السيارات تدخل عصر الملاحة الدقيقة

نظم مطورة ومدمجة لتسهيل القيادة على الطرقات

نظام الملاحة في سيارة «فورد برونكو 2021»
نظام الملاحة في سيارة «فورد برونكو 2021»
TT

السيارات تدخل عصر الملاحة الدقيقة

نظام الملاحة في سيارة «فورد برونكو 2021»
نظام الملاحة في سيارة «فورد برونكو 2021»

في المرّة المقبلة، عندما يأخذكم نظام الملاحة في سيارتكم إلى باب مطعم رائع يقدّم أشهى الأطباق، لا تنسوا أن تشكروا ما يُعرف بـ«نظام التموضع العالمي» الشهير بـ«جي بي إس». الذي طوره الجيش الأميركي، وهو عبارة عن شبكة من الأقمار الصناعية التي تتيح تحديد أي موقع على وجه الكوكب.

إرشادات التجول
ولكنّ تقنية الـ«جي بي إس». التي طوّرها الجيش الأميركي لم تكن أوّل خيارات السائقين للحصول على المساعدة والوصول إلى وجهتهم. ففي ثلاثينات القرن الماضي، برز جهاز «إيتر آفتو» الذي يقدّم إرشادات ملاحية. كان هذا الجهاز الذي يُثبّت على لوح مقصورة السيّارة الأمامي، يعتمد على تصفّح خرائط ورقية وسلك يصله بعدّاد السرعة بهدف تتبّع طريقٍ معيّن بشكلٍ تقريبي ما دام أن السائق يسير في الطريق الصحيح لأنّ الخروج عنه ولو للحظات كان يمكن أن يُذهب جهود الجهاز سدى.
تطوّرت تقنيات تحديد المواقع خلال السنوات الماضية ولو ببطء حتّى أصبحت تقنية الـ«جي بي إس». رفيقاً لا غنى عنه أثناء القيادة وباتت الهواتف تعتمد على إشاراته الصادرة عن الأقمار الصناعية في خدمات متعدّدة أبرزها «الملاحة» بمفهومها البري أيضا.
ولكنّ استخدام الهاتف للملاحة أثناء القيادة لا يخلو من الجوانب السلبية ولا سيّما إذا كان لا يتوافق مع نظام المعلومات والترفيه الخاص بسيّارة المستخدم أو إذا كان تثبيت الهاتف صعباً، فضلاً عن أنّ اعتماد الهواتف الذكية على الإرسال الخلوي للحصول على بيانات الخرائط قد يصطدم بتعثّر التغطية في مناطق كالجبال يكون الإرسال فيها ضعيفاً. ولكنّ الهواتف الذكية سهلة الاستخدام والجميع تقريباً يحملها اليوم.

أجهزة حديثة
وتعمل كلّ من غوغل وآبل على تحديث خرائطهما بشكل أوتوماتيكي كلّ ما استدعت الحاجة حتّى أنّ العربات الحديثة باتت تتيح لتطبيقات «كار بلاي» من آبل Apple CarPlay و«آندرويد أوتو» Android Auto العمل على الشاشة المثبّتة في لوح السيّارة الأمامي.
وتعتبر أجهزة الملاحة الحديثة التي يتمّ تثبيتها فوق أو على لوح مقصورة العربة الأمامي خطوة متقدّمة عن الهواتف الذكية وجهاز «إيتر آفتو». على سبيل المثال، يمكن للمستهلك طلب نظام «غارمين درايف سمارت 61 إل إم تي - إس». Garmin DriveSmart 61 LMT - S للملاحة مع شاشة بمقاس 6.95 بوصة للحصول على رؤية أفضل. ويقدم غارمين للمستهلكين توجيهات صوتية مفصّلة ومنظّمة ويستخدم أسماء الشوارع والمعالم بالإضافة إلى النقاط المهمّة والمستشفيات ويصدر تحذيرات من الازدحام المروري ويعرض على شاشته حدود السرعات المسموح بها والتحذيرات الضرورية لسلامة السائق. وتتوفّر في الأسواق نماذج أخرى دقيقة أبرزها «توم توم» و«ماجيلّان» مع مجموعة كاملة من الخصائص المتطوّرة.
تأتي أنظمة الملاحة العصرية محمّلة بخرائط المواقع وتشهد تحديثات لاسلكية عند الحاجة. إذا كنتم تبحثون عن أحدها، يمكنكم العثور عليها في «لائحة أفضل أنظمة الملاحة» عبر شبكة الإنترنت.

أنظمة مدمجة
والآن حان دور أنظمة الملاحة المدمجة صناعياً في السيّارات والتي تتفوّق على الهواتف الذكية والأجهزة التي تُثبت على لوح مقصورة السيّارة الأمامي.
تقدّم هذه الأنظمة التي يتمّ تركيبها أثناء مرحلة الصناعة، لمستخدمها دقّة أفضل ومزايا أكثر واندماجا أكبر. وتأتي عادة مع شاشات أعلى جودة، فضلاً عن أنّها لا تشكّل عامل جذبٍ للسارقين كما هو في الأجهزة الظاهرة التي يتمّ تركيبها على لوح مقصورة السيّارة الأمامي.
تحتوي هذه الأنظمة المدمجة أيضاً على رقائق أقوى من النماذج المنفصلة وتضمّ هوائيات متينة موضوعة في أماكن أفضل.
يُعدّ نظام الملاحة المستخدم في سيّارة «كاديلاك إسكالاد 2021» Cadillac Escalade أحد أفضل الأمثلة على التطوّر الذي بلغته هذه التقنية. فإذا اخترتم مثلاً توجيهات صوتية في لائحة خيارات النظام، يعمل الصوت وفقاً للمهمّة المطلوبة. وعند الاقتراب من منعطف إلى جهة اليمين، يأتي الصوت من الجهة اليمنى في المركبة ومع اقترابكم من تقاطع طرق، يرتفع صوت التّوجيه أكثر. وإذا كنتم تكرهون الصوت المحيط الصادر عن 36 مكبّر صوت يضمّها النظام، فيمكنكم إسكاته والاعتماد بدلاً منه على الشاشة العريضة (16.9 بوصة) العالية الدقّة المتوفّرة في نظام المعلومات والترفيه.
ويضمّ نظام الملاحة أيضاً شاشة إضافية لعرض توجيهات الطرقات مثبّتة على زجاج السيّارة الأمامي، ويزوّدكم بخريطة عالية الدقّة ويعرض لكم صوراً للافتات المرورية في التقاطعات الأساسية. كما يتيح لكم اختيار تقنية الواقع المعزّز المتوفّرة للحصول على صورة مع خريطة مفصّلة للطريق الذي ستسلكونه.
عند اختيار الوجهة، وعند الوصول، يزوّدكم النظام بصورٍ لتعرفوا ما الذي تبحثون عنه، فضلاً عن أنّه قد يطلعكم على تفاصيل المنطقة المحيطة.
يستعين النظام بهذه الصور من برنامج «غوغل ستريت فيو» الذي يضمّ ملايين الصور البانورامية الصادرة عن أعمال الشركة نفسها ومساهمات الأشخاص العاديين بواسطة كاميراتهم. تعتمد معظم أنظمة الملاحة المدمجة في السيّارات على خدمات غوغل الخاصة بالخرائط والتصوير ومنها نظام الملاحة الخاص بشركة تيسلا الذي يزوّد مستخدمه بصور جويّة مصدرها برنامج «غوغل إيرث» عبر شاشته (17 بوصة).
تقدّم العلامات التجارية الكبرى في عالم صناعة السيّارات كتيسلا ومرسيدس بنز وكاديلاك أنظمة ملاحة غنية بالخصائص ولكن هذا لا يعني أنّكم يجب أن تنفقوا مئات آلاف الدولارات للحصول على إرشادات جي بي إس.

تنوع الخيارات
في سياق متصل، كشفت أحدث تقارير جمعية «كونسيومر ريبوتس» أنّ نظام الملاحة «يو كونبكت» Uconnect من كرايسلر يحظى بإعجاب كبير من السائقين ومالكي السيّارات.
على سبيل المثال، ففي سيّارة «جيب شيروكي»، يمكن للسائق أن يشغّل نظام «يو كونبكت» بسهولة من خلال النطق بالعنوان المستهدف. يستخدم هذا النظام أجهزة استشعار لمساعدة الـ«جي بي إس». في أماكن معيّنة كالأنفاق ومرائب ركن السيّارات قد يخسر فيها اتصاله بالأقمار الصناعية. وأيضاً، تقدّم سيّارة «فورد بونكو 2021» المصممة لاستكشاف ما هو أبعد من نهاية الطريق، نظام «سينك 4» SYNC 4 للملاحة على شاشة بمقاس 12 بوصة في الموديلات التي يبدأ سعرها من 40 ألف دولار. يساعد هذا النظام الملاحي المدعوم بتقنية «جي بي إس». السائقين في العثور على أصعب الطرقات وأكثرها تعقيداً ويقدّم مشاهد مصوّرة بواسطة الكاميرا للأشخاص الذين يرغبون بالتجوّل في الطرقات الجبلية الوعرة.

تاريخ حافل
وصلت أنظمة الملاحة المدمجة في السيّارات إلى مرحلة من التقدّم المبهر في السنوات الأخيرة، ولكنّ النماذج الأولى منها كانت متواضعة جداً. ففي عام 1981 طوّرت شركات هوندا و«ستانلي إلكتريك» و«ألبين» نظام «جيرو - كاتور» الذي يستخدم جيروسكوبا (أداة لتحديد الاتجاهات) لرسم خرائط جامدة وشفّافة لتقديم رسمٍ للطريق على شاشة مضيئة. بيع هذا النظام في اليابان فقط وزاد على سعر السيّارة التي دخل في تصميمها مبلغ 1750 دولارا مقدّماً أداءً لا بأس به. وأثبت هذا النظام أنّ توفّر نقطة البداية والسرعة والوجهة يتيح احتساب المسافة حتّى الموقع المطلوب وهذا ما دفع المهندسين إلى تسميته بنظام تقدير الموضع.
وتبع هذا النظام أنظمة أخرى لتقدير الموضع اعتمد بعضها على الخرائط الرقمية المحفوظة على أشرطة أو غيرها من الوسائط إلّا أن هذا النوع من الأنظمة يفتقر إلى الدقّة وينطوي على احتمالات إخفاق كبيرة.
بعدها برز وتطوّر نظاما الـ«جي بي إس». والملاحة وظهر أوّل نظام مدمج بينهما في شركة مصنّعة للسيارات عام 1990 في سيّارة «مازدا أونوس كوزمو» التي توفّرت في اليابان، ثمّ تبعتها شركة جنرال موتورز عام 1992 بنظام أدخلته إلى السيّارات المصممة للإيجار فقط.
وفي 1995، أصبح نظام الجي بي إس الملاحي خياراً يمكن إضافته على سيّارات «أولدس موبايل 88». كان هذا النظام يعتمد على خرائط محفوظة على خراطيش وتمّ بيعه للمرّة الأولى مزوّداً بخرائط للاس فيغاس وكاليفورنيا فقط، وبعدها تمّت إضافة خراطيش أخرى.
عمد صانعو السيّارات إلى إضافة أنظمة الـ«جي بي إس». الملاحية إلى الموديلات الفاخرة تدريجياً ولكنّ وكالات صناعة قطع وإكسسوارات السيّارات تمكّنت من الاستحواذ على الفكرة. قدّمت شركة «ألبين» نظاماً يستخدم قرصاً مدمجاً مخزّناً للخرائط عام 1997 ومن ثمّ لحقت بها شركة «غارمين» عام 1998.
تعود جذور تقنية الـ«جي بي إس». إلى عام 1842 عندما قدّم عالم الفيزياء النمساوي كريستيان أندرياس دوبلر وصفاً لتأثير الحركة على تردّدات الموجات الصوتية. يظهر هذا المبدأ الذي يعرف بتأثير دوبلر بوضوح في صافرة القطار المقبل: عندما يقترب القطار من النّاس، يصل عدد أكبر من الموجات الصوتية إلى أذنهم فيزيد الاهتزاز، ومع ابتعاده، يتراجع الاهتزاز.
وفي أواخر الخمسينات، أي أيّام القمر الروسي سبوتنيك الحماسية، أثبت العلماء أنّه يمكن تعقّب قمرٍ صناعي يدور حول الأرض من خلال بثّ إرسال موجات صغرى باتجاهه ومراقبة تأثير حركتها على تردّد الإرسال في طريق عودته.
في أواسط الستينات، احتاجت البحرية الأميركية إلى تعقّب الغواصات التي تحمل أسلحة نووية، فاستخدم علماؤها ستّة أقمار صناعية تدور حول الأرض ووجدوا أنّهم يستطيعون مراقبة التغيّرات وفقاً لتأثير دوبلر عند بثّ الغواصات لموجات لاسلكية باتجاه الأقمار الصناعية، ما سمح لهم بتحديد مواقع الغواصات حسابياً.
طوّرت وزارة الدفاع هذه الفكرة في أوائل السبعينات عندما بدأت بتصميم نظام ملاحة دقيق يعتمد على الأقمار الصناعية. أطلق أوّل نظام ملاحي مدعوم بقمر صناعي يحدّد التوقيت والنطاق يحمل اسم «نافستار» عام 1978، بينما دخلت أوّل مجموعة كاملة مؤلّفة من 24 قمرا صناعيا من نوع «نافستار» حيّز التشغيل عام 1993.
في الماضي، تتبّعت تقنية الـ«جي بي إس». الغواصات وها هي اليوم تتحوّل إلى أنظمة أقوى بكثير تقدّم المساعدة للأفراد للعثور على أفضل المطاعم.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مصر لإخلاء «مقابر السيارات» من أجل مشروعات استثمارية

شمال افريقيا جانب من «مقابر السيارات» في القاهرة (وزارة التنمية المحلية)

مصر لإخلاء «مقابر السيارات» من أجل مشروعات استثمارية

تعمل مصر على إخلاء «مقابر السيارات» خارج الحيز العمراني من أجل إقامة مشروعات استثمارية، في خطوة أرجعتها الحكومة إلى «دعم خطط التنمية العمرانية».

عصام فضل (القاهرة )
يوميات الشرق آثار قرن من التاريخ (شاترستوك)

بعد 90 عاماً... سيارة من زمن الحرب تعود إلى الطريق

نجح أحد هواة جمع السيارات القديمة الألمان في إعادة أقدم سيارة من طراز «فولكس فاغن بيتل» إلى الحياة مرة أخرى بعد مرور نحو 90 عاماً على إنتاجها.

«الشرق الأوسط» (هيسيش أولدندورف - ألمانيا)
الاقتصاد تعرض شاشة البيانات المالية أداء مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

مستويات قياسية للأسهم الكورية بدعم من طفرة السيارات والذكاء الاصطناعي

سجلت الأسهم الكورية الجنوبية مستويات قياسية جديدة، خلال تعاملات يوم الاثنين، مدفوعة بارتفاع قوي في أسهم شركات صناعة السيارات.

«الشرق الأوسط» (سيول)
عالم الاعمال «بي إم دبليو» الشرق الأوسط تختتم 2025 بنمو قوي عبر كامل محفظتها

«بي إم دبليو» الشرق الأوسط تختتم 2025 بنمو قوي عبر كامل محفظتها

اختتمت مجموعة «بي إم دبليو» الشرق الأوسط عام 2025 بنتائج قوية ونمو مستدام عبر كامل محفظتها التي تشمل علامات «بي إم دبليو» و«ميني» و«بي إم دبليو موتورد».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الفريق البحثي طور عملية تصنيع مبتكرة لبطاريات الحالة الصلبة (معهد بول شيرر السويسري)

تقنية جديدة لمكافحة اشتعال البطاريات الكهربائية ورفع كفاءتها

كشف باحثون في معهد «بول شيرر» السويسري عن تقنية جديدة تمثل اختراقاً مهماً يقرب بطاريات الليثيوم المعدنية ذات الحالة الصلبة من التطبيق العملي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
TT

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)

أحدث نموذج جديد للذكاء الاصطناعي، طوّرته «بايت دانس» الشركة الصينية المطورة لتطبيق «تيك توك»، ضجةً في هوليوود هذا الأسبوع، ليس فقط بسبب قدراته، بل لما قد يُحدثه من تغيير في الصناعات الإبداعية.

ووفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، يستطيع تطبيق «سيدانس» إنتاج فيديوهات بجودة سينمائية، مع مؤثرات صوتية وحوارات، بمجرد إدخال بعض النصوص.

وكانت انتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو يُزعم أنها صُنعت باستخدام «سيدانس»، وتضم شخصيات شهيرة مثل «سبايدرمان» و«ديبول».

وسارعت استوديوهات كبرى مثل «ديزني» و«باراماونت» إلى اتهام «بايت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية، لكن المخاوف بشأن هذه التقنية تتجاوز المسائل القانونية.

شعار شركة «بايت دانس» الصينية للتكنولوجيا (رويترز)

ما هو «سيدانس»؟ ولماذا كل هذه الضجة؟

أُطلق «سيدانس» في يونيو (حزيران) 2025 دون ضجة كبيرة، لكن النسخة الثانية التي صدرت بعد ثمانية أشهر هي التي أثارت ضجة كبيرة.

يقول يان ويليم بلوم، من استوديو «فيديو ستيت» الإبداعي: ​​«للمرة الأولى، لا أظن أن هذا يبدو جيداً للذكاء الاصطناعي، بل أظن أنه من عملية إنتاج حقيقية».

ويضيف أن نماذج الفيديو الغربية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد أحرزت تقدماً في معالجة تعليمات المستخدم لإنتاج صور مذهلة، لكن يبدو أن «سيدانس» قد جمع كل شيء معاً.

ومثل أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى يستطيع «سيدانس» إنشاء مقاطع فيديو من نصوص قصيرة، وفي بعض الحالات يبدو أن مجرد إدخال نص واحد ينتج مقاطع فيديو عالية الجودة.

وتقول مارغريت ميتشل، الباحثة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إن الأمر مثير للإعجاب بشكل خاص؛ لأنه يجمع بين النص والصورة والصوت في نظام واحد.

ويُقاس تأثير «سيدانس» بمعيار غير متوقع: مدى جودة إنتاجه لمقطع فيديو لويل سميث وهو يأكل معكرونة، حيث لا يقتصر دور «سيدانس» على ابتكار نسخة واقعية بشكل مذهل للنجم وهو يتناول طبقاً من المعكرونة، بل أنتج أيضاً مقاطع فيديو انتشرت كالنار في الهشيم لسميث وهو يقاتل وحشاً من المعكرونة، ويبدو كل ذلك وكأنه فيلم ضخم الإنتاج.

ويعتقد العديد من خبراء الصناعة وصنّاع الأفلام أن «سيدانس» يمثل فصلاً جديداً في تطوير تقنية توليد الفيديو.

ويقول ديفيد كوك، مدير استوديو للرسوم المتحركة في سنغافورة، إن مشاهد الحركة المعقدة التي ينتجها تبدو أكثر واقعية من منافسيه، ويضيف: «يكاد المرء يشعر وكأنه يستعين بمدير تصوير أو مصور سينمائي متخصص في أفلام الحركة».

الوعد والتحدي

واجه «سيدانس» مشاكل تتعلق بحقوق النشر، وهو تحدٍّ متزايد في عصر الذكاء الاصطناعي، ويحذر الخبراء من أن شركات الذكاء الاصطناعي تُعطي الأولوية للتكنولوجيا على حساب البشر؛ إذ تُطوّر أدوات أكثر قوة وتستخدم البيانات دون مقابل.

واشتكت كبرى شركات هوليوود من استخدام شركة «سيدانس» شخصيات محمية بحقوق الطبع والنشر مثل «سبايدرمان» و«دارث فيدر».

وأصدرت «ديزني» و«باراماونت» خطابات إنذار تطالب «سيدانس» بالتوقف عن استخدام محتواهما، كما تُجري اليابان تحقيقاً مع «بايت دانس» بتهمة انتهاكات حقوق الطبع والنشر، بعد انتشار مقاطع فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي لشخصيات «أنمي» شهيرة.

وقالت «بايت دانس» إنها تتخذ خطوات لـ«تعزيز الضمانات الحالية».

ولفتت «بي بي سي» إلى أن هذا ليس حكراً على الشركة الصينية. ففي عام 2023، رفعت صحيفة «نيويورك تايمز» دعوى قضائية ضد شركتَي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت»، مدعيةً أنهما استخدمتا مقالاتها دون إذن لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بهما. كما رفعت «ريديت» دعوى قضائية ضد شركة «بيربلكسيتي» العام الماضي، مدعيةً أن شركة الذكاء الاصطناعي قامت بجمع منشورات المستخدمين بشكل غير قانوني. وأثارت «ديزني» مخاوف مماثلة مع «غوغل».

وتقول ميتشل إنّ وضع علامات واضحة على المحتوى لمنع التضليل وبناء ثقة الجمهور في الذكاء الاصطناعي أهم بكثير من مقاطع الفيديو «الأكثر جاذبية».

وتضيف أنّه لهذا السبب يجب على المطورين بناء أنظمة لإدارة التراخيص والمدفوعات، وتوفير آليات واضحة للأفراد للاعتراض على إساءة الاستخدام. فعلى سبيل المثال، وقّعت «ديزني» صفقة بقيمة مليار دولار (730 مليون جنيه إسترليني) مع برنامج «سورا» من «أوبن إيه آي» ليتمكن من استخدام شخصيات من أفلامها.

ويقول شانان كوهني، الباحث في مجال الحوسبة بجامعة ملبورن، إنّ مطوري «سيدانس» كانوا على الأرجح على دراية بمشاكل حقوق النشر المحتملة المتعلقة باستخدام الملكية الفكرية الغربية، ومع ذلك خاطروا.

ويضيف: «هناك مجال واسع لتجاوز القواعد استراتيجياً، وتجاهلها لفترة من الوقت، واكتساب نفوذ تسويقي».

وفي الوقت نفسه، بالنسبة للشركات الصغيرة، يُعدّ «سيدانس» أداة بالغة الأهمية لا يمكن تجاهلها.

«بايت دانس»... الشركة الأم لـ«تيك توك» (أ.ف.ب)

ويقول كوك إن الذكاء الاصطناعي بهذه الجودة سيمكّن شركات مثل شركته من إنتاج أفلام كانت تكلفتها تفوق بكثير إمكاناتها الحالية.

وأعطى مثالاً بازدهار مقاطع الفيديو القصيرة والمسلسلات الدرامية القصيرة في آسيا، والتي تُنتج عادةً بميزانيات متواضعة - نحو 140 ألف دولار أميركي لما يصل إلى 80 حلقة، لا تتجاوز مدة كل منها دقيقتين.

وقد اقتصرت هذه الإنتاجات على الأعمال الرومانسية أو الدراما العائلية لخفض التكاليف؛ نظراً لقلة حاجتها إلى المؤثرات البصرية، لكن الذكاء الاصطناعي الآن قادر على «الارتقاء بالإنتاجات منخفضة الميزانية إلى أنواع أكثر طموحاً مثل الخيال العلمي، والدراما التاريخية، والآن الحركة».


البيت الأبيض: أميركا ترفض «بشكل قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي

مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

البيت الأبيض: أميركا ترفض «بشكل قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي

مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

صرَّح مستشار البيت الأبيض لشؤون التكنولوجيا مايكل كراتسيوس، الجمعة، بأن الولايات المتحدة ترفض «رفضاً قاطعاً» الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

وجاءت تصريحات كراتسيوس، رئيس وفد بلاده إلى «مؤتمر الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي، قبل بيان مرتقب للقادة يحدِّد رؤيةً مشتركةً لكيفية التعامل مع هذه التقنية المثيرة للجدل.

وقال في القمة التي تختتم أعمالها الجمعة: «كما صرَّحت إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب مراراً: نرفض رفضاً قاطعاً الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي».

وأضاف: «لا يمكن لاعتماد الذكاء الاصطناعي أن يُفضي إلى مستقبل أفضل إذا كان خاضعاً للبيروقراطية والسيطرة المركزية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد صرَّح، صباح الجمعة، بأن لجنة خبراء جديدة شكَّلتها المنظمة الدولية تسعى إلى «جعل التحكم البشري واقعاً تقنياً».

وأعلن غوتيريش تشكيل المجموعة الاستشارية في أغسطس (آب)، والتي تسعى إلى أن تكون على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ في مجال الاحتباس الحراري، وقد تمّ تأكيد أعضائها الأربعين.

و«مؤتمر الذكاء الاصطناعي» رابع تجمع دولي سنوي يُركّز على المخاطر والفرص التي تُتيحها قوة الحوسبة المتقدمة.

سوندار بيتشاي الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل» يتحدث خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (أ.ب)

وفي النسخة التي عُقدت العام الماضي في باريس، حذَّر نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، من «الإفراط في التنظيم» الذي «قد يقضي على قطاع قادر على إحداث تحوّل».

وفي نيودلهي، قال كراتسيوس: «إن النقاش الدولي حول الذكاء الاصطناعي قد تطوّر، كما تؤكده هذه القمة نفسها»، مُشيراً إلى تغيير اسم الاجتماع من «أمان الذكاء الاصطناعي» (AI Safety) إلى «تأثير الذكاء الاصطناعي» (AI Impact).

وأضاف: «هذا تطور إيجابي دون شك... لكن كثيراً من المنتديات الدولية، مثل الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، لا تزال تتسم بأجواء من الخوف».

وأضاف كراتسيوس: «علينا أن نستبدل الأمل بهذا الخوف»، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي قادر على «الارتقاء بمستوى معيشة البشرية وتحقيق ازدهار غير مسبوق».

ورأى أن «الهوس الآيديولوجي وتركيز الاهتمام على المخاطر، مثل قضايا المناخ أو العدالة، يتحوَّل إلى مُبرِّر للبيروقراطية وزيادة المركزية».

وتابع: «باسم الأمن، تزيد هذه الهواجس من خطر استخدام هذه الأدوات لأغراض استبدادية».

وقال كراتسيوس: «إن تركيز سياسة الذكاء الاصطناعي على الأمن والمخاطر التخمينية... يُعيق بيئة تنافسية، ويُرسخ هيمنة الشركات القائمة، ويعزل الدول النامية عن المشارَكة الكاملة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي».


غوتيريش: لجنة أممية تسعى لضمان «تحكم بشري» في الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش: لجنة أممية تسعى لضمان «تحكم بشري» في الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الجمعة، إلى «تقليل التهويل والخوف» بشأن الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى تشكيل لجنة خبراء دولية جديدة تسعى إلى «جعل التحكم البشري واقعاً تقنياً».

وأوضح غوتيريش أن الجمعية العامة للأمم المتحدة صادقت على تعيين 40 عضواً في هذه المجموعة، التي أُطلق عليها «الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي».

وقال خلال القمة حول الذكاء الاصطناعي في نيودلهي إن «الحوكمة القائمة على العلم لا تُعوق التقدم»، بل يمكن أن تجعله «أكثر أماناً وعدلاً وانتشاراً».

وأضاف: «الرسالة واضحة: تقليل التهويل والخوف، وزيادة الحقائق والأدلة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

أُنشئت هذه الهيئة الاستشارية في أغسطس (آب) الماضي، وهي تسعى لأن تكون مرجعاً في مجال الذكاء الاصطناعي، على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في مجال الاحتباس الحراري.

ومن المتوقع أن تنشر تقريرها الأول بالتزامن مع انعقاد الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في يوليو (تموز).

وتهدف الهيئة إلى مساعدة الحكومات في وضع قواعد للذكاء الاصطناعي، في ظل ما تُثيره هذه التقنية السريعة التطور من مخاوف عالمية بشأن فقدان وظائف والمعلومات المضللة والإساءة عبر الإنترنت، وغيرها من المشكلات.

وقال غوتيريش إن «ابتكارات الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة فائقة، تتجاوز قدرتنا الجماعية على فهمها بشكل كامل، فضلاً عن إدارتها». وأضاف: «إننا نندفع نحو المجهول». وتابع: «عندما نفهم ما تستطيع الأنظمة فعله وما لا تستطيع، سنتمكن من الانتقال من التدابير التقريبية إلى ضوابط أكثر ذكاءً قائمة على تقييم المخاطر».

وقدّم غوتيريش هذا الشهر قائمة بأسماء خبراء اقترحهم للانضمام إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بالذكاء الاصطناعي، ومن بينهم الصحافية الحائزة جائزة «نوبل للسلام» ماريا ريسا من الفلبين، والرائد في مجال الذكاء الاصطناعي الكندي يوشوا بنغيو.

وقال: «هدفنا جعل التحكم البشري حقيقة تقنية، لا مجرد شعار». وأكد أن ذلك «يتطلب مساءلة واضحة، بحيث لا يُعهد بالمسؤولية أبداً إلى خوارزمية».

ومن المتوقع أن يُصدر العشرات من قادة العالم والوزراء في وقت لاحق الجمعة بياناً يحدد ملامح التعامل العالمي مع الذكاء الاصطناعي، وذلك في ختام قمة استمرت خمسة أيام، وتركزت أعمالها على هذه التكنولوجيا.