هوشنك أوسي: كتابتي بالعربية والكردية شيء يشبه أن يكون الرجل أباً لطفلين من امرأتين

الشاعر السوري الكردي يقول إن سؤال الهوية هو المشترك في أعماله الشعرية والروائية

هوشنك أوسي
هوشنك أوسي
TT

هوشنك أوسي: كتابتي بالعربية والكردية شيء يشبه أن يكون الرجل أباً لطفلين من امرأتين

هوشنك أوسي
هوشنك أوسي

هوشنك أوسي شاعر له تجربة شعرية لافتة أثمرت عشرة دواوين شعرية، وثلاث روايات، وهو يكتب بالعربية والكردية. يقيم الآن في بلجيكا التي هاجر إليها منذ سنوات من بلده سوريا، وفي مغامرة الهجرة مر بأثينا وإسطنبول فاكتسب مزيداً من الخبرة وتعرف على ثقافات مختلفة... هنا حوار معه حول هذه التجربة ومحطاتها، ومغامرة الكتابة بالعربية والكردية، وصورة الوطن في ذاكرته وإبداعه.
> يوحي عنوان ديوانك الأخير «لست بحراً لكن قلبي مليء بالنوارس» بقصائد رومانتيكية مبهجة، لكن العمل نفسه يبدو مغرقاً في أجواء الحزن وأشباح القتل والحروب. كيف ترى هذه المفارقة؟
- العناوين فخاخ. وخيرُها ما تفاجئ قارئها بمتونها المختلفة. وبخلاف التعبير العامّي الدارج؛ في الأدب، شعراً ونثراً، «الكتاب يبان من عنوانه». ليس مقصدي من ذلك؛ أن يكون العنوان في واد، والمتن في واد آخر. بل أن يكون هناك «حبل سرّي» خفي، بين عنوان الكتاب والقصائد الواردة فيه. من جهة أخرى؛ أيغدو الشِّعرُ شعراً، لو عزلنا عنه المفارقة؟ الشِّعر في أحد أوجهه قائمٌ على المفارقات؛ بين المبنى والمعنى، بين الإيحاء والإخبار، بين المجاز والتورية، من ناحية، والحقيقي والإشهار، من ناحية أخرى. الإنسانُ أحوال، دائم التبدّل من حالٍ لحال. فما بالك إذا كان هذا الإنسان شاعراً، نديمه القلق والاكتئاب، أنيسهُ أحزانهُ وخيباته، تجذبهُ عطور النساء، والثرثرة معهن، والكتابة عنهن، ولهنّ، حتّى لو كان ذلك الشاعر، يعيش جحيم حرباً أهليّة. الشعر بالنسبة لأي شاعر، طوق نجاة من كوارث الحياة.
> لكن، أليس غريباً أنه حتى عند الحديث عن الحب، تحضر الأضرحة والمقابر حتى «الناي» يبدو «عجوزاً مصاباً بالسل»؟
- لا، ليس غريباً. الأضرحة والقبور، يسكنها أحباؤنا. هم غادروا الحياة، ولم يغادروا قلوبنا وذاكرتنا. ألا نزور القبور في الأعياد والمناسبات السعيدة؟ هل كثير علينا أن نزور قبور الضحايا في القصائد؟! إن كانت للشعر وظائف، فمنها إعادة الاعتبار للأشياء التي أخذت معاني موحشة وباعثة على الرعب. زيدي على ذلك، ليس غريباً أنسنة الآلات الموسيقيّة. الغريب أن يخلو الشِّعرُ من الغرابة وأنسنة ما لا يؤنسن.
> تقول في قصيدة بعنوان «هشاشة»: «ما من شاعر إلا ويعاني من التوحّد والاكتئاب» أهذا حقاً قدر شعراء العصر، أين حصّتهم من البهجة والفرح؟
- هو قدر الشّعراء في كلّ عصر، وليس في هذا العصر وحسب. الشاعر كائن هشّ، حساسيّته وتفاعلهُ مع الأشياء، وتعبيرهُ عن ذلك في قصائده تشي بأنه يعاني بنسبة معيّنة من التوحّد والاكتئاب. ولكن، هذا لا يعني بأنه فارق لحظات السعادة والفرح. مع ولادة كل قصيّدة، يفرح الشاعر. مع ولادة كل ديوان له يفرح أكثر. مع كتابة مقال نقدي عن ديوانه تزيد نسبة الفرح لديه. ومع ترجمة نصوصه إلى لغات أخرى يرتفع منسوب الفرح عنده أكثر. لكن، سرعان ما يعود إلى حالته الطبيعيّة، ومحاولة الإجابة عن سؤال: «وماذا بعد؟». ولأن من طبائع الفرح أنه سريع الرحيل أو العطب أو النفاد، فلحظاته طارئة، قياساً بالحزن العنيد، حيث يطغى المكوث والاستبداد على المغادرة والرحيل. الشاعر هو حصاد أحزانه وآلامه الكثيرة، ولحظات فرحه القليلة.
> تكتبُ الشعر بالعربية «7 دواوين» لكنك تكتبه أيضاً بالكردية «3 دواوين»، ما الفارق بين الكتابة في الحالتين؟
- اللغة هي الفارق. الخيال واحد. الرؤية إلى الحياة، الموت، الوجود، العدم، الحب، الكراهية... واحدة، المبنى في القصيدتين مختلفان. قصيدتي العربيّة والكرديّة، خيالهما واحد، وروحهما واحدة، الدم الذي يسري في عروقهما واحد، ولبوسهما اللغوي مختلف. القصد من وراء ذلك ليس القول قصيدتي العربيّة هي الترجمة لقصيدتي الكرديّة، أو العكس. لا. لكل منهما كيانهما اللغوي المستقلّ، والفكرة المختلفة. ومع ذلك، هناك ما هو مشترك أيضاً، يتعلّق بـ«الصبغيّات» أو «الجينات» الشعريّة لدى الكاتب. شيء يشبه أن يكون الرجل أباً لطفلين من امرأتين.
> بمحاذاة الشعر، تكتب الرواية التي قطعت فيها شوطاً لا بأس به. إلى أي حدّ أفدت من خلفيتك كشاعر في إنتاج نص سردي؟
- الرواية تستنهض وتستنفر في كلّ ما لدي من خبرات الكتابة التي راكمتها خلال سنوات؛ الشعرُ، العملُ الصحافي، الكتابة البحثيّة، مقالاتُ الرأي، مقالات النقد الثقافي...، فنّ الرسائل. مثلما أضافَ الشِّعرُ إلى المسرح؛ قديمه وحديثه، كذلك أضاف إلى الرواية. لكن الرواية لم تضف إلى الشِّعر، حسبَ ما أعتقد. الروائي الذي يمتلك حساسيّة شاعر وخياله وعينيه، قادرٌ على التأثير وخلق العوالم وبناء الأحداث والشخصيّات أكثر من قدرة الروائي الذي لا يمتلك موهبة الشِّعر. وعليه، يمكن للشاعر أن يكون «باش مهندس» في كتابة الرواية، و«أوسطى» شديد الحرفيّة والمهارة. لكن من الصعب أن يحقق الروائي ذلك ويصبح «باش مهندس» أثناء كتابته الشِّعر. في الرواية، أحاول توخّي الحذر من طغيان الشعر واستبداده بالسرد. أحاول أن يكون السرد سيّدَ نفسه، عزيزاً، حرّاً، غير منقاد للشِّعر، ولا يخضع لوصايته وجبروته. الشعر جبار، وشرس، وطمّاع، إن أفلته الروائي – الشاعر على السرد، سيبتلعهُ ولن يبقي منه شيئاً. أميل إلى تطعيم السرد بالشّعر، وليس إفلاته من عقاله. إن احتلّ الشعرُ السردَ، أبادهُ. أحاولُ أن يكون السرد في الرواية، الملكَ أو الملكة، والشعر تابعاً، وعبدا مأموراً.
> هل يمكن أن تكتب يوماً رواية بالكردية على غرار ما فعلت في الشعر، أم أن الرواية لها حسابات أخرى؟
- طبعاً. هناك مشروع كتابة رواية باللغة الكرديّة. لن تكون ترجمة إحدى رواياتي التي كتبتها باللغة العربيّة، كما يحلو لبعض الروائيين الكرد فعل ذلك. ستكون رواية مستقلّة من حيث الفكرة والتفاصيل والأبطال، عن شقيقاتها التي كتبتها باللغة العربيّة.
> روايتك الأخيرة «الأفغاني: سماوات قلقة» تجسد مقتل مهاجر غير شرعي في سجن يوناني. ماذا عن هذه التجربة؟ وإلى أي حدّ يبدو العمل مستلهماً من تجربة شخصيّة عايشتها عن قرب؟
- لكلّ رواية كتبتُها حكاية، تصلح أن تكون رواية. كنتُ في صيف 2009 في ذلك السجن (سجن المهاجرين غير الشرعيين بجزيرة خيوس اليونانيّة). على امتداد 45 يوماً، تواصلت فيها مع مهاجرين من مصر، الجزائر، تونس، العراق، أفغانستان.. إلخ، هكذا استلهمت العمل في نصفه الأول، لكن النصف الآخر من الرواية، عَومٌ في التاريخ، حيث إلى معركة النهروان وغرست شخصيّة خياليّة في المعركة؛ بهدف إعادة الاعتبار إلى ضحايا تلك المجزرة الذين لم ينصفهم التاريخ. في هذه الرواية، كما في روايتي السابقتين «وطأة اليقين» و«حفلة أوهام مفتوحة» انتصر للضحايا. في الأدب؛ شعراً ورواية، لا مناص من أن يكون الكاتب مع الضحايا.
> كردي، سوري ثم بلجيكي ينتقل بأحلامه من «الحسكة» في الشمال السوري، إلى مجاورة بحر الشمال في مدينة أوستند البلجيكية، مروراً بدمشق، إسطنبول، أثينا... ماذا عن سؤال الهوية في مسيرتك وكيف انعكس على تجربتك في الكتابة؟
- ربّما السؤال المتّقد والمشترك في أعمالي الشعريّة والروائيّة، هو سؤال الهويّة. لا أقصد هنا الهويّة الأحاديّة الجانب، بل الهويّة المركّبة المنفتحة على هويّات الآخرين. في رواياتي تتعدد الأمكنة والهويّات. ستجدين هويّة الكردي وسط جمهرة من الهويّات؛ العربي، المصري، المغربي، التونسي، الجزائري، العراقي، التركي، البلجيكي، الألماني، اليهودي، الفلسطيني... وهكذا. لا أميل إلى الانغلاق على الهويّة المحليّة الوطنيّة، ومنها أنغلق على هويّة المدنية، ثم على هويّة الحي والحارة...، وهكذا دواليكِ. لا أُخضِعُ نفسي لدوائر الضغط تلك. لا أجد أنه من وظائفي ومهامّي في 2021، إذكاء الشعور والوعي القومي والروح القوميّة لدى الكرد. هذه مهمّة تصدّى لها شعراء وأدباء الكرد في العشرينات وحتّى الثمانينات والتسعينات. وسط الصراعات وخطابات الكراهية، الدينيّة، القوميّة، المناطقيّة، الحزبيّة، والشخصيّة. إن بقي المرء محافظاً على إنسانيّته، ولو بقدرٍ يخوّله الاستمرار في العيش، فهذا بحد ذاته إنجاز كبير. هذا ما أجدهُ واجباً عليّ فعله، في كتاباتي الشعريّة والروائيّة، أن تكون الإنسانية هويتي الكبرى قبل أي تصنيف آخر.
> تؤكد دوماً أن مصطلح «أدب المهجر» فقد جدواه، ما الذي تقصده تحديداً؟
- هل الظروف التي أعيشُ فيها في بلجيكا، هي نفسها الظروف التي عاشها جبران خليل جبران في مهجره؟! هل مستويات التعليم، وتكافؤ الفرص، وحجم الجاليات العربية والكردية في المهاجر هي نفسها في العشرينات والثلاثينات والأربعينات؟ هل وسائل الاتصال والتواصل هي هي؟ لا طبعاً. ما زلتُ مؤمناً بتلك المقولة اليساريّة: «لكل نمط من المعيشة، نمط من التفكير». وأضيف إليها: لكلّ نمط من التفكير، نمط من الكتابة. وعليه، تلك البكائيّات والمرثيات والنوستالجيا التي كانت تفيض بها نصوص تلك الحقبة، ليست نفسها التي تعالجه نصوص يومنا الراهن. حتى مفهوم الوطن والغربة تغيّر. فلماذا يبقي توصيف «أدب المهجر» متحجّراً، ولا يتطوّر؟!
> تدافع دوماً عن الجوائز في الواقع العربي الثقافي. هل يرجع الأمر إلى فوزك بواحدة من تلك الجوائز؟
- أدافع عن حق المبدع والمبدعة في التكريم. قبل عقدين أو أكثر، كانت الخطاب السائد في الإعلام العربي، يركّز على أنه لا يوجد اهتمام بالإبداع، ولا تخصص أموال كافية للجوائز الإبداعيّة، وأن الأخيرة فائدتها كذا وكذا، قياساً بالغرب و«البلدان المتقدّمة». الآن، هناك هجوم على الجوائز والفائزين والفائزات بها. وللأسف يصطفُّ إلى جانب بعض النقّاد والصحافيين المهاجمين، نفرٌ من الذين يشاركون في تلك الجوائز (كتارا، بوكر، الشيخ زايد، نجيب محفوظ، ساويرس، الطيب صالح... الخ.). هؤلاء، يمكن تسميتهم بـ«حلف مشيطني الجوائز» الخاسرين. لا أدافع عن الجوائز، ولا عن الذين فازوا ويفوزون بها. بل أطالب بأن تتوقف طاحونة هذا النفاق التي تدار بمياه الكذب والدجل والحسد الآسنة.
> أخيراً، كيف ترى تعاطي النقاد مع مجمل تجربتك الإبداعية؟
- تجربتي ما زالت في مطالعها. وأشكرُ كلّ مَن قرأ لي حرفاً، وكلّ مَن كتب عن تجربتي حرفاً، سواء أكان ناقداً أو ناقدة، والقراء كذلك. يهمني ويسعدني أن يلقى ما أكتبه رضا الناس، ويقلقني ذلك أيضاً. رضا الناس مسؤوليّة، أكثر من غضبهم وحنقهم ورفضهم لما أكتبه.



ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
TT

ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)

يمرّ كثيرون بلحظات مفاجئة من الرغبة الشديدة في تناول الطعام، وغالباً ما يتساءلون عمّا إذا كانت لهذه الرغبات توقيتات محددة خلال اليوم. وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة عن نمط لافت يحدد توقيت الذروة لهذه الرغبة، إلى جانب عادات وسلوكيات مرتبطة بها لدى عدد كبير من الأشخاص.

وأظهرت الدراسة أن الرغبة الشديدة في تناول الطعام تبلغ ذروتها عند الساعة الـ3:42 مساءً، وهو توقيت يتكرّر لدى شريحة واسعة من المشاركين.

وشملت الدراسة استطلاعاً لآراء 5 آلاف أميركي موزعين بالتساوي بين مختلف الولايات، حيث حُللت أنماط الرغبة الشديدة في تناول الطعام بأنحاء البلاد. وبيّنت النتائج أن الشخص العادي يشعر بنحو رغبتين شديدتين في تناول الطعام يومياً، في حين أفاد نحو ربع المشاركين (24 في المائة) بأنهم يعانون من هذه الرغبات بشكل متكرر، وفقاً لما نقلته صحيفة «نيويورك بوست».

وبصرف النظر عن توقيت هذه الرغبات، فقد أظهرت النتائج أن 6 من كل 10 مشاركين (57 في المائة) لا يستطيعون مقاومة هذه الرغبة أكثر من ساعة، بينما يستسلم واحد من كل 5 (21 في المائة) خلال 15 دقيقة أو أقل.

كما كشفت الدراسة، التي أجرتها شركة «توكر ريسيرش (Talker Research) لمصلحة «إيفري بليت»، عن أن الأشخاص عند شعورهم بالجوع يميلون إلى تفضيل أنواع محددة من الأطعمة، حيث يتوق 33 في المائة منهم إلى ما تُعرف بـ«الأطعمة المريحة»، بينما يفضّل 22 في المائة الأطعمة المقلية، والنسبة نفسها تميل إلى الأطعمة المالحة.

وبغض النظر عن هذه التفضيلات، فقد أشار نحو ثلثي المشاركين إلى أنهم يفضّلون إشباع رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز.

ويمتد تأثير هذه الرغبات إلى عادات التسوق أيضاً؛ إذ أفاد 35 في المائة من المشاركين بأن رغباتهم الغذائية خلال الأسبوع السابق تؤثر بشكل منتظم على قائمة مشترياتهم للأسبوع التالي.

وفي تعليق على هذه النتائج، قال بنجامين غريبل، مدير «تطوير الطهي» في شركة «إيفري بليت»: «في عصر الراحة، من المشجّع أن نرى أن ثلثي الأميركيين يفضّلون تلبية رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز. وهذا يدل على أن الناس يعرفون أذواقهم جيداً؛ وكل ما يحتاجونه هو القليل من الثقة بالمطبخ لإعادة إحياء نكهاتهم المفضلة».

وأضاف: «لا يتطلب إعداد وجبة شهية قضاء ساعة كاملة في المطبخ. فبالنسبة إلى معظم الناس، لا تكمن الصعوبة في الطهي بحد ذاته، بل في العبء الذهني المرتبط بالتخطيط والاختيار وإعداد الوجبات من الصفر. وعندما يجري التخلص من هذا العبء، يصبح إعداد الطعام أمراً بسيطاً، ومجرد تجربة ممتعة لتناول طعام لذيذ وسهل التحضير».


«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
TT

«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)

رغم رحيل صاحبه، وربما بسبب موته المفاجئ، تحول الجدل المتصاعد حول نظام «الطيبات» إلى «فتنة غذائية»، أحدثت ارتباكاً بين قطاعات عديدة من المصريين، فاقمت الهواجس نحو «الطعام الصحي»، وسط انقسام مجتمعي عَدّه خبراء «مواجهة بين العلم والخرافات».

وتصاعد الجدل حول نظام «الطيبات» الغذائي، عقب وفاة صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة، خلال وجوده في دولة الإمارات العربية المتحدة قبل نحو أسبوع، عن عمر ناهز 47 عاماً.

ويقوم نظام «الطيبات»، الذي روج له العوضي، على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم ويكتفي بها، وأخرى «غير ملائمة» ينبغي الاستغناء عنها. ومن وسائل «الشفاء» التي كان يدعو لها، شرب الماء عند العطش دون الإكثار منه. ومن بين النقاط المثيرة للجدل التي طرحها العوضي، تحذيره من تناول الدواجن، والزعم بأن منتجات الألبان تضاف إليها مواد خطيرة، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، والتحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي صاحب نظام «الطيبات» الغذائي (صفحته على فيسبوك)

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية سجالاً ما زال مستمراً بين مؤيدين لآراء العوضي أسسوا صفحات للترويج لنظامه الغذائي الذي يعتمد على «صفر دواء»، ومعارضين يرون أن ما طرحه يعد نوعاً من «الدجل والخرافة»، و«يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية».

وأكد مستشار الرئيس المصري لشؤون الصحة والوقاية، الدكتور محمد عوض تاج الدين، أنه «لا توجد أطعمة قادرة على علاج الأمراض، فكل مرض له علاج علمي محدد حسب بروتوكولات علاج يحددها الأطباء»، وقال تاج الدين في مداخلة تلفزيونية، مساء الاثنين، إن «الأطباء هم من يحددون الأغذية المناسبة للمرضى، كل وفق حالته وطبيعة مرضه»، داعياً المواطنين إلى «الاعتدال في الطعام ليكون متوازناً يشمل عناصر غذائية متنوعة».

وفي مارس (آذار) الماضي أسقطت نقابة الأطباء المصرية عضوية العوضي بسبب ما عدّته «نشر معلومات طبية مضللة وغير مثبتة علمياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، وقالت حينها إن ما يقدمه «يشكل خطراً على صحة المواطنين».

وفي رأي العميد الأسبق لـ«المعهد القومي للتغذية» أستاذة التغذية الدكتورة زينب بكري، فإنه ثمة عوامل كثيرة ساهمت في الجدل المثار بشأن نظام «الطيبات»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «الموت المفاجئ لصاحب هذه الآراء ساهم في الترويج لها، بجانب غياب الوعي المجتمعي، وميل الناس إلى الأفكار غير المألوفة ومحاولة تجربتها، (مثل الزار والدجالين)، وبجانب الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية سواء الكشف الطبي أو الأدوية مما يدفع الناس إلى تجربة الأعشاب والعطارين، كما أن الجدل القائم يعكس أيضاً قدراً من عدم الثقة في النظام الصحي، وهو ما يتطلب حملات توعية».

جدل حول الغذاء الصحي في مصر (المعهد القومي للتغذية)

وأكدت زينب أن «كل ما يروج له نظام (الطيبات) يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية الطبية ونظريات علوم التغذية، فالنظام الغذائي لكل مريض يحدده الطبيب بحسب المرض، والشخص الذي لا يعاني أمراضاً واضحة يتبع نظاماً غذائياً عادياً ويمكنه تناول ما يشاء باعتدال ودون إسراف»، لافتة إلى أن «الارتباك الذي حدث لدى الكثيرين بشأن النظام الغذائي يستوجب أن تقوم مؤسسات الدولة بحملات توعية وشرح وتفنيد الحقائق العلمية حول الأطعمة والمنتجات المختلفة»، وأكدت أنه رغم هذا الارتباك، فإن ما يحدث «فتنة ستأخذ وقتها وتمر وسينسى الناس كل هذا الجدل».

متابعة «الفتنة الغذائية» والآراء المختلفة، دفعت الخمسيني، محمود حسان، (الذي يقيم بحي عابدين بوسط القاهرة، ويعمل في ورشة لإصلاح الأجهزة الكهربائية) إلى التراجع عن شراء الدواجن، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ابنته طالبة جامعية تتابع (السوشيال ميديا) أخبرته بالجدل الدائر، وأثار الأمر نقاشات مع زوجته، فقرروا ألا يشترون دواجن أو منتجات ألبان حتى يتضح الموقف»، لكن المشكلة بحسب حسان حدثت لأنهم «لم يستطيعوا تحديد الطعام المناسب والصحي؛ لأن نظام (الطيبات) تحدث عن ضرر لمعظم الأطعمة التي تعوّدوا على أكلها».

الجدل بشأن نظام «الطيبات» أصاب أسراً مصرية بالارتباك (وزارة التموين المصرية)

وهو ما حدث نفسه مع المصرية الثلاثينية، سلوى حسن (ربة منزل تقيم في حي شبرا بوسط القاهرة)، قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها «تابعت الحديث عن ضرر الكثير من الأطعمة مما سبب ارتباكاً كبيراً»، موضحة أن «ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي والأخبار جعلني في حيرة، ولا أعرف ماذا نأكل وماذا نتجنب».

وأكدت استشاري التغذية العلاجية الدكتورة مها راداميس لـ«الشرق الأوسط» أن «حالة الارتباك التي سببها الترويج لنظام (الطيبات) تشكل خطراً على صحة المصريين، وكلها آراء غير علمية وخرافات ساهمت (السوشيال ميديا) في انتشارها»، ورجحت أنها «(فرقعة) وستنتهي».

حالة الارتباك التي أعقبت «الفتنة الغذائية» والتي صاحبت الجدل حول نظام «الطيبات» لم تقتصر على فئات بعينها، بل امتدت إلى أوساط الفنانين، وناشد الفنان تامر حسني وزارة الصحة، بتقديم توضيحات علمية مبسطة حول التغذية السليمة، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك» الاثنين: «في ظل الفتنة الغذائية اللي حاصلة في مصر وحديث كل الناس دلوقتي عن إيه المفيد لينا وإيه المضر، هل ممكن أناشد وزارة الصحة المصرية وكبار الدكاترة المختصة وأصحاب المستشفيات بردود كافية فيها شرح مفصل عن إيه الأكل المفيد لينا، وإيه اللي مش مفيد».

ورد الطبيب المصري، الدكتور خالد منتصر، على تامر حسني، مؤكداً في منشور على «فيسبوك» أن «ما كان يقوله دكتور ضياء يا أخ تامر اسمه في الطب ضلالات، والضلالات لا تناقش».وكان الفنان علي الحجار قد أكد أنه «يتبع نظام (الطيبات) منذ نحو 11 شهراً»، وقال خلال مراسم عزاء الطبيب ضياء العوضي، إنه كان يعاني من «عدة مشكلات صحية»، والتزامه بتعليمات العوضي من خلال مقاطع الفيديو «ساعده على التعافي».


جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
TT

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)

قال المخرج الكندي جيريمي كومتيه إن فيلمه «بارادايس» لم يولَد بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة رحلة طويلة امتدت لأكثر من 10 أعوام من البحث والتفكير والتجارب المختلفة، موضحاً أن البذرة الأولى للفيلم تعود إلى تجربة شخصية عاشها في مرحلة المراهقة. وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك التجربة دفعته إلى التفكير في موضوعات معقدة مثل الثقة والخيانة، وكيف يمكن لحادثة واحدة في حياة الإنسان أن تترك أثراً عميقاً يلازمه لسنوات طويلة، وهو ما حاول استكشافه سينمائياً عبر هذا العمل.

يتتبع فيلم «بارادايس»، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية ضِمن برنامج «البانوراما»، حكايتين تسيران بالتوازي في مكانين متباعدين من العالم، لكنهما تتقاطعان على مستوى التجربة الإنسانية. وتدور القصة حول شابّين يعيشان في بيئتين مختلفتين تماماً؛ أحدهما في غانا، والآخر في مقاطعة كيبيك الكندية، حيث يكبر كل منهما وسط ظروف قاسية وتحديات شخصية معقّدة. ورغم اختلاف الثقافة والمكان، فإن الشابّين يمران بحالة متشابهة من الوحدة والبحث عن معنى لحياتيهما، خصوصاً في ظل غياب نموذج الأب أو الشعور بالأمان الذي يحتاجان إليه في تلك المرحلة الحساسة من العمر.

ومِن خلال هذا البناء السردي المُوازي، ينسج الفيلم رابطاً عاطفياً خفياً بين الشخصيتين، إذ يكشف كيف يمكن لتجارب إنسانية متشابهة أن تتكرر في أماكن متباعدة من العالم، ومع تطور الأحداث يجد كل منهما نفسه مدفوعاً إلى اتخاذ قرارات صعبة. ويشير كومتيه إلى أن المشروع تطوّر تدريجياً عندما بدأ مرحلة البحث، حيث تعرّف، خلال تلك الفترة، على صديق مقرَّب من غانا، وهو ما فتح أمامه نافذة مختلفة على العالم؛ لأن الصداقة بينهما تحولت مع الوقت إلى شراكة إبداعية، إذ قررا معاً تطوير قصة تدور بين بلدين مختلفين تماماً هما غانا وكندا، مؤكداً أن «العمل على الفيلم استغرق سنوات من السفر والبحث واللقاءات والنقاشات الطويلة، حتى تبلورت الفكرة بالشكل الذي ظهرت به على الشاشة».

المخرج الكندي جيريمي كومتيه (الشركة المنتجة)

ولفت إلى مفهوم «الفقد الغامض»؛ وهو ذلك الشعور الذي يعيشه البطلان عندما يواجهان حدثاً مؤلماً دون إجابة واضحة أو نهاية حاسمة لما حدث، لافتاً إلى أن هذا النوع من الفقد يترك الإنسان عالقاً في حالة من القلق وعدم اليقين، وهو ما أراد أن يجسده في رحلة الشخصيتين داخل الفيلم.

وأضاف أن «مِن الأفكار الأساسية التي حاول العمل عليها أثناء الكتابة خلق تشابهات إنسانية بين عالمين مختلفين ظاهرياً، فالثقافة والبيئة قد تختلفان كثيراً بين غانا وكندا، لكن المشاعر الإنسانية الكبرى مثل الوحدة والخوف والبحث عن المعنى تظل متشابهة في كل مكان، لذلك حاول في السيناريو أن يربط بين مساري الشخصيتين بطريقة تجعل المُشاهد يشعر بأنهما يعيشان التجربة نفسها رغم اختلاف السياق».

وتحدّث المخرج عن التحديات التي واجهته أثناء كتابة الفيلم وإخراجه، قائلاً إن «الموازنة بين العالمين لم تكن سهلة على الإطلاق، لذا مرت عملية تطوير السيناريو بمراحل طويلة من المراجعة والتعديل، ثم استمرت هذه العملية، خلال مرحلة المونتاج؛ لأن بناء الإيقاع الصحيح للفيلم كان يتطلب دقة كبيرة في توزيع المعلومات التي يحصل عليها المشاهد».

وأوضح أن «الفيلم يتعمد أحياناً عدم تقديم كل الإجابات بشكل مباشر، بل يترك للمشاهد مساحة للتفكير وربط الخيوط بنفسه، وهذا الخيار كان يحمل بعض المخاطرة؛ لأن بعض المتفرجين قد يفضّلون السرد الواضح والمباشر، لكنني كانت مقتنعاً بأن هذه الطريقة أقرب إلى التجربة الإنسانية التي أحاول نقلها».

وقال المخرج الكندي إنه كان حريصاً أيضاً على أن يضع المتفرج أمام أسئلة أخلاقية معقدة، بحيث يجد فيها نفسه مضطراً إلى إعادة التفكير في أحكامه المسبقة تجاه الشخصيات؛ لأن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة لسرد قصة، بل مساحة لطرح الأسئلة ومواجهة المناطق الرمادية في السلوك الإنساني.

اختار المخرج الاعتماد على وجوه لم تخض تجربة التمثيل (الشركة المنتجة)

وتطرّق المخرج إلى الجانب البصري للعمل، موضحاً أنه استخدم المؤثرات البصرية بطريقةٍ تخدم الحالة الشعورية للفيلم؛ لأن الفكرة كانت تقوم على خلق تحول تدريجي في الصورة يتماشى مع التحولات النفسية التي تمر بها الشخصيات، بحيث يشعر المشاهد بأن الشكل البصري نفسه يتغير ويتطور مع تطور القصة.

وأوضح أن «هذا الأسلوب يعكس أيضاً فكرة الترابط بين الأشياء الصغيرة والكبيرة في العالم، إذ يمكن لتفصيلة بسيطة جداً أن تقود إلى حدث كبير يغيّر حياة الإنسان بالكامل، لذلك حاولت جعل الصورة السينمائية تعكس هذا الإحساس بالاتساع والتداخل بين العوالم المختلفة». وتحدّث المخرج كذلك عن تجربته في العمل مع الممثلين، لافتاً إلى أن «بعض المشاركين في الفيلم لم يكونوا ممثلين محترفين، وأن هذا الأمر كان خياراً مقصوداً؛ لأنه أراد أن يمنح الشخصيات قدراً أكبر من الصدق والعفوية».

وأضاف أن «الممثل الذي أدى دور الشاب في غانا كان يتمتع بطبيعة تلقائية أمام الكاميرا، وقد خضعا معاً لعدد كبير من البروفات والنقاشات حول تفاصيل الشخصية، حتى أصبح قادراً على إعادة تفسير بعض الجمل بطريقته الخاصة». أما بالنسبة للشخصية الأخرى التي تعيش في كندا، فأوضح كومتيه أنهم كانوا يبحثون عن شاب حقيقي يمارس رياضة التزلج على الألواح؛ لأن هذه الرياضة تشكل جزءاً مهماً من حياة الشخصية، وعثروا بالفعل على شاب يعيش في إحدى المناطق الريفية بكيبيك، وكان قريباً جداً من روح الشخصية التي كتبها، وهو ما جعل الأداء يبدو طبيعياً ومقنعاً إلى حد كبير.

وخلص المخرج إلى أن العمل مع ممثلين غير محترفين قد يكون تحدياً في بعض الأحيان، لكنه، في المقابل، يمنح الفيلم طاقة مختلفة يصعب تحقيقها مع الأداء التقليدي، مؤكداً أن العلاقة التي نشأت بين الممثلين والكاميرا كانت طبيعية للغاية، وهو ما ساعد على خلق إحساس قوي بواقعية المشاهد.