مشاريع وتجارب سورية حولت النفايات ومخلفات البيئة لأعمال فنية

مشاريع وتجارب سورية حولت النفايات ومخلفات البيئة لأعمال فنية

الحرب والأحداث أوقفت الكثير منها
الثلاثاء - 6 جمادى الأولى 1436 هـ - 24 فبراير 2015 مـ
عمل من مخلفات البيئة من تنفيذ فريق {إيقاعات لونية}

العابر من أوتوستراد المزة الدمشقي الشهير لا بد أن تدهشه عندما يتوقف للحظات في منتصف الأوتوستراد تلك اللوحة الضخمة التي تزين سور إحدى مدارس الشارع، فثمة أمور مختلفة هنا ستزيد من دهشته، وهي أن هذه اللوحة عبارة عن مخلفات بيئية حولها فنانون سوريون قبل أشهر إلى عمل فني يضم مختلف مدارس وأساليب الفنون التشكيلية. وسيعلم المتفرج بعد حين أن هذه اللوحة سجلت بموسوعة الأرقام القياسية (غينيس) كأكبر عمل فني منفذ من مخلفات البيئة.

بالتأكيد ليست هي التجربة الأولى في تحويل المخلفات البيئية إلى أعمال فنية ولكنها الأكبر بين تجارب سورية كثيرة في هذا المجال نظمت لها معارض في مراكز وصالات عرض فنية ومنها أعمال لمدرسي وفناني مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية في دمشق، حيث تمكنوا من تحويل التنك إلى أعمال فنية وأطلقوا عليه عالم من تنك فمن علب الكولا المرمية في حاويات القمامة وفي الأزقة ومن تلك التي كانت تحتوي المواد الغذائية المعلبة (الكونسروة) وحتى من بواري المدافئ التنكية الصدئة، أنتجوا مجسمات ومنحوتات جميلة وطريفة كراقصة الباليه والحشرات ووجوه بشرية وغير ذلك.

ثمة تجربة أو لنقل مشروع فني انطلق في عام 2010 أطلق عليه (نشر الوعي عبر الفن الحديث) بالتعاون ما بين محافظة دمشق وبرنامج التعاون التقني السوري الألماني للتنمية المعمارية المستدامة، ومشروع إعادة تأهيل مدينة دمشق القديمة وبرنامج التعاون التقني الألماني: AgenZ والجمعية البيئية السورية ومجموعة Bär+Knell الفنية الألمانية، وكانت البداية من خلال تحويل الأكياس البلاستيكية المضرة بالبيئة إلى أعمال فنية والهدف من المشروع، حسب الجهة المنظمة له، كان إيجاد طريقة لاختبار كيف يمكن استخدام الفن في رفع مستوى الوعي مثال: التلوث البيئي الذي تسببه الأكياس البلاستيكية الملقاة دون أي اهتمام بالمناظر الطبيعية. وتم التخطيط لهذا الحدث الذي قدمت فيه الأكياس البلاستيكية كمواد قيمة للفن المعاصر ولكن الأحداث والحرب السورية أوقفت المشروع الفني إلى أجل غير مسمى بعد أول عرض يتيم له.

فتلك الأعمال والتجارب والمشاريع الفنية دخلت مستودعات المراكز والصالات الفنية بعد عرضها ولكن ظل العمل الأضخم والأهم في حي المزة قائما يشاهده الناس كل يوم، وقد يستمر على حاله مئات السنوات دون أن تؤثر عليه العوامل الجوية، هذا العمل الذي نفذه تجمع لفنانين سوريين أطلقوا على فريقهم اسم (إيقاعات لونية). يوضح رئيس الفريق الفنان التشكيلي موفق مخول لـ«الشرق الأوسط»: «انطلقت الفكرة منذ أوائل العام الماضي وأنجز في شهر أبريل (نيسان) حيث قررنا مع عدد من زملائي التشكيليين وهم (جوزيف عطري وناصر نبعة وعلي سليمان والشقيقتين رجاء وصفاء وبي وأنا مع 3 مساعدين) أن ننفذ عملا فنيا يتضمن جماليات بصرية وذلك بالاستفادة من بقايا ومخلفات البيئة وقررنا أن يكون عملا بيئيا بمواصفات جمالية وبمساحة كبيرة. وتواصلنا مع المسؤولين عن سجل غينيس لتسجيله في هذه الموسوعة العالمية وبالفعل تم التسجيل كأكبر عمل فني منفذ من مخلفات البيئة في العالم، حيث بلغت مساحته 720 مترا مربعا، مستخدمين آلاف القطع التي كان يجلبها لنا تلاميذ المدارس والناس وتم تنفيذ اللوحة الضخمة على سور مدرستي نهلة زيدان وبكري قدورة في منطقة المزة. وحول المواضيع والأسلوب الفني الذي استخدمه المشاركون في عملهم يشرح مخول: تنوعت مواضيع اللوحة مركزين فيها على ثقافة بصرية حديثة وجديدة بحيث نتمكن من تغيير رؤية الناس للفن فلم نعتمد موضوعات مقروءة ومدروسة وتقليدية، فالمتفرج بحاجة لأساليب فنية حديثة ولحوار بصري جديد كذلك استخدمنا السيراميك وشكلناه بأسلوب تجريدي وتعبيري وسوريالي مع زخارف عربية.

الفنان التشكيلي (ناصر نبعة) المشارك في تنفيذ اللوحة الضخمة قال لـ«الشرق الأوسط»: «انطلقنا كمجموعة في تنفيذ هذا العمل الفني الضخم وفي الهواء الطلق على جدار مدرستين بدمشق وقد شجعنا طلاب المدارس على جلب مواد أولية صلبة من بقايا منازلهم مثل صحون وفناجين زجاجية وسيراميك ومعادن ومواد حجرية وبالفعل تعاونوا معنا بشكل رائع حتى أن أسرهم كانوا يأتون بمواد تالفة من بيوتهم.. (تخيّل) كانوا يجلبون حتى زجاجات أدوية شراب السعال؟!.. لقد نجحنا في هذا العمل الضخم لسبب بسيط وهو أننا كنا نتقبل ملاحظات بعضنا البعض ونحن نعمل، فكل واحد منا هو عين للآخر في عمله. كما عملنا بروح الفريق الواحد بشكل متفان وكنا نتبادل ما يأتينا من مواد أولية فلا يحتفظ كل واحد منا بها لنفسه فقط بل نعمل بها جميعنا، ولذلك برأيي أن المحبة والتعاون بين فريق العمل هو السبب الرئيسي لنجاح اللوحة وتنفيذها ودخولها موسوعة غينيس. والمهم هنا أننا حولنا هذا الجدار المطل على شارع عام من جدار مصمت أصم إلى جدار ينطق بالجمال والحيوية وبشكل فني متقن. وقد استخدمنا مواد لاصقة مختلفة تتناسب مع كل نوع من المخلفات بحيث تدوم هذه اللوحة مئات السنين إذا لم يحصل زلزال!».

التشكيلية رجاء وبّي أوضحت من جهتها لـ«الشرق الأوسط» مشاركتها في تنفيذ اللوحة قائلة: «كان هدفنا من هذا العمل هو تحقيق مقولة أن الفن للجميع وليس للنخبة خاصة وأن أسلوب التجريد له مفهوم خاص لدى كل شخص من الرؤى والتصورات والأمور الفلسفية الجمالية البصرية وهذا ما جعلنا نستمر خاصة مع وجود روح التعاون ما بين الناس والطلاب والذين صاروا يجمعون أنفسهم بمجموعات عفوية ليجمعوا كل ما يجدونه من مخلفات في الشوارع وفي منازلهم بالتعاون مع أسرهم حتى نضعها لهم في هذه اللوحة. ومن الأمور التي لفتت انتباهي أن بعض الطلاب من الأسر المهجَّرة جاؤوا بمفاتيح منازلهم الموجودة في مناطق ساخنة، التي تهدمت بسبب الحرب والمعارك لنضعها لهم في اللوحة حتى تبقى ذكرى دائمة».

لم يوقف الفريق المذكور عمله عند هذه اللوحة الضخمة التي دخلت موسوعة غينيس فواصل الفنانون سيرهم في هذا الاتجاه والذي ينقل الفنون التشكيلية من برجها العاجي ومن الصالات المغلقة إلى الشوارع، حيث يعملون حاليا ومنذ شهرين على تجربة جديدة وهي إنجاز عمل ضخم آخر على سور مبنى التلفزيون السوري ومبنى وزارة التعليم في ساحة الأمويين الدمشقية ولكن هذه المرة بالألوان المائية وليس بمخلفات البيئة وعن هذا العمل يوضح موفق مخول لـ«الشرق الأوسط»: «اخترنا العمل بالألوان المائية والأكرليك لأن السور هنا بعيد نسبيا عن العابرين بعكس سور مدرستي المزة ولذلك اخترنا الألوان المائية القوية وذات البهرجة اللونية ليتمكن الناس من مشاهدة اللوحة الضخمة ولو من مسافات بعيدة وتبلغ مساحة اللوحة 800 متر مربع وتتضمن مواضيع متنوعة ومدارس مختلفة فهناك التعبيرية والسريالية والتجريدية وغيرها.

وهناك تجربة أخرى وبمبادرة شخصية يعمل بها الفنان التشكيلي السوري (إسماعيل توتونجي) وهي الرسم على جدران مدارس ومرافق ومنشآت وساحات دمشق تحت شعار (تلوين دمشق) والذي أطلقه بداية عام 2011 وما زال مستمرا به بمشاركة متطوعين من رسامين وطلاب موهوبين وقد بدأها من مدارس شارع بغداد وأحياء التجارة والعدوي والعباسيين وما زال مستمرا بها في حدائق دمشق وساحاتها العامة ومنها ساحة عرنوس وغيرها.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة