«كوفيد ـ 19» يتحدى الفلاسفة

مُطالبون بالتخلص من المفاهيم المجردة والمبادئ الثابتة ومنحنا أدوات للتفكير

غراهام هارمن - جون زيرزان - زيغمونت باومان
غراهام هارمن - جون زيرزان - زيغمونت باومان
TT

«كوفيد ـ 19» يتحدى الفلاسفة

غراهام هارمن - جون زيرزان - زيغمونت باومان
غراهام هارمن - جون زيرزان - زيغمونت باومان

مذ ألمت بنا الجائحة الكونية الأخيرة، تضاعف إحساس أغلب سكان المناطق الحضرية بالتغيير الذي يصيب عالمهم حتى شاع الحديث المتفلسف حول «التغير في طبيعة التغيير ذاته». وللحقيقة، فإن تسارعه - بصورته الاجتماعية الشاملة - مسألة مستجدة في التاريخ البشري جعلها زيغمونت باومان في كتابه «الحداثة السائلة» علامة عصر الحداثة وسمته الجامعة، حيث «تتفاوت أنظمة العيش الحديث في عدة جوانب، لكن ما يجمع بينها هو تحديداً كونها هشة ومؤقتة وسريعة التأثر بالتحولات وخضوعها الدائم للتغيير». لكن التقاط باومان وغيره من الفلاسفة لحضور التغيير المتزايد في حياة البشر لم توازه الفلسفة ببحث جدي في ماهية عملية التغيير ذاتها، في وقت كانت العلوم الطبيعية والاجتماعية تقدم توصيفات دقيقة عن كيفية حدوثه وأسبابه في مجالاتها المحددة: من البيولوجيا والكيمياء إلى الفيزياء والجيولوجيا، ومن علم الاجتماع والأنثروبولوجيا إلى التاريخ والسياسة. هذا رغم أن مهمة الفلاسفة - على ما يقوله كارل ماركس على الأقل - يجب «ألا تقتصر على تفسير العالم، بل أساساً تغييره».
وقد تكشف تقصير الفلسفة بشكل مسُتغرب في لحظة «كوفيد 19». وجاءت تعليقات الفلاسفة المرتجلة بشأنها أقرب لتصريحات علاقات عامة منها نتاج تأمل متمكن، وتركوا مواقع التأثير والتوجيه الفكري للعلماء والأطباء والسياسيين، بل وبدت نفسها أكثر الصناعات الفكرية تخلفاً عن العصر، لا تمتلك شيئاً جديداً تقوله للناس، مكتفية بصراعات داخل أبراجها الأكاديمية العاجية، إما حول نظريات موروثة من تاريخها، أو المعاني الكبرى المستعصية بحكم منطقها عن الحسم من فئة ما العدالة؟ وما الحرية؟
ويبدو أن بعض المشتغلين بالتفلسف قد لمسوا قطيعتهم عن مجتمعاتهم بفضل الجائحة نفسها، وشرعوا لذلك بالتساؤل عن كيفية إنقاذ مهنة «محبة الحكمة» من ذاتها ومواضع «التقصير» فيها. فاعتبر بعضهم - مثل الفيلسوف الفوضوي جون زيرزان - أن خضوع الفلسفة كممارسة للسلطة أخرجها عملياً من ساحة السياسة التي طالما كانت مختبر الأفكار ومعرضها، وحصرتها في قاعات أقسام أكاديمية مستقلة لا يجمعها مع الأقسام العلمية الأخرى سوى أوهى العلاقات، ففقدت راهنتيها وصلتها بالحياة، وانتقلت إلى مقاعد المشاهدين. وكتب أحدهم، البروفسور غراهام هارمن، في مجلة «الفيلسوف» البريطانية مقراً بالتقصير: «فلنكن صرحاء: لقد فعلت الفلسفة أقل القليل لاستكشاف التفاوت بين التغيير الكمي والتغيير النوعي»، داعياً إلى تفكيك الصيغة التي يتم بها حالياً تقسيم فروع الفلسفة والتعلم من الجيولوجيا مثلاً التي وكأنها تُقدم اليوم للبشر علامات ترقيم تمكنهم من قراءة تقلبات الأزمنة والتأمل في ماهيات التغييرات الكبرى بغض النظر عن أي مفاهيم أو فلسفات مثالية. لكن هذه الصحوة ما زالت استثناء، والعزم على التغيير ما زال كأنه حبيس المنزل: تحديث المناهج الدراسية الفلسفية للسماح بقراءات خارج الأعمال الكلاسيكية ومن علوم مختلفة، وفرض كوتات تمثيل للنساء والأقليات والأجانب في هيئات التدريس والطلاب المقبولين، وإمكان التجسير الشكلي مع علوم أخرى في الحصول على المؤهلات، وتبني حلول تقنية متقدمة لتمكين التدريس والبحث بالاستفادة من معطيات التكنولوجيا الحديثة، وهذه جميعها إجراءات محمودة ومطلوبة حتماً، لكنها لن تكسر الهوة بين الفلسفة والواقع السائل، الهش، الخاضع أبداً للتغيير.
تاريخياً، اتخذت الفلسفة موقفين متناقضين من التغيير كظاهرة كلية منذ نعومة أظفارها. فهناك الإغريقي بارمينديس (ولد حوالي 515 قبل الميلاد) الذي أنكر كل تغيير معتبراً «أن ثمة قصة واحدة وطريقاً واحداً فحسب. وأن كل إشارة على طريق الحياة البشرية تصرخ هذا الوجود مكتمل بذاته وفريد وثابت ومتجه إلى فناء أكيد» مقابل مواطنه هيراقليطس (ولد 540 قبل الميلاد) الذي أصر على أن كل شيء على الإطلاق موضوع تغيير، و«لا شيء ثابت سوى التغيير». وبين هذين الموقفين لم يقدم لنا الفلاسفة طيلة عقود ما يعين على فهم عملية التغيير ذاتها، أو هم حاولوا جرنا - لا سيما بعد فشل التجارب الكبرى لتغيير العالم في القرن العشرين - إلى نقاش جدلي محض مداه أن تغيير مفهومنا لـ«الحقيقة» هو طريقنا الوحيد لتغيير العالم، فيما وظفت النخب الحاكمة مفهوم التغيير حصراً فيما يكرس هيمنتها ويعظم امتيازاتها.
لكن إذا كان للفلسفة يوماً أن تكون طرفاً فاعلاً في التعامل مع التغيير وصنعه، فلا بد لها أن تخرج من وهم القبض على «الحقيقة»، والانتقال - كما دعا نيتشه في «ما بعد الخير والشر» - إلى مساحة التساؤل الاستنكاري عن حاجتنا لـ«الحقيقة» وقيمتها لمواجهة القدر، في الوقت الذي يمكن لـ«لا حقيقة» أن تؤدي دوراً أفضل أحياناً.
ما كشفت عنه الجائحة وما نحتاجه من الفلاسفة اليوم هو أن يَدَعونا من المفاهيم المجردة والفذلكات اللفظية والقيود المسبقة والمبادئ الثابتة والأنظمة المغلقة والحلول النهائية، ويمنحونا أدوات تفكير تمكننا - كأفراد من الأكثرية غير الملمة بكواليس الصنعة الفلسفية - من تقييم موقفنا في ظل الواقع خلال لحظة ما، واتخاذ توجهات على أساس ذلك التقييم بهدف التعامل مع التغيير، والوصول إلى نوع من السيطرة على الواقع مع امتلاك المرونة لاستبدال التوجهات عند تبدل المعطيات من حولنا.
وبالطبع فإن التوجهات التي يتخذها الأفراد لا تأتي بالضرورة عفو الخاطر، إذ أن لها مرجعيات في معتقداتهم وثقافتهم وهوياتهم - على تعدد مستوياتها -، وسيكون ضرورياً على الفلسفة أن تقدم لنا فهماً محدداً للكيفية التي تتفاعل بها تلك المرجعيات مع المستجدات عند صياغة توجهاتهم.
ولا يعني ذلك استبعاد الفلسفة من الشأن العام لمصلحة خدمة الأفراد - بذاتهم - على تدبر أمورهم مع التغيير، ذلك أن بناء تصورات محددة للكيفية التي تتعدل فيها توجهاتهم - وبالتبعية سلوكياتهم - بناء لتفاعل مرجعياتهم مع مستجدات واقعهم قد يسمح لنا كمجتمعات عصرية بفهم الطرائق التي يمكن بها البحث عن توجهات مشتركة بين أكبر عدد ممكن من الأفراد، والبناء عليها في تصميم استجابتنا الجمعية تجاه مُستجدات عالمنا. ولذا فإن مهمة الفيلسوف تتضمن كذلك - كما تقول الأستاذة تشيارا ريسريادوني في مقالها «الفلسفة السائلة» - أن يمنح الأفراد القدرة على رؤية حلم مشترك عن المستقبل وكأنه أكثر واقعية من كابوسنا الحالي. وذلك يعني أساساً امتلاك الجرأة المقتدرة على فك الارتباط مع الزمني اللحظي عند قراءة التغيير وتشكيله، والفصل بين العناصر (المتغيرة) في التغيير عن العناصر (غير المتغيرة).
جرأة فلسفية مثل هذي تمنح صاحبها الرؤية للتعامل مع المستقبل كواقع والانطلاق منه للنظر في حاضرنا كماضٍ له، ومن ثم عزل العناصر الراهنة التي ينبغي الحفاظ عليها لأهميتها في القادم من الأيام. ويتضمن ذلك نوعاً من سياسات محافظية مختارة، وتثبيت واع لأجزاء من نسيج واقعنا الحالي وضمان استدامتها سعياً للتأثير على نوعية التغيير وصولاً إلى المستقبل - الحلم، وإلا فالسقوط في الكابوس.
وهذا كله ليس ترفاً يمكن للفلاسفة تركه والانشغال عنه بقضايا أخرى، بل هو في جوانب كثيرة من حياتنا المعاصرة مسألة حياة أو موت، ليس بسبب الجائحة الحالية ومترتباتها فحسب، وإنما أيضاً بسبب قضايا عابرة للحدود تمس الوجود الآمن للبشرية تالياً، كالأسلحة النووية، وتهديدات الدمار الشامل، وأزمات المناخ والبيئة، وقضايا الطاقة الأحفورية، والأوبئة، وكثير غير ذلك.
تفضلوا أيها الفلاسفة: مهماتكم ثقيلة وكثيرة، ونحن بحاجة لكم، أكثر من أي وقت مضى.



مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.