مشاريع وتجارب سورية حولت النفايات ومخلفات البيئة لأعمال فنية

الحرب والأحداث أوقفت الكثير منها

عمل من مخلفات البيئة من تنفيذ فريق {إيقاعات لونية}
عمل من مخلفات البيئة من تنفيذ فريق {إيقاعات لونية}
TT

مشاريع وتجارب سورية حولت النفايات ومخلفات البيئة لأعمال فنية

عمل من مخلفات البيئة من تنفيذ فريق {إيقاعات لونية}
عمل من مخلفات البيئة من تنفيذ فريق {إيقاعات لونية}

العابر من أوتوستراد المزة الدمشقي الشهير لا بد أن تدهشه عندما يتوقف للحظات في منتصف الأوتوستراد تلك اللوحة الضخمة التي تزين سور إحدى مدارس الشارع، فثمة أمور مختلفة هنا ستزيد من دهشته، وهي أن هذه اللوحة عبارة عن مخلفات بيئية حولها فنانون سوريون قبل أشهر إلى عمل فني يضم مختلف مدارس وأساليب الفنون التشكيلية. وسيعلم المتفرج بعد حين أن هذه اللوحة سجلت بموسوعة الأرقام القياسية (غينيس) كأكبر عمل فني منفذ من مخلفات البيئة.
بالتأكيد ليست هي التجربة الأولى في تحويل المخلفات البيئية إلى أعمال فنية ولكنها الأكبر بين تجارب سورية كثيرة في هذا المجال نظمت لها معارض في مراكز وصالات عرض فنية ومنها أعمال لمدرسي وفناني مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية في دمشق، حيث تمكنوا من تحويل التنك إلى أعمال فنية وأطلقوا عليه عالم من تنك فمن علب الكولا المرمية في حاويات القمامة وفي الأزقة ومن تلك التي كانت تحتوي المواد الغذائية المعلبة (الكونسروة) وحتى من بواري المدافئ التنكية الصدئة، أنتجوا مجسمات ومنحوتات جميلة وطريفة كراقصة الباليه والحشرات ووجوه بشرية وغير ذلك.
ثمة تجربة أو لنقل مشروع فني انطلق في عام 2010 أطلق عليه (نشر الوعي عبر الفن الحديث) بالتعاون ما بين محافظة دمشق وبرنامج التعاون التقني السوري الألماني للتنمية المعمارية المستدامة، ومشروع إعادة تأهيل مدينة دمشق القديمة وبرنامج التعاون التقني الألماني: AgenZ والجمعية البيئية السورية ومجموعة Bär+Knell الفنية الألمانية، وكانت البداية من خلال تحويل الأكياس البلاستيكية المضرة بالبيئة إلى أعمال فنية والهدف من المشروع، حسب الجهة المنظمة له، كان إيجاد طريقة لاختبار كيف يمكن استخدام الفن في رفع مستوى الوعي مثال: التلوث البيئي الذي تسببه الأكياس البلاستيكية الملقاة دون أي اهتمام بالمناظر الطبيعية. وتم التخطيط لهذا الحدث الذي قدمت فيه الأكياس البلاستيكية كمواد قيمة للفن المعاصر ولكن الأحداث والحرب السورية أوقفت المشروع الفني إلى أجل غير مسمى بعد أول عرض يتيم له.
فتلك الأعمال والتجارب والمشاريع الفنية دخلت مستودعات المراكز والصالات الفنية بعد عرضها ولكن ظل العمل الأضخم والأهم في حي المزة قائما يشاهده الناس كل يوم، وقد يستمر على حاله مئات السنوات دون أن تؤثر عليه العوامل الجوية، هذا العمل الذي نفذه تجمع لفنانين سوريين أطلقوا على فريقهم اسم (إيقاعات لونية). يوضح رئيس الفريق الفنان التشكيلي موفق مخول لـ«الشرق الأوسط»: «انطلقت الفكرة منذ أوائل العام الماضي وأنجز في شهر أبريل (نيسان) حيث قررنا مع عدد من زملائي التشكيليين وهم (جوزيف عطري وناصر نبعة وعلي سليمان والشقيقتين رجاء وصفاء وبي وأنا مع 3 مساعدين) أن ننفذ عملا فنيا يتضمن جماليات بصرية وذلك بالاستفادة من بقايا ومخلفات البيئة وقررنا أن يكون عملا بيئيا بمواصفات جمالية وبمساحة كبيرة. وتواصلنا مع المسؤولين عن سجل غينيس لتسجيله في هذه الموسوعة العالمية وبالفعل تم التسجيل كأكبر عمل فني منفذ من مخلفات البيئة في العالم، حيث بلغت مساحته 720 مترا مربعا، مستخدمين آلاف القطع التي كان يجلبها لنا تلاميذ المدارس والناس وتم تنفيذ اللوحة الضخمة على سور مدرستي نهلة زيدان وبكري قدورة في منطقة المزة. وحول المواضيع والأسلوب الفني الذي استخدمه المشاركون في عملهم يشرح مخول: تنوعت مواضيع اللوحة مركزين فيها على ثقافة بصرية حديثة وجديدة بحيث نتمكن من تغيير رؤية الناس للفن فلم نعتمد موضوعات مقروءة ومدروسة وتقليدية، فالمتفرج بحاجة لأساليب فنية حديثة ولحوار بصري جديد كذلك استخدمنا السيراميك وشكلناه بأسلوب تجريدي وتعبيري وسوريالي مع زخارف عربية.
الفنان التشكيلي (ناصر نبعة) المشارك في تنفيذ اللوحة الضخمة قال لـ«الشرق الأوسط»: «انطلقنا كمجموعة في تنفيذ هذا العمل الفني الضخم وفي الهواء الطلق على جدار مدرستين بدمشق وقد شجعنا طلاب المدارس على جلب مواد أولية صلبة من بقايا منازلهم مثل صحون وفناجين زجاجية وسيراميك ومعادن ومواد حجرية وبالفعل تعاونوا معنا بشكل رائع حتى أن أسرهم كانوا يأتون بمواد تالفة من بيوتهم.. (تخيّل) كانوا يجلبون حتى زجاجات أدوية شراب السعال؟!.. لقد نجحنا في هذا العمل الضخم لسبب بسيط وهو أننا كنا نتقبل ملاحظات بعضنا البعض ونحن نعمل، فكل واحد منا هو عين للآخر في عمله. كما عملنا بروح الفريق الواحد بشكل متفان وكنا نتبادل ما يأتينا من مواد أولية فلا يحتفظ كل واحد منا بها لنفسه فقط بل نعمل بها جميعنا، ولذلك برأيي أن المحبة والتعاون بين فريق العمل هو السبب الرئيسي لنجاح اللوحة وتنفيذها ودخولها موسوعة غينيس. والمهم هنا أننا حولنا هذا الجدار المطل على شارع عام من جدار مصمت أصم إلى جدار ينطق بالجمال والحيوية وبشكل فني متقن. وقد استخدمنا مواد لاصقة مختلفة تتناسب مع كل نوع من المخلفات بحيث تدوم هذه اللوحة مئات السنين إذا لم يحصل زلزال!».
التشكيلية رجاء وبّي أوضحت من جهتها لـ«الشرق الأوسط» مشاركتها في تنفيذ اللوحة قائلة: «كان هدفنا من هذا العمل هو تحقيق مقولة أن الفن للجميع وليس للنخبة خاصة وأن أسلوب التجريد له مفهوم خاص لدى كل شخص من الرؤى والتصورات والأمور الفلسفية الجمالية البصرية وهذا ما جعلنا نستمر خاصة مع وجود روح التعاون ما بين الناس والطلاب والذين صاروا يجمعون أنفسهم بمجموعات عفوية ليجمعوا كل ما يجدونه من مخلفات في الشوارع وفي منازلهم بالتعاون مع أسرهم حتى نضعها لهم في هذه اللوحة. ومن الأمور التي لفتت انتباهي أن بعض الطلاب من الأسر المهجَّرة جاؤوا بمفاتيح منازلهم الموجودة في مناطق ساخنة، التي تهدمت بسبب الحرب والمعارك لنضعها لهم في اللوحة حتى تبقى ذكرى دائمة».
لم يوقف الفريق المذكور عمله عند هذه اللوحة الضخمة التي دخلت موسوعة غينيس فواصل الفنانون سيرهم في هذا الاتجاه والذي ينقل الفنون التشكيلية من برجها العاجي ومن الصالات المغلقة إلى الشوارع، حيث يعملون حاليا ومنذ شهرين على تجربة جديدة وهي إنجاز عمل ضخم آخر على سور مبنى التلفزيون السوري ومبنى وزارة التعليم في ساحة الأمويين الدمشقية ولكن هذه المرة بالألوان المائية وليس بمخلفات البيئة وعن هذا العمل يوضح موفق مخول لـ«الشرق الأوسط»: «اخترنا العمل بالألوان المائية والأكرليك لأن السور هنا بعيد نسبيا عن العابرين بعكس سور مدرستي المزة ولذلك اخترنا الألوان المائية القوية وذات البهرجة اللونية ليتمكن الناس من مشاهدة اللوحة الضخمة ولو من مسافات بعيدة وتبلغ مساحة اللوحة 800 متر مربع وتتضمن مواضيع متنوعة ومدارس مختلفة فهناك التعبيرية والسريالية والتجريدية وغيرها.
وهناك تجربة أخرى وبمبادرة شخصية يعمل بها الفنان التشكيلي السوري (إسماعيل توتونجي) وهي الرسم على جدران مدارس ومرافق ومنشآت وساحات دمشق تحت شعار (تلوين دمشق) والذي أطلقه بداية عام 2011 وما زال مستمرا به بمشاركة متطوعين من رسامين وطلاب موهوبين وقد بدأها من مدارس شارع بغداد وأحياء التجارة والعدوي والعباسيين وما زال مستمرا بها في حدائق دمشق وساحاتها العامة ومنها ساحة عرنوس وغيرها.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».