بدعوة من «البنتاغون»… العيسى يحاضر حول المنظمات العنيفة ورسائلها الموجهة

الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى (الشرق الأوسط)
الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى (الشرق الأوسط)
TT

بدعوة من «البنتاغون»… العيسى يحاضر حول المنظمات العنيفة ورسائلها الموجهة

الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى (الشرق الأوسط)
الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى (الشرق الأوسط)

بدعوة من «مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية (نيسا)» التابع لوزارة الدفاع الأميركية، ألقى الأمين العام لـ«رابطة العالم الإسلامي» رئيس «هيئة علماء المسلمين» الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى محاضرة على كبار التنفيذيين تتحدث عن قدرة المنظمات العنيفة على التكيف والرسائل الموجهة.
شمل حديث الشيخ العيسى إلقاء الضوء على تقييم عواقب التطرف العنيف حول العالم، وتحليل دور المجتمعات الوطنية بكل فعالياتها في التعامل مع اتجاهات التطرف العنيف، مستعرضاً تجربة «رابطة العالم الإسلامي» في مكافحة التطرف العنيف، وتحديداً المبادرات المقدمة منها في هذا، خصوصاً مخرجات المؤتمر الذي نظمته الرابطة واستضافه مقر الأمم المتحدة بجنيف في فبراير (شباط) 2020 بحضور عدد من الشخصيات القيادية حول العالم؛ الدينية والفكرية والبرلمانية والحكومية، وعدد من الأكاديميين المختصين، ومن بين الحضور رؤساء برلمانات وعدد من الوزراء، وصدر عنه «إعلان جنيف» مشتملاً على 28 مبادرة بآلياتها التنفيذية؛ منها مبادرات: «أسباب ومعالجة تطرف بعض الشباب المتدين»، و«كيف نواجه التطرف العنف؟»، و«التهميش والفقر كأسباب للتطرف العنيف ـ التشخيص والتحليل والمعالجة»، و«معالجة استدلالات التطرف بالنصوص الدينية والوقائع التاريخية»، و«معالجة توظيف التطرف العنيف للإعلام الجديد»، و«الإحصاءات والقياسات الصحيحة في دراسات التطرف والتطرف العنيف»، و«تقويم الجهود الأممية في محاربة التطرف العنيف والإرهاب»، و«بين القوة الناعمة والقوة الصلبة في محاربة التطرف العنيف»، و«سلام الحضارات»، و«الصداقة والتعاون بين الأمم والشعوب من أجل عالم أكثر تفاهماً ومجتمعات أكثر وئاماً واندماجاً»، و«الهوية الدينية والهوية الوطنية بين مفهومي التعارض والتكامل»... وغيرها من المبادرات المهمة والتي ناقشها حضور المؤتمر من كبار المختصين حول العالم.
كما تطرق الشيخ العيسى في محاضرته إلى أهمية فهم طبيعة التطرف، مبيناً أنه بشكل عام هو حالة خارجة عن حد الاعتدال، مشيراً إلى أن «المصطلحات تختلف في فهمها؛ فـ(التطرف) في السياق الإسلامي غالباً ما ينصرف إلى تبني أفكار حادة تمارس العنف أو الإرهاب، أو تحرض عليه، أو تنشئ محاضن فكرية لعناصر العنف أو الإرهاب. على حين غالباً ما يُفهم مصطلح (التطرف) خارج السياق الإسلامي؛ وتحديداً في الغرب، على أنه يمثل رأياً ينحو نحو أقصى اليمين، وقد يُمَثّل رأياً حاداً لا أكثر، لا سيما إذا كان الاسم مجرداً من أي وصف آخر يصفه بالعنف أو الإرهاب، لكن من المهم أن نستوعب هذه الفوارق منعاً لأي لبس».
ثم تطرق الشيخ العيسى إلى محور آخر يتعلق بفهم طبيعة التطرف، وقال: «حتى نفهم طبيعته؛ فلا بد من أن نفهم الأسباب التي تحمل المتطرفين على التطرف»، ثم استعرض عدداً منها وشرع في تفصيلاتها والتعليق عليها.
وركز على أن «التطرف أخذ فترة طويلة وهو يُروج لآيديولوجيته حول العالم، دون أن تكون هناك مواجهة علمية وفكرية قوية»، مؤكداً أن «التطرف لم يقم على كيان سياسي مجرد ولا على قوة عسكرية؛ وإنما على آيديولوجية استطاعت الترويج لنفسها وتمرير أفكارها في ظل غياب المواجهة العلمية والفكرية اللازمة، ومن هنا تمكن من خطف بعض الشباب، مستفيداً كذلك من مناطق الصراع السياسي؛ حيث تكاثر في مستنقعاتها مستغلاً العاطفة الدينية المجردة عن الوعي».
وقال: «التطرف استطاع التعمق في منطقة الفراغ السابقة، ومن ثم تكوين جيل من المتطرفين أصبحوا على أنواع»؛ ثم شرع في الحديث عنهم بالتفصيل، وكيف يمكن التعامل معهم، موضحاً أن «التطرف الإرهابي لم يعد بحاجة إلى شيء أكثر من توظيفه لتقنية العالم الافتراضي الذي استطاع من خلاله اختراق الحدود وإيصال كل رسائله لأي مكان بكل سهولة، كما أن هذا العالم الافتراضي قلل من اعتماد التطرف الإرهابي على المال، علاوة على أن الإرهاب، بخاصة إرهاب (داعش) اتخذ استراتيجية جديدة؛ فعملية إرهابية واحدة يمكن لها أن تُسمّع العالم قد لا تكلف سوى سيارة مسروقة أو سلاح أبيض أو سلاح ناري يملكه الإرهابي، أو تصنيع قنبلة بشكل ذاتي، ولهذا من المهم التعويل بالدرجة الأولى في استئصال تلك الأفكار على الأفكار المضادة لها»، ثم أوضح «كيف يمكن لنا العمل على تلك المواجهة المضادة».
ومضى الدكتور العيسى في شرح «التوظيف السلبي لرسائل التشدد الديني»، مؤكداً أن «النسبة العالية في استقطاب التطرف للشباب ترتكز على توظيف العاطفة الدينية المجردة عن الوعي، واستغلال عدد من القضايا، بخاصة بعض القضايا السياسية، لتصعيدها، مع التركيز على فكرة المؤامرة»، وتابع بيانَ ذلك بالتفصيل.
وأوضح أن غالب مقاتلي «القاعدة» و«داعش» كانوا «مشحونين بالعواطف الدينية، أكثر من شحنهم بالمعلومات الدينية المتطرفة، لأن أكثرهم لا يُعتبرون من ذوي الاهتمام بالعلم الديني، ولا يستطيعون النقاش في ذلك، وربما يكون لدى بعضهم معلومات دينية متطرفة عامة وغير تخصصية، ومن خلالها انطلق نحو الحماسة الدينية التي يدعمها إعلام (القاعدة) و(داعش) المليء بالمحتوى المهيج للعواطف والمستغل لكل وسائل التواصل، والتي تُجدد مواقعها بشكل مستمر. ويمكن لي القول إن نحو 85 في المائة من الملتحقين بالتنظيمات الإرهابية (أو بمعنى أدق من مقاتلي تلك التنظيمات) سواء كانوا لدى (القاعدة) و(داعش)، هم من أولئك الشباب الصغار المتأثرين بالمحتوى المُهيج للعواطف الدينية، أما الـ15 في المائة الباقية، فهم من الأشخاص المُصنفين على أنهم من المنظرين الفكريين لتلك التنظيمات، وكثير من هؤلاء بدأ الأمر لديهم بتشدد ديني بسيط، ثم تطور مع الغلو في (التدين). وعندما أقول (التدين)؛ فإني أفرق بين (الدين) و(التدين)، والحقيقة تقول إن الدين يمثل الإسلام، أما (التدين) فهو يمثل مستوى فهمك لنصوص الإسلام، وهذا التفريق هو في كل دين. ومع هذا؛ فإن المواجهة العلمية والفكرية مهمة في حسم المعركة مع التطرف حتى لو كان متأثراً فقط بالعواطف دون الدخول في العمق الفكري، وذلك لكون العواطف مرتبطة بذرائع محسوبة في الظاهر على النصوص الدينية، فالجميع تحت تأثير فكري آيديولوجي وإن اختلفت مستويات ذلك التأثير».
وأشار إلى آيديولوجية الإسلام السياسي، وقال إن «هذه الآيديولوجية المخادعة السلبية، تُعدّ أخطر أشكال التطرف، وهي التي صدرت الشباب العنيف للمنظمات الإرهابية وتحديداً (القاعدة) و(داعش)». وقال: «هذا ليس قولي أنا وحدي؛ بل هو قول قادة تلك الآيديولوجية؛ فهم يعترفون علناً بأن أيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي على سبيل المثال نشأوا في محضن جماعة (الإخوان)، ولكن تلك الجماعة بمناوراتها المعروفة تدعي أنهم خرجوا عن أفكارها، ولكن يُكَذب هذه المناورة أن عدداً من عمليات الاغتيال كانوا ضالعين فيها، كما يُكذب ذلك كتب منظريهم الكبار مثل سيد قطب وغيره والتي لا يمكن أن ينكروها أو يتبرأوا منها، وهذه تحديداً تكشف عن حقيقة تلك المناورة، علاوة على أعمال خطرة وقعوا فيها».
وبين أن «هذه الجماعة تختزل المفهوم العام والشامل للإسلام في أهداف سياسية فقط، بينما الإسلام جاء برسالة منصبة على أمرين؛ العقائد والتشريعات، ولم يتطرق الإسلام مطلقاً إلى شكل الحُكم، وجعل هذا للناس فيما يرونه أنسب لهم وفق معايير المصلحة العامة وقيم العدالة المرتكزة على الهوية الدستورية».
وقال إن «هذه الآيديولوجية المتطرفة قامت بشحن المجتمعات المسلمة وحاولت إعاقة جهود الوئام المجتمعي في دول التنوع الديني والإثني والثقافي، وكذلك إعاقة جهود الصداقة بين الأمم والشعوب، وكذلك عرقلة جهود الحوار بين أتباع الأديان والثقافات. وباطلاعنا على خُطب قادة هذه الآيديولوجية والاطلاع على كتب قادتها الروحيين والسياسيين، نجد أفكاراً مخيفة للغاية، وهي ليست كتباً وخُطباً سرية، بل إنها منشورة ومتاحة للجميع وبأكثر من لغة. لكن الدهشة في شيء واحد، كيف يتحدثون عن القيم المتحضرة، بينما أسسهم الدستورية وواقعهم العملي على خلاف ذلك تماماً، في مشهد لا يمكن أن يوصف إلا إنه يُمثل انفصاماً في الشخصية، أو على أقل الأحوال المناورة المكشوفة من أول جولة مع هذه الجماعة».
وزاد أنه «منذ سنوات عدة جرى الحوار مع أحد قادة هذه الآيديولوجية عن هذه المفارقة والتناقض، فقال: إنه لا يوافق على الأفكار الموجودة في تلك الكتب، فقيل له: هل يُمكنك الرد عليها في كتاب أو محاضرة لتوضح الحقيقة؟ فقال: الأمور لا تعالج بهذه الطريقة. وفي النهاية اتضح أنه يمارس الخداع»، مشيراً إلى أن «هذه الجماعة هي التي رسَختْ مفاهيم الكراهية، وشيطنة كل ما هو خارج إطارها المتطرف، سواء في الداخل الإسلامي أو خارجه، بخاصة الغربي، رسخوا في وجدان الشباب المسلم كراهية الجميع، هم ضد حوار وتحالف الحضارات، لا يعرفون منطقة المشتركات؛ وإنما منطقة الاختلافات والصدام والصراع، هم الذين هيجوا المشاعر الإسلامية عند أي قضية يُمكن لهم استغلالها، لا يعرفون الحوار ولا الحكمة في التصرف ولا العدالة في الحكم على الأشياء، على حين يلجأون إلى أسلوب ماكر يعتمد على إيجاد فاعلين ليست لهم مرجعية ظاهرة من أجل أن تنحصر الملاحقة في حال الدخول في دائرة الاتهام في أولئك الفاعلين المنفردين، ولا يُحسب على الجماعة كتنظيم».
وتابع العيسى أن «وضع تلك الجماعة حالياً يُعدّ هشاً بفعل انكشافهم من خلال ممارساتهم التي تناقض مناورات قادتهم، ومن خلال الشباب المسلم الذين هيجوهم وزجوا بهم في أماكن الصراع السياسي فتشكلت من ذلك التنظيمات الإرهابية كما حصل مع (القاعدة) و(داعش)، وكذلك من التأكد من أن الأهداف الاستراتيجية للجماعة لا تختلف عن الأهداف الاستراتيجية لـ(القاعدة) و(داعش)، وأن الاختلاف هو في التكتيك فقط، وأحاديث بعض قادة هذه الجماعة خلف الكواليس مع أتباعهم من الشباب الفاعلين والمؤثرين يختلف عن أحاديثهم في العلن مع عموم الناس، بخاصة في اللقاءات والمؤتمرات الرسمية».
ثم بين أن «هناك اليوم وعياً كبيراً في العالم الإسلامي وفي عدد من دول الأقليات الإسلامية بخطورة آيديولوجية الإسلام السياسي التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث تكشفت آثارها السلبية المسيئة لسمعة الإسلام والمسلمين، كما ظهرت للجميع ممارسات الكراهية والانعزالية التي تعمل عليها ضد مجتمعاتها الوطنية سواء في الداخل الإسلامي وخارجه».
وتحدث الشيخ العيسى عن «حالة الانقسام الحادّ بين الطوائف الدينية، وهو ما ولد في بعض حالاته طائفية تطورت إلى تطرف عنيف، كما أن عدم التوعية الكافية للشباب المسلم في العالم الإسلامي وفي دول الأقليات بالقيم الدينية الصحيحة وعدم تعزيز قيم المواطنة الشاملة التي تؤمن بحتمية الاختلاف والتنوع والتعدد... كل ذلك ساعد على هشاشة حصانتهم العلمية والفكرية ومن ثم سهولة التأثير عليهم من قبل جماعات التطرف العنيف والإرهابي».
بعد ذلك، تحدث بإسهاب عن «تقييم عواقب التطرف العنيف والإرهابي حول العالم»، وقال إن «الحرب عليه لا بد من أن تعتمد أكثر على هزيمته فكرياً، ومهما تمت مواجهته عسكرياً وتحققت انتصارات ضده، فإن الآيديولوجية باقية، ومن المواجهات العسكرية الناجحة جداً ما قام به التحالف الدولي ضد (داعش) بمشاركة 83 دولة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ولا شك في أن المواجهة العسكرية مهمة جداً؛ لكن الأهم منها المواجهة الفكرية؛ وهي تمر بمرحلتين: الأولى: وقائية تحصينية، وتبدأ من الأسرة والمدرسة ومنصات التأثير الديني والاجتماعي، إضافة إلى أهمية معالجة الظروف التي قد تساعد على سهولة استقطاب الشباب نحو العنف والإرهاب. والثانية: علاجية، وتتركز في الغالب على تفكيك آيديولوجيته بكل محاورها عبر الطرح العلمي والفكري والاجتماعي القوي، وهذا لا بد له من مشروع مؤسسي يشتمل على مبادرات وبرامج وتقويم مستمر مع قياس النتائج».
وأكد في صُلب حديثه على أن «المملكة العربية السعودية تُعدّ اليوم منصة عالمية مُلهمِة في ترسيخ قيم الاعتدال الديني»، وقال إنه «خلال السنوات الخمس الماضية، والتي بدأت تحديداً بعد إنشاء التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015م مشتملاً على ثلاثة محاور: العسكري والفكري والإعلامي ومواجهة تمويل الإرهاب من هذا التاريخ أصبحت هناك نقطة تحول دولية كبيرة في مواجهة الإرهاب؛ وتحديداً في الداخل الإسلامي».
وتبع ذلك إنشاء عدد من المنصات العالمية لمواجهة أفكار الآيديولوجية المتطرفة، فمع «مركز اعتدال العالمي» هناك «مركز الحرب الفكرية» الذي يعمل على تفكيك تفاصيل الآيديولوجية المتطرفة.
كما أوضح الشيخ الدكتور العيسى أن «اتفاق المفتين وكبار علماء العالم في مؤتمر (وثيقة مكة المكرمة) بقيادة (رابطة العالم الإسلامي) في مايو (أيار) 2019، يُعدّ خطوة قوية في مواجهة تلك الأفكار، حيث توافق أكثر من 1200 مفتٍ وعالم من 139 دولة، في لقاء تاريخي غير مسبوق وبحضور كافة أتباع المذاهب والطوائف الإسلامية دون استثناء (27 مذهباً وطائفة)، على إصدار تلك الوثيقة التي تمثل خريطة طريق للفكر الإسلامي المستنير... هذا العمل المجمعي التاريخي المهم يُعدّ من الضربات القوية التي مُني بها التطرف».
بعد ذلك أجاب الشيخ العيسى في الشطر الثاني من وقت المحاضرة عن أسئلة الحضور، التي تطرقت لعدد من الموضوعات المهمة ذات الصلة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...