حين تفرض الشخصيات أفكارها على الروائي

شرذمة العراق وتشظيه في رواية لحازم كمال الدين

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

حين تفرض الشخصيات أفكارها على الروائي

غلاف الرواية
غلاف الرواية

كان أحد الشخصيات الرئيسية كاتبا مرموقا لكنهم منعوه من النشر أيام حكم صدام حسين فهجر الكتابة وعمل كسائق تاكسي وتحول إلى رجل عصابات أو ميليشيات مستفيدا من موهبته في الابتكار الذي كان سببا في اختطافه.
ينتهك حازم كمال الدين في روايته الجديدة «كاباريهت»، الصادرة عن «دار فضاءات» بعمان، الكثير من الاشتراطات السردية المتعارف عليها ليخلق نصا روائيا جديدا ينتمي إلى تيار الميتا - رواية أكثر من انتمائه إلى الرواية النمطية شكلا ومضمونا. ولو دققنا النظر في مستهل الرواية لاكتشفنا أهمية الإشارة «إلى أن أي تشابه في الوقائع والأحداث هو تضمينٌ أو تناصٌّ أو تلاصٌّ وليس محض مصادفة» كما يذهب الروائيون دائما في دفع الشبهة عن أنفسهم. فثمة وعي بهذا التضمين، وإصرار على التناص مع أعمال أدبية أخرى، ولا ضيرَ في التلاصّ كلما دعت الحاجة الإبداعية إلى ذلك. فهذا النص المفتوح بحسب الساردة هو «معمعة» شديدة التعقيد لا يستطيع فيها القارئ أن يجد منفذاً في «المتاهة» النصيّة التي ولجها ليصبح جزءاً حيوياً من لعبتها الفنية. تذهب الساردة أبعد من ذلك حينما تصف هذه الرواية بأنها «ارتجالات» لا تأبه بأي تسلسل أو تخطيط مسبق، ويمكن قراءتها على وفق هذا الشكل الارتجالي من دون أن تنفرط الحكاية أو تتصدع وحدة النص الروائي، هذه الوحدة الهارمونية التي تُشبه إلى حدٍ كبير وحدة الواقع العراقي الراهن!
تشير الساردة التي يختبئ وراء قناعها صوت الروائي بأن فصول هذه الرواية يمكن أن تُقرأ منفصلة أو مجتمعة، أو صعوداً من الفصل الأول إلى الفصل الأخير أو بالعكس دون أن يتأثر النص، لكن أخوف ما تخافه الساردة هو أن يهمل القارئ أحد الفصول فيتقوض النص برمته!

* الشخصيات المثقفة
يضعنا حازم كمال الدين في الفصل الأول من «كاباريهت» في مواجهة 3 شخصيات مثقفة رئيسة تبقى حية وفاعلة على مدار النص الروائي وهي السيدة داليا، ووالدها رشدي، وزوجها «سندباد» الذي اختُطِف واحتجز في المدائن. تخرجت داليا في قسم المسرح بكلية الفنون الجميلة ببغداد عام 2002، وتزوجت من السيد سندباد الذي اختطف عام 2007 بعد أن وشى به صديقه علاء الدين، ثم فاحت من عملية الاختطاف رائحة الابتزاز وعلامات الغواية. لعل المنعطف الأساسي في حياة داليا أنها تقرر الانخراط في هاجس الكتابة بوصفه علاجا نفسيا لفجيعتها بزوجها المخطوف فهي تشبه التدوين بالولادة، وعدم التدوين بالحمل ومتاعبه المعروفة. وسوف تعرض ما تكتبه على زوجها السندباد ووالدها رشدي الذي ينصحها دائما بنشر ما تكتبه في الصحافة الثقافية. إضافة إلى ذلك، فهي تكتب القصة والمسرحية. أما والدها رشدي، فهو رجل ميسور الحال ورث عن أبيه أموالا وبيوتا وبساتين كثيرة تبدد بعضها، وتفرهد بعضها الآخر ولم يبق له سوى بيت في المنصور أهداه لابنته بمناسبة زواجها، وبيت آخر في محيط شارع الربيع.
تكمن إشكالية الأب رشدي في كونه كاتبا ورساما ومراسلا حربيا في آن معا لكنه لا ينشر ما يكتبه، ولا يعرض ما يرسمه، ولا يبعث تقاريره إلى أي منبر إعلامي، ويريد أن يكون شاهدا على عصره شرط أن تظهر شهادته بعد موته بعقود. لا يشذ الزوج سندباد في اهتمامه عن زوجته وأبيها فقد كان كاتبا مرموقا لكنهم منعوه من النشر أيام حكم صدام حسين فهجر الكتابة وعمل سائق تاكسي وتحول إلى رجل عصابات أو ميليشيات، مستفيدا من موهبته في الابتكار الذي كان سببا في اختطافه.
يتضمن هذا الفصل أيضا إنجاب داليا لابنتها «وديعة» بعملية قيصرية في الشهر الثامن من حملها. وقد بدأت وديعة تنادي جدها «بابا» وذلك لغياب الأب المخطوف، غير أن هذا الجد قرر مقارعة الخاطفين، والإشراف على إيصال ابنته داليا يوميا إلى مقر عملها في مديرية طابو الرصافة.

* الأبعاد الفنتازية
تنطوي هذه الرواية على أبعاد فنتازية كثيرة، ويميل الروائي إلى الكوميديا السوداء التي نشعر بها على مدار الرواية برمتها، فلقد قسم الكاتب العاصمة بغداد وحدها إلى ممالك وجمهوريات وولايات ودوقيات وسلطنات ليشير بوضوح إلى شرذمة العراق وتشظيه بعد الاحتلال الأنجلو - أميركي وهيمنة الأحزاب الدينية المتخلفة التي نهبت البلاد، وسبت العباد، وكرست الطائفية المقيتة بعد أن أوغلت في خطف الناس، وتعذيبهم، وقتلهم على الهوية.
تتكرر الإشارة إلى خطف السندباد، حيث تقف داليا وأبوها وعلاء الدين أمام ضابط الحرس الوطني لكن الكاتب يلجأ إلى قطع الحدث ثم المعاودة إليه لاحقا، حيث تُذِّكرنا الساردة بزوجها السندباد الذي كان يشتكي من شحة فرص العمل التي دفعته إلى التفكير ببيع البيت ومغادرة العراق لكن زوجته أصرت على البقاء فعمل سائق تاكسي قبل أن «يعلسه» صديقه علاء الدين، والعلس باللهجة العراقية الدارجة يعني تقديم كل المعلومات الممكنة عن الضحية المراد خطفها ثم ابتزاز أهلها من خلال المساومة على حياته. يتزوج علاء الدين من داليا لكنه لا يستطيع ممارسة الحب معها لأنه يشعر بأنه يخون صديقه الحميم! نتعرف في هذا الفصل على شخصية عبد الله الطنطل الذي ترك مهنته كغرافيكي وأصبح خاطفا، فهو سجين سابق لكنه حصل على عفو رئاسي قبل سقوط صدام حسين بمدة طويلة. كما أن علاء الدين نفسه كان نزيلا في قسم الأحكام الثقيلة في أبي غريب قبل أن يُخلى سبيله بأشهر معدود من احتلال بغداد ويتطوع في النصف الثاني من 2003 إلى سلك الحرس الوطني ويتعرف على شبكة واسعة من الشرطة والقباطنة والمردشورية ويعمل علاّساً بينما كان يتمنى أن يصبح خاطفا لما تنطوي عليه هذه المهنة من هيبة وجبروت بعكس دور الشحاذ المعوق الذي يمارسه بباب الشيخ.
تقوم داليا بدفن علاء الدين في الحديقة حيث تضعه في تابوت وتزوده بهاتف نقال لكنه يعترف قبل أن ينتهي شحن البطارية بأنه ابتز السندباد وأخذه إلى معبر سلطنة التاجي وسلمه مقابل15 في المائة من السعر الكلي وهو مدفون في فجوة محفورة في حائط في المدائن. إن دفن زوجها الثاني علاء الدين حيا له دلالة كبيرة لأنه ساهم في علس السندباد وقام بابتزاز العائلة غير مرة لكن الوالد رشدي قرر التصدي للخاطفين.

* ما وراء السرد
تبدأ أولى المعالم الميتا - سردية في هذه الرواية حينما تقرر داليا أن تكتب عن السندباد بالطريقة التي تراها مناسبة حيث لا وجود للحيتان ولا لبيضة الرخ وقد وافق السندباد بأن تكتبه بنسخة معاصرة من دون أن يكون بطلا أو أسطورة لكنه أخذ يتمرد عليها شيئا فشيئا وبدأ يتدخل في حيثيات الفصل القادم ويقترح العنوان. ترى من يكتب ومن ينكتب؟ وهذا الأسلوب بحد ذاته هو أسلوب ميتا - سردي حين تملي الشخصية شروطها على الكاتب وتتدخل في صناعة المصائر. أي أنها تخرق التقليد المتعارف عليه في الكتابة وهيمنة المبدع على مجمل اشتراطات اللعبة الفنية.
يتمادى السندباد في تدخلاته ويحتج على شرذمتها للسرد المضطرب أصلا، وعدم تعريجها على خصائصه البشرية، وسلخه من إطاره التاريخي، وأصبح يقف أمام مذبحة وليس أمام نص للقراءة. كما اقترح أن تعيد كتابة فصل العلاس وأن تقتل علاء الدين لكنها ظلت تميل إلى تركه حيا لأن بقاءه على قيد الحياة يخدم ترابط الأحداث. يتدخل السندباد ثانية في أحداث الفصل ويقترح أيضا أن يكون عنوانه «تحت ضوء الحكي» الذي تقع فيه أحداث فنتازية مذهلة لا تختلف كثيرا عن الأساطير والقصص العجائبية.
يتعزز الأسلوب الميتا - سردي في الفصل السابع حينما يعترض السندباد على داليا لأنها دست قصيدة هنا أو تحقيقا لكاتب صحافي هناك لأنها تعتقد أن كل شيء في الحياة هو انتحال بما في ذلك اختطافه من «ألف ليلة وليلة» وتحويله إلى بطل معاصر انتهى به المطاف إلى تجويف في جدار. يُصر الوالد رشدي بأن أبطال الروايات هم أنفسنا وعشاقنا الذين نتوهم وجودهم على الورق، كما ينتقدها السندباد لأنها تحب التسلط على الضحية ففي رأسها يوجد ديكتاتور صغير يريد أن يتحكم بشخصيات النص كلها ويصنع مصائرها كما يريد. ثم يسرد الوالد قصة الزوج الذي سوف يمنع من النشر، ويضطر للعمل سائق تاكسي، ثم حوذي عربة قبل أن يعلسه علاء الدين.

* الفتاوى الغريبة
تتطرق الرواية في أكثر من فصل إلى الفتاوى الغريبة التي صدرت عام 2007 والتي تُلزم السكان بتغطية عورات الحيوانات والمخالف يُجلد باعتباره ولي الأمر الذي يتوجب عليه صيانة حرمة الكائنات غير العاقلة.
يعتبر الفصل العاشر الأكثر غرابة بين فصول الرواية حيث تطلب داليا أن يحوّلوها إلى رجل وينقذوها من الورطة التي تعيش فيها، مسترجعاً الروائي المضايقات الكثيرة التي تعرضت لها في طفولتها وصباها وشبابها الأمر الذي يدفعها إلى التحول إلى رجل والزواج من سارة على سنة الله ورسوله.
يركز الفصل الحادي عشر على فكرة الكتابة والإدمان عليها بوصفها حلا للمشكلات النفسية التي تعاني منها لكن كتاباتها «صادمة كالفضيحة» كما يقول الوالد، وبفضل إبقاء السندباد معلوسا توجها الوسط الثقافي رائدة لتيار سردي جديد. لم يسلم الوسط الثقافي من سخرية الكاتب التي جعلت كُتّاباً من طراز فيكتور هيجو وغابريل غارسيا ماركيز أن يثنيا على أسلوبها، بل إن ماركيز نفسه قال: «كلما جئت على السرد في نصك أجد أنه يشكل قطيعة واضحة مع نصوص الما قبل، ويفتح كوة في واقع الما بعد». وفي السياق ذاته تعتقد داليا أن الثيمة هي الرجل بخلاف كل الناس الذين يقولون: «إن الأسلوب هو الرجل». وتذهب أبعد من ذلك حينما تريد أن تكتب نصا سرديا هجينا فيه من الريبورتاج والخيال والواقع بمقدار ما فيه من الطب والكيمياء، كما أنها تنهمك في تهشيم الوحدة المركزية للجنس الأدبي الذي تكتب فيه ولا تجد ضيرا في تدخل شخصياتها في كتابة هذه النصوص الأدبية الصادمة.
ينطوي الفصل الأخير على أكثر من ثيمة أولها الدعوة التي تلقتها من محرر أنطولوجيا أجنبي يلتمسها للكتابة عن شارع المتنبي. وثانيها الذهاب إلى شارع المتنبي والبحث في مكتبة المثنى التي عصف بها حريق كبير ترك أبناء قاسم الرجب رميما. والثيمة الثالثة هي خروجها من شارع المتنبي بكيس من الورق الذي سوف يجعل منها أحسن كاتبة في العالم!
لم يكن حازم كمال الدين أول من خرق التقاليد السردية الكلاسيكية فلقد سبقه إلى ذلك عدد غير قليل من الكتاب العراقيين على وجه التحديد من بينهم محسن الموسوي في «أوتار القصب»، ولطفية الدليمي في «عالم النساء الوحيدات» و«نساء زحل»، ومحمد خضير في «كراسة كانون»، وعبد الخالق الركابي في «الراووق»، وأنعام كجه جي في «الحفيدة الأميركية»، ونصيف فلك في «خضر قد والعصر الزيتوني» وغيرهم من الكتاب الذين تمكنوا من كسر الإيهام السردي، وتحطيم البنية الخطيّة التتابعية التي تتيح لشخصيات النص أن تفرض أفكارها ورؤاها على كاتب النص الروائي بالطريقة التي تراها مناسبة بوصفها صانعة للحدث ومشاركة فيه.



أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»


يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان
TT

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، وهي نص لفت الأنظار مؤخراً بسبب موضوعه المختلف الذي يختلط فيه جمال الإبداع بقسوة المحتوى؛ إذ تتناول المؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان المخ الذي داهمها العام الماضي على نحو مفاجئ، حين كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة.

خضعت الكاتبة التي تقيم بالعاصمة الألمانية برلين إلى أكثر من جراحة عاجلة لإزالة الورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللابتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملات وانفعالات في الموت والحياة عبر نص ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجناً بكلمات شديدة الصدق والواقعية.

ما زاد من عمق التجربة أن سوسن هي بالأصل طبيبة، وسبق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة السورية، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلاد إلى ألمانيا بعد حماسها لأحداث ثورة 2011 وتعاطفها مع المتظاهرين عبر مقالات صحافية دأبت على نشرها بانتظام. وتستهل المؤلفة عملها بإهداء لافت إلى أفراد من عائلتها تقول فيه: «إلى ميسون، محمد، لمى، سليم، ريم، لين، لارا، لولا فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم».

تقول المؤلفة في السطور الأولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعين بعد لحظة الحقيقة. كانت تلك اللحظة في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي».

وتضيف: «لم أكن أشعر فيما مضى أن الموت قريب إلى هذا الحد، لكن الواقع قدّم لي الدليل الدامغ: الموت جزء من الحياة، هكذا كان عقلي يرسمه، وأدّعي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئاً بي، لم تنجدني الفلسفة، ولا ادعاءاتي السابقة كلها».

تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقالات إلى الدماغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة المرض هو المرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب الأورام عن العمر المقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع المرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خمس سنوات؟ وأحلامي؟ ومشاريعي؟ والروايات التي عزمت على تأليفها؟». وتروي المؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، المسمى بجهاز الرنين المغناطيسي؛ فهي التجربة الأولى لها على الرغم من معرفتها المسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه لأول مرة في تصوير كامل الجسم عام 1977، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة المرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة.

كان هذا القناع الذي لبسته منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، حين كانت صبية لم تكمِل 34 سنة، وكان التحدي كبيراً، ولا بد من إظهار القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُدّ المرأة «غير المحروسة بذَكَر» جسراً يمكن المرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص.

وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللاذقية عام 1957، ودرست الطب البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في المشافي التابعة لوزارة الصحة، وتولت مناصب إدارية طبية. صدرت روايتها الأولى «حرير الظلام» في 2009، ثم توالت أعمالها تباعاً: «ألف ليلة في ليلة»، و«النباشون»، و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثة المفاتيح»، فضلاً عن «اسمي زيزفون» التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».


أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية
TT

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

في أكتوبر (تشرين الأول) 1849 غادر مكسيم دو كامب البالغ من العمر 27 عاماً، وهو صحافي طموح ذو آمال عريضة، مدينة باريس لتصوير مواقع متنوعة عبر شرق البحر المتوسط. وبعد أن شُجِّع رسمياً على استغلال «الدقة التي لا تقبل الجدل» في التصوير الفوتوغرافي الناهض كفن حديث آنذاك، عاد إلى فرنسا بعد عام ونصف العام ومعه أكثر من 200 صورة، اختير منها 125 صورة لتشكل مادة لكتابه «مصر والنوبة وفلسطين وسوريا»، وهو أول كتاب مصور فوتوغرافياً يُنشر في فرنسا.

يتخذ الباحث والمؤرخ في شئون العمارة والفنون التراثية دكتور خالد عزب من تلك الواقعة مدخلاً لكتابه «الشرق بعيون الكاميرا الأولى - أقدم الصور الفوتوغرافية لمصر والشام» الصادر أخيراً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة والذي يرصد تجارب الرحلات الأولى التي قام بها صحافيون ومغامرون ومستشرقون أخذوا على عاتقهم الاستفادة من نشأة الفوتوغرافيا كأداة لتسجيل وتوثيق ونقل عالم الشرق إلى مواطنيهم وقرائهم في الغرب عبر الكتب والصحف على حد سواء.

قضى مكسيم عشرة أيام في الإسكندرية، ثم ذهب إلى مدينة رشيد واستقل قارباً للقاهرة، حيث مكث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1849 حتى فبراير (شباط) 1850 وزار حي «المطرية» والأهرامات، ثم عرج على الصعيد والتقط صوراً لمحافظة بني سويف، حتى وصل إلى معبد «أبوسمبل» وتجول بين أعمدته الشاهقة وكالعادة سجَّل ملاحظاته بكل دقة وفق منهج واضح في الكتابة والتحليل.

أشادت آراء نقدية في الصحف الفرنسية بأعماله المصورة ورأت فيها «معياراً جمالياً للتصوير الوثائقي»، حيث تُقدَّم مطبوعاته الورقية بدرجات ألوان باردة متدرجة، وصفها أحد النقاد بأنها «رمادية زاهية»، كما تتمتع هذه الأعمال بـ«بنطاق مدهش من الألوان الدافئة والعمل اليدوي والتوهج الذي يذكرنا بأصلها المتوسطي». وعلى الرغم من تركيز الكتاب على المعالم الأثرية والأطلال القديمة، فإنه يقدم أيضاً دليلاً على الحضارة الحديثة التي نشأت في العمارة ومشاريع الري والهندسة.

ويتطرق خالد عزب كذلك إلى دي برانجي ورحلته إلى الشرق، معتبراً أننا هنا أمام واحدة من أفضل مجموعات الصور التي التُقطت لمصر والشام في الحقبة الأولى لانتشار التصوير الفوتوغرافي.

ولد جوزيف جيرالد دي برانجي بفرنسا في 2 أكتوبر 1804 لعائلة ثرية وظل طفلاً وحيداً بعد وفاة إخوته، درس الرسم وواصل دراسته في باريس حيث حصل في عام 1828 على دبلوم في الفنون، وكان لديه اهتمام بدراسة الآثار، كما كان له دور مميز في الحفاظ على تراث فرنسا، لكن طغى عليه اهتمامه بالثقافة الإسلامية بشكل خاص، فضلاً عن الهندسة المعمارية والبستنة.

كانت له رحلات عديدة إلى الخارج فزار في الفترة من 1831 إلى 1834 كلاً من إيطاليا والجزائر وإسبانيا وصقلية وسويسرا حيث قدم خلالها رسومات للآثار والمناظر الطبيعية. بعد إقامة دي برانجي في روما، ذهب إلى اليونان ثم القاهرة والإسكندرية، فضلاً عن القدس وبعلبك ودمشق وحلب.

بالنسبة إليه، كانت الصور الفوتوغرافية مجرد أداة في خدمة الرسم ووفرت له نسخاً دقيقة للآثار لتبرز التفاصيل المعمارية الدقيقة، حيث قام بتصنيف لقطاته التي لا تعد ولا تحصى بعناية، وكتب على ظهرها التواريخ والأماكن التي التقطها فيها لكنه لم يفكر في عرضها على الفور، لتنشر فيما بعد تباعاً.