قضايا الضرائب، حيث تساهم معظم البنوك الخاصة في مساعدة عملائها على كيفية تجنب دفع الضرائب، وهو نشاط يسمى (Tax Avoidance) ويعتبر قانونيا تماما رغم أن بعض البنوك تذهب إلى أبعاد خيالية لتجنب الضرائب. أما إخفاء الأموال أو تهريبها من أجل التهرب الضريبي (Tax Evasion) فهو أمر مخالف للقانون وتعاقب عليه بعض الدول بالسجن وبعضها بالغرامة.
* ما لم تذكره التقارير حول تسريب الحسابات السويسرية لبنك «إتش إس بي سي» هو أن معظم العملاء على اللائحة يتمتعون بوضع قانوني سليم؛ حيث اتضح من الأرقام أن المخالفين لقوانين الضرائب كانوا أقل من عميل واحد من كل 7 عملاء على اللائحة البريطانية. وتفتح الحسابات المصرفية السويسرية لكثير من الأسباب وليس فقط للتهرب الضريبي. وصرح مصرفي بريطاني أنه فتح حسابا سويسريا بمبلغ 10 ملايين دولار من أجل إخفاء حجم عمولته عن زملائه.
* تكتسب عملية الإشراف المصرفي أهمية إضافية في الوقت الحاضر مع جهود ضبط ومنع مصادر تمويل الإرهاب. ومن المتوقع أن تعزز السلطات السويسرية من التزام البنوك السويسرية بقواعد منع غسل الأموال والتهرب الضريبي ومعرفة هوية أصحاب الحسابات المصرفية.

* وسائل «إتش إس بي سي» الست للتهرب الضريبي
* استخدم بنك «إتش إس بي سي» 6 وسائل من أجل تحقيق أهداف تجنب دفع ضرائب أو التهرب منها، لعملائه: وهي تشمل إحدى أو بعض الخطوات التالية:
- الحصول على الإقامة السويسرية عن طريق الإقامة في البلد لعدة أشهر كل عام ودفع معدلات الضريبة المنخفضة فيها. ولكن هذا الأسلوب يخص كبار الأثرياء فقط، وهو قانوني تماما.
- استخدام حق «غير المقيم» في الدول التي يعمل فيها عميل البنك. وفي بريطانيا، يحق للمواطن الذي يقيم في الخارج لفترات معينة من العام أن يتجنب دفع ضرائب على كل استثماراته وممتلكاته خارج بريطانيا.
- تأسيس صناديق «أوفشور»، وهو أيضا من الممارسات القانونية، ولكن تغييرات في قوانين الضرائب شملت هذه الصناديق ضمن الأصول غير المعفاة ضريبيا أدت إلى خفض شعبيته حاليا.
- أسلوب آخر هو تحويل الحسابات الشخصية إلى حسابات شركات لتجنب الالتزام بدفع ضرائب وفق اتفاقية وقعتها السلطات السويسرية مع الاتحاد الأوروبي في عام 2005.
- الأسلوب السهل وإن كان غير قانوني هو فتح حساب مصرفي سويسري سري وعدم إبلاغ السلطات الضريبية به.
- الوسيلة الأخيرة هي سحب الأموال نقديا وشحنها مع المسافر من الخارج إلى موقع إقامته. وإذا زادت هذه الأموال عن حدود معينة ولم يتم الإفصاح عنها فهي تصبح أيضا وسيلة غير قانونية.



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».