المغربي عبد الكريم جويطي: العالم يوجد أمام البيت

روائيته «ثورة الأيام الأربعة» جزء أول من رباعية

عبد الكريم جويطي - غلاف الرواية
عبد الكريم جويطي - غلاف الرواية
TT

المغربي عبد الكريم جويطي: العالم يوجد أمام البيت

عبد الكريم جويطي - غلاف الرواية
عبد الكريم جويطي - غلاف الرواية

بعد «المغاربة»؛ روايته الأخيرة التي أثارت اهتمام القراء ونالت ترحيب النقاد، فوصلت إلى القائمة القصيرة لـ«البوكر»، كما نال بها صاحبها «جائزة المغرب للكتاب» في صنف السرد (دورة 2017)، يعود الروائي المغربي عبد الكريم جويطي بعمل روائي جديد، اختار له عنوان: «ثورة الأيام الأربعة».
ويذكر جويطي لـ«الشرق الأوسط» أن روايته الجديدة، التي صدرت عن «المركز الثقافي العربي»، هي الجزء الأول من رباعية، سيصدرها تباعاً، مع إشارته إلى أن أحداثها تدور في وادي إيرس بالجبل على علوّ 2400 متر عن سطح البحر، لافتاً إلى أنه من هذا الحيز الضيق؛ خمسة كيلومترات مربعة، ومن أربعة أيام عصيبة انعدمت فيها الخيارات، وفي خضم ثورة مسلحة، يطل على المغرب من منظور آخر.
وبخصوص الفضاء الذي تدور فيه أحداث الرواية الجديدة، قال جويطي: «عنيت في كتابة الرواية الجديدة بالجبل، هذا العمق الحضاري للمغرب... لا يمكن أن نفهم تاريخ ونفسية وردود فعل المغاربة دون استحضار الدور الذي لعبه الجبل... وهناك مادة روائية هائلة تدخرها الجبال المغربية».
وعن العنوان الذي أعطاه للجزء الأول من مشروعه الجديد، قال جويطي: «بعد تردد طويل واستشارة الأصدقاء بين عناوين عدة، اخترت هذا العنوان. سيكون لكل جزء عنوانه الخاص. وكما قلت؛ أجزاء الرباعية منفصلة ومتصلة. اشتغلت في كل جزء على تيمة مركزية».
وجواباً عن سؤال متى بدأ بإعداد مشروع الرباعية، قال جويطي: «لا أعرف متى تولد فكرة رواية بداخلي... البداية شأن الميتافيزيقا، تفرغ من كتابة نص أو حتى وأنت منهمك في ذلك تجد أنك تفكر في نص آخر. متى حدث ذلك؟ وكيف ولدت تلك الشرارة بداخلك؟ لا جواب. هناك كيمياء يصعب ترجمتها إلى كلمات. منذ مدة طويلة وأنا أتأهب لكتابة رواية عن الجبل. لسنوات؛ كنت أصعد كل أسبوع لمنطقة تاكلفت وما يجاورها.
هناك طبيعة متوحشة، وتاريخ شرس، وأقدار تفرقت في الجهات الأربع للعالم، وطبائع جمعت ما لا يجتمع إلا هناك. كل ذلك أراه أرضاً بكراً للكتابة. لكن، وكما تعلم، الرغبة في الكتابة ليست هي الكتابة. هناك هوة سحيقة بينهما. وقد حاولت دوماً أن أحذر المشاريع المؤجلة لأنها لا تستنفد الزمن في مراوحة يائسة بالمكان عينه فقط؛ ولكن؛ إن طالت تولد انحصاراً يصعب تجاوزه».
ويقول عن الطريقة التي اشتغل بها في «ثورة الأيام الأربعة» ارتباطاً بتاريخ المغرب المعاصر: «مزجت في الرواية بين حدثين عاشتهما المنطقة: ما سميت (انتفاضة القائد البشير في 1961) و(أحداث مولاي بوعزة في 1973). هذا هو الإطار التاريخي الذي تدور فيه أحداث النص. الباقي كله متخيل. لقد كُتب الكثير عن الحدثين. هناك شهادات ووثائق، ولن أضيف جديداً إن أردت كتابة رواية تاريخية عن الحدثين. لم أكتب رواية تاريخية، بل رواية تطرح هذا السؤال الكبير: كيف نحدث التغيير المطلوب؟».
إنه يكتب، كما يقول لنا، عن «الانتظار والرجاء، عن الخوف والحماس والسذاجة والتضحية، واخترت نبرة ساخرة بكثير من الضحك، لكنه ضحك كالبكاء».
في مشروعه الجديد، واصل جويطي الكتابة انطلاقاً من بيئته المحلية. من منطقة بني ملال (وسط المغرب) تحديداً. وهي منطقة فاتنة بطبيعتها الخلابة، غنية بخيراتها الفلاحية ومعروفة بكثير من الأحداث التاريخية التي تحتاج إلى تناول وإعادة قراءة. بالنسبة لجويطي؛ فالكاتب «لا يملك إلا ما يعرف حقاً، والعالم يوجد أمام عتبة البيت». يقول: «لم أسافر كثيراً كما تعرف. قضيت حياتي في الحيز نفسه الذي أدين له بكل شيء: لغتي، وخيالي، ورؤيتي للعالم. أحس بأن حياة واحدة لا تكفي لأكتب كل ما يخطر ببالي. منذ رواية (ليل الشمس)، وأنا أكتب عن هذا الحيز الجغرافي الصغير الذي ولدت فيه، وأجد في كل مرة أنه يعيش التراجيديات الكبرى للبشرية».
لا شك في أن الاحتفاء الذي قوبلت به رواية «المغاربة»، قد وضع جويطي أمام رهان التفوق على نفسه، باقتراح عمل يحقق الإضافة أو يأتي، على الأقل، في مستوى العمل الإبداعي السابق، بالنسبة لهذا الكاتب الذي عود متلقيه على «كتابة تشريحية دقيقة، تضعنا بصفتنا مغاربة أمام مرايا ماضينا الملتبس وواقعنا المعطوب وربما مستقبلنا الغامض»، على رأي روائي مغربي آخر هو عبد المجيد سباطة.
لا يبدو جويطي مأخوذاً بالحضور القوي الذي تحقق لـ«المغاربة»، وأن تغطي على سابق ولاحق أعماله فيقترن اسمه بها دون باقي إبداعاته. ويقول إنه منذ أن بدأ الكتابة وهو يطور مشروعه بصبر وعناء، قبل أن يستدرك: «مع كل نص جديد أغنم مساحة جديدة في الخيال واللغة. بإمكاني أن أكتب أفضل مما كتبت، ولن أسمح لرواية (المغاربة) بأن تغتالني».
يرى جويطي أن الكاتب لا يتحكم في قدر نصوصه، إذ ما إن يخرج النص من بين يديه حتى يختط لنفسه مساراً خاصاً، بحيث قد تنال رواية ما اهتماماً كبيراً وتتعدد طبعاتها ويواكبها النقد، وقد لا ينتبه أحد لنص عميق ومجدد.
بالنسبة لروايته الجديدة، «ثورة الأيام الأربعة»، لا يخفي جويطي أن ردود الفعل الأولى التي عبر عنها عدد من الأصدقاء والمعارف، توحي بأنه «تفوق على نفسه» في عمله الجديد.
يشدد جويطي، الذي سبق أن كتب «ليل الشمس» (1992)، و«زغاريد الموت» (1996)، و«رمان المجانين» (1998)، و«الموريلا الصفراء» (2003)، و«كتيبة الخراب» (2007)، و«المغاربة» (2016)، على أنه كتب كل نصوصه بالإخلاص نفسه والجهد؛ أيضاً. وأنه يعتز بها جميعاً؛ مشيراً إلى أن كل ما يتمناه الكاتب هو أن يذكره القراء ولو بنص واحد.

- من أجواء رواية «ثورة الأيام الأربعة»:
«ولأن الشبان في الوادي يخرجون ولا يعودون، ولأن الوادي القاسي لم يعد يقنع أحداً بالبقاء فيه، ولأن رغبات وحاجات جديدة ولدت ولا يمكن إشباعها إلا في مكان آخر، فقد انضافت تباعاً للربوة نساء أخريات كان لهن غائب أو شيء ما لينتظرنه، سعد، زوج، صحة، أمان... وبتلك الطاقة الروحية التي تسكن أمكنة بسيطة ومتواضعة لا تهب ما هو خارق واستثنائي، وإنما تعطي وبسخاء ذلك الجوهر الذي لا تستقيم حياة القهر إلا به: الرجاء. صارت الربوة رديفة للأمل، ولما سيأتي على حين غرة، ولذلك الخيال الذي يتقدم، وفي كل خطوة يقترب بها يبدد غمة ويدوس خصاصة وينهي دمعاً.
عشرون عاماً بأيام زمهريرها وثلجها ومطرها ورعودها وأيام حرها ورياح شركها الخانقة، وهن هناك كل يوم مترقبات متلهفات يتطلعن لما سيلده المَدْخلان، وما مات من مات خارج الوادي إلا لأن لا قلب في الربوة ينتظره ويهفو لظهوره، وما غاب من غاب إلا لأن لا عين في الربوة تتشوق لرؤيته قادماً، وما ولد شيء في الوادي أقوى من أمل الآتي، وصمود النساء في ترقبه».



عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».