السيارات تدخل عصر الملاحة الدقيقة

نظم مطورة ومدمجة لتسهيل القيادة على الطرقات

نظام الملاحة في سيارة «فورد برونكو 2021»
نظام الملاحة في سيارة «فورد برونكو 2021»
TT

السيارات تدخل عصر الملاحة الدقيقة

نظام الملاحة في سيارة «فورد برونكو 2021»
نظام الملاحة في سيارة «فورد برونكو 2021»

في المرّة المقبلة، عندما يأخذكم نظام الملاحة في سيارتكم إلى باب مطعم رائع يقدّم أشهى الأطباق، لا تنسوا أن تشكروا ما يُعرف بـ«نظام التموضع العالمي» الشهير بـ«جي بي إس». الذي طوره الجيش الأميركي، وهو عبارة عن شبكة من الأقمار الصناعية التي تتيح تحديد أي موقع على وجه الكوكب.

إرشادات التجول
ولكنّ تقنية الـ«جي بي إس». التي طوّرها الجيش الأميركي لم تكن أوّل خيارات السائقين للحصول على المساعدة والوصول إلى وجهتهم. ففي ثلاثينات القرن الماضي، برز جهاز «إيتر آفتو» الذي يقدّم إرشادات ملاحية. كان هذا الجهاز الذي يُثبّت على لوح مقصورة السيّارة الأمامي، يعتمد على تصفّح خرائط ورقية وسلك يصله بعدّاد السرعة بهدف تتبّع طريقٍ معيّن بشكلٍ تقريبي ما دام أن السائق يسير في الطريق الصحيح لأنّ الخروج عنه ولو للحظات كان يمكن أن يُذهب جهود الجهاز سدى.
تطوّرت تقنيات تحديد المواقع خلال السنوات الماضية ولو ببطء حتّى أصبحت تقنية الـ«جي بي إس». رفيقاً لا غنى عنه أثناء القيادة وباتت الهواتف تعتمد على إشاراته الصادرة عن الأقمار الصناعية في خدمات متعدّدة أبرزها «الملاحة» بمفهومها البري أيضا.
ولكنّ استخدام الهاتف للملاحة أثناء القيادة لا يخلو من الجوانب السلبية ولا سيّما إذا كان لا يتوافق مع نظام المعلومات والترفيه الخاص بسيّارة المستخدم أو إذا كان تثبيت الهاتف صعباً، فضلاً عن أنّ اعتماد الهواتف الذكية على الإرسال الخلوي للحصول على بيانات الخرائط قد يصطدم بتعثّر التغطية في مناطق كالجبال يكون الإرسال فيها ضعيفاً. ولكنّ الهواتف الذكية سهلة الاستخدام والجميع تقريباً يحملها اليوم.

أجهزة حديثة
وتعمل كلّ من غوغل وآبل على تحديث خرائطهما بشكل أوتوماتيكي كلّ ما استدعت الحاجة حتّى أنّ العربات الحديثة باتت تتيح لتطبيقات «كار بلاي» من آبل Apple CarPlay و«آندرويد أوتو» Android Auto العمل على الشاشة المثبّتة في لوح السيّارة الأمامي.
وتعتبر أجهزة الملاحة الحديثة التي يتمّ تثبيتها فوق أو على لوح مقصورة العربة الأمامي خطوة متقدّمة عن الهواتف الذكية وجهاز «إيتر آفتو». على سبيل المثال، يمكن للمستهلك طلب نظام «غارمين درايف سمارت 61 إل إم تي - إس». Garmin DriveSmart 61 LMT - S للملاحة مع شاشة بمقاس 6.95 بوصة للحصول على رؤية أفضل. ويقدم غارمين للمستهلكين توجيهات صوتية مفصّلة ومنظّمة ويستخدم أسماء الشوارع والمعالم بالإضافة إلى النقاط المهمّة والمستشفيات ويصدر تحذيرات من الازدحام المروري ويعرض على شاشته حدود السرعات المسموح بها والتحذيرات الضرورية لسلامة السائق. وتتوفّر في الأسواق نماذج أخرى دقيقة أبرزها «توم توم» و«ماجيلّان» مع مجموعة كاملة من الخصائص المتطوّرة.
تأتي أنظمة الملاحة العصرية محمّلة بخرائط المواقع وتشهد تحديثات لاسلكية عند الحاجة. إذا كنتم تبحثون عن أحدها، يمكنكم العثور عليها في «لائحة أفضل أنظمة الملاحة» عبر شبكة الإنترنت.

أنظمة مدمجة
والآن حان دور أنظمة الملاحة المدمجة صناعياً في السيّارات والتي تتفوّق على الهواتف الذكية والأجهزة التي تُثبت على لوح مقصورة السيّارة الأمامي.
تقدّم هذه الأنظمة التي يتمّ تركيبها أثناء مرحلة الصناعة، لمستخدمها دقّة أفضل ومزايا أكثر واندماجا أكبر. وتأتي عادة مع شاشات أعلى جودة، فضلاً عن أنّها لا تشكّل عامل جذبٍ للسارقين كما هو في الأجهزة الظاهرة التي يتمّ تركيبها على لوح مقصورة السيّارة الأمامي.
تحتوي هذه الأنظمة المدمجة أيضاً على رقائق أقوى من النماذج المنفصلة وتضمّ هوائيات متينة موضوعة في أماكن أفضل.
يُعدّ نظام الملاحة المستخدم في سيّارة «كاديلاك إسكالاد 2021» Cadillac Escalade أحد أفضل الأمثلة على التطوّر الذي بلغته هذه التقنية. فإذا اخترتم مثلاً توجيهات صوتية في لائحة خيارات النظام، يعمل الصوت وفقاً للمهمّة المطلوبة. وعند الاقتراب من منعطف إلى جهة اليمين، يأتي الصوت من الجهة اليمنى في المركبة ومع اقترابكم من تقاطع طرق، يرتفع صوت التّوجيه أكثر. وإذا كنتم تكرهون الصوت المحيط الصادر عن 36 مكبّر صوت يضمّها النظام، فيمكنكم إسكاته والاعتماد بدلاً منه على الشاشة العريضة (16.9 بوصة) العالية الدقّة المتوفّرة في نظام المعلومات والترفيه.
ويضمّ نظام الملاحة أيضاً شاشة إضافية لعرض توجيهات الطرقات مثبّتة على زجاج السيّارة الأمامي، ويزوّدكم بخريطة عالية الدقّة ويعرض لكم صوراً للافتات المرورية في التقاطعات الأساسية. كما يتيح لكم اختيار تقنية الواقع المعزّز المتوفّرة للحصول على صورة مع خريطة مفصّلة للطريق الذي ستسلكونه.
عند اختيار الوجهة، وعند الوصول، يزوّدكم النظام بصورٍ لتعرفوا ما الذي تبحثون عنه، فضلاً عن أنّه قد يطلعكم على تفاصيل المنطقة المحيطة.
يستعين النظام بهذه الصور من برنامج «غوغل ستريت فيو» الذي يضمّ ملايين الصور البانورامية الصادرة عن أعمال الشركة نفسها ومساهمات الأشخاص العاديين بواسطة كاميراتهم. تعتمد معظم أنظمة الملاحة المدمجة في السيّارات على خدمات غوغل الخاصة بالخرائط والتصوير ومنها نظام الملاحة الخاص بشركة تيسلا الذي يزوّد مستخدمه بصور جويّة مصدرها برنامج «غوغل إيرث» عبر شاشته (17 بوصة).
تقدّم العلامات التجارية الكبرى في عالم صناعة السيّارات كتيسلا ومرسيدس بنز وكاديلاك أنظمة ملاحة غنية بالخصائص ولكن هذا لا يعني أنّكم يجب أن تنفقوا مئات آلاف الدولارات للحصول على إرشادات جي بي إس.

تنوع الخيارات
في سياق متصل، كشفت أحدث تقارير جمعية «كونسيومر ريبوتس» أنّ نظام الملاحة «يو كونبكت» Uconnect من كرايسلر يحظى بإعجاب كبير من السائقين ومالكي السيّارات.
على سبيل المثال، ففي سيّارة «جيب شيروكي»، يمكن للسائق أن يشغّل نظام «يو كونبكت» بسهولة من خلال النطق بالعنوان المستهدف. يستخدم هذا النظام أجهزة استشعار لمساعدة الـ«جي بي إس». في أماكن معيّنة كالأنفاق ومرائب ركن السيّارات قد يخسر فيها اتصاله بالأقمار الصناعية. وأيضاً، تقدّم سيّارة «فورد بونكو 2021» المصممة لاستكشاف ما هو أبعد من نهاية الطريق، نظام «سينك 4» SYNC 4 للملاحة على شاشة بمقاس 12 بوصة في الموديلات التي يبدأ سعرها من 40 ألف دولار. يساعد هذا النظام الملاحي المدعوم بتقنية «جي بي إس». السائقين في العثور على أصعب الطرقات وأكثرها تعقيداً ويقدّم مشاهد مصوّرة بواسطة الكاميرا للأشخاص الذين يرغبون بالتجوّل في الطرقات الجبلية الوعرة.

تاريخ حافل
وصلت أنظمة الملاحة المدمجة في السيّارات إلى مرحلة من التقدّم المبهر في السنوات الأخيرة، ولكنّ النماذج الأولى منها كانت متواضعة جداً. ففي عام 1981 طوّرت شركات هوندا و«ستانلي إلكتريك» و«ألبين» نظام «جيرو - كاتور» الذي يستخدم جيروسكوبا (أداة لتحديد الاتجاهات) لرسم خرائط جامدة وشفّافة لتقديم رسمٍ للطريق على شاشة مضيئة. بيع هذا النظام في اليابان فقط وزاد على سعر السيّارة التي دخل في تصميمها مبلغ 1750 دولارا مقدّماً أداءً لا بأس به. وأثبت هذا النظام أنّ توفّر نقطة البداية والسرعة والوجهة يتيح احتساب المسافة حتّى الموقع المطلوب وهذا ما دفع المهندسين إلى تسميته بنظام تقدير الموضع.
وتبع هذا النظام أنظمة أخرى لتقدير الموضع اعتمد بعضها على الخرائط الرقمية المحفوظة على أشرطة أو غيرها من الوسائط إلّا أن هذا النوع من الأنظمة يفتقر إلى الدقّة وينطوي على احتمالات إخفاق كبيرة.
بعدها برز وتطوّر نظاما الـ«جي بي إس». والملاحة وظهر أوّل نظام مدمج بينهما في شركة مصنّعة للسيارات عام 1990 في سيّارة «مازدا أونوس كوزمو» التي توفّرت في اليابان، ثمّ تبعتها شركة جنرال موتورز عام 1992 بنظام أدخلته إلى السيّارات المصممة للإيجار فقط.
وفي 1995، أصبح نظام الجي بي إس الملاحي خياراً يمكن إضافته على سيّارات «أولدس موبايل 88». كان هذا النظام يعتمد على خرائط محفوظة على خراطيش وتمّ بيعه للمرّة الأولى مزوّداً بخرائط للاس فيغاس وكاليفورنيا فقط، وبعدها تمّت إضافة خراطيش أخرى.
عمد صانعو السيّارات إلى إضافة أنظمة الـ«جي بي إس». الملاحية إلى الموديلات الفاخرة تدريجياً ولكنّ وكالات صناعة قطع وإكسسوارات السيّارات تمكّنت من الاستحواذ على الفكرة. قدّمت شركة «ألبين» نظاماً يستخدم قرصاً مدمجاً مخزّناً للخرائط عام 1997 ومن ثمّ لحقت بها شركة «غارمين» عام 1998.
تعود جذور تقنية الـ«جي بي إس». إلى عام 1842 عندما قدّم عالم الفيزياء النمساوي كريستيان أندرياس دوبلر وصفاً لتأثير الحركة على تردّدات الموجات الصوتية. يظهر هذا المبدأ الذي يعرف بتأثير دوبلر بوضوح في صافرة القطار المقبل: عندما يقترب القطار من النّاس، يصل عدد أكبر من الموجات الصوتية إلى أذنهم فيزيد الاهتزاز، ومع ابتعاده، يتراجع الاهتزاز.
وفي أواخر الخمسينات، أي أيّام القمر الروسي سبوتنيك الحماسية، أثبت العلماء أنّه يمكن تعقّب قمرٍ صناعي يدور حول الأرض من خلال بثّ إرسال موجات صغرى باتجاهه ومراقبة تأثير حركتها على تردّد الإرسال في طريق عودته.
في أواسط الستينات، احتاجت البحرية الأميركية إلى تعقّب الغواصات التي تحمل أسلحة نووية، فاستخدم علماؤها ستّة أقمار صناعية تدور حول الأرض ووجدوا أنّهم يستطيعون مراقبة التغيّرات وفقاً لتأثير دوبلر عند بثّ الغواصات لموجات لاسلكية باتجاه الأقمار الصناعية، ما سمح لهم بتحديد مواقع الغواصات حسابياً.
طوّرت وزارة الدفاع هذه الفكرة في أوائل السبعينات عندما بدأت بتصميم نظام ملاحة دقيق يعتمد على الأقمار الصناعية. أطلق أوّل نظام ملاحي مدعوم بقمر صناعي يحدّد التوقيت والنطاق يحمل اسم «نافستار» عام 1978، بينما دخلت أوّل مجموعة كاملة مؤلّفة من 24 قمرا صناعيا من نوع «نافستار» حيّز التشغيل عام 1993.
في الماضي، تتبّعت تقنية الـ«جي بي إس». الغواصات وها هي اليوم تتحوّل إلى أنظمة أقوى بكثير تقدّم المساعدة للأفراد للعثور على أفضل المطاعم.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«لوسيد» تعيِّن رئيساً جديداً... و«السيادي السعودي» و«أوبر» يلتزمان بضخ 750 مليون دولار

الاقتصاد سيارة «لوسيد» بشعار «صنع في السعودية» (واس)

«لوسيد» تعيِّن رئيساً جديداً... و«السيادي السعودي» و«أوبر» يلتزمان بضخ 750 مليون دولار

أعلنت شركة «لوسيد غروب» عن تطورات شملت تعيين رئيس تنفيذي جديد، وضخ استثمارات بقيمة 750 مليون دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وشركة «لوسيد».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سيارة تمر بجانب مركبات أخرى متوقفة مغطاة بالثلوج في موقف بريشوف في بولندا (رويترز)

أسواق أوروبا تواجه أول هبوط سنوي لمبيعات السيارات منذ يونيو

تراجعت مبيعات السيارات في أوروبا خلال يناير (كانون الثاني)، مع انخفاض حاد في مبيعات سيارات البنزين، حسب بيانات صادرة عن رابطة مُصنّعي السيارات الأوروبية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا جانب من «مقابر السيارات» في القاهرة (وزارة التنمية المحلية)

مصر لإخلاء «مقابر السيارات» من أجل مشروعات استثمارية

تعمل مصر على إخلاء «مقابر السيارات» خارج الحيز العمراني من أجل إقامة مشروعات استثمارية، في خطوة أرجعتها الحكومة إلى «دعم خطط التنمية العمرانية».

عصام فضل (القاهرة )
يوميات الشرق آثار قرن من التاريخ (شاترستوك)

بعد 90 عاماً... سيارة من زمن الحرب تعود إلى الطريق

نجح أحد هواة جمع السيارات القديمة الألمان في إعادة أقدم سيارة من طراز «فولكس فاغن بيتل» إلى الحياة مرة أخرى بعد مرور نحو 90 عاماً على إنتاجها.

«الشرق الأوسط» (هيسيش أولدندورف - ألمانيا)
الاقتصاد تعرض شاشة البيانات المالية أداء مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

مستويات قياسية للأسهم الكورية بدعم من طفرة السيارات والذكاء الاصطناعي

سجلت الأسهم الكورية الجنوبية مستويات قياسية جديدة، خلال تعاملات يوم الاثنين، مدفوعة بارتفاع قوي في أسهم شركات صناعة السيارات.

«الشرق الأوسط» (سيول)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.