ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان

تدخل في تركيب معاجين الأسنان ومستحضرات التجميل وأواني الطبخ وحتى في الأطعمة

ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان
TT

ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان

ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان

لا يوجد ما هو أكثر تعزيزا للصحة من قضمة من تفاحة طازجة، بيد أن المشكلة أن العلم يقول خلاف ذلك، فقد كشفت الاختبارات أن كل ما هو موجود في عالمنا العصري، ومن بينها الفواكه، موبوء بخليط من المضافات الكيميائية. وإن كانت بعض تلك المضافات مرحبا بها، فإن البعض الآخر مرفوض، ففي دراسة أجرتها وزارة الزراعة الأميركية، احتوت كل تفاحة تقريبا جرى اختبارها على كمية من بقايا وترسبات مبيدات الحشرات، والفطريات، والأعشاب الضارة، وهذا لا ينطبق على التفاح فقط، بل يشمل الأطعمة كافة في كل مكان.
وليست الأطعمة وحدها التي تعرضنا لهذه الملوثات، بل هنالك أيضا مستحضرات التجميل، والورق، والمنسوجات، والوسائد التي نجلس عليها، حتى الماء الذي نشربه، والهواء الذي نستنشقه، مليء بها. ولكن قبل أن تغص في طعامك جراء هذه المعلومات، عليك أن تدرك أن غالبية هذه المواد المضرة تقع في مستوى يقل عما اتفق عليه من قبل المشرفين على وضع القواعد المنظمة لمستوياتها، كما أن بعضها ليس له تأثير كبير على صحة البشر، وأن هنالك نسبة منها لا تزال موضع خلاف بين الخبراء وما تنشره الصحف الشعبية. وإليكم ما نعرفه عن بعض أكثر المواد التي يشك في احتوائها على مواد مضرة.

* مضادات الميكروبات
* مضادات الميكروبات (antimicrobials). للإبقاء على نظافة الفم والإبطين خالية من الفطريات، تستخدم مادة التريكلوسان بكثرة، وهي تضاف إلى الصابون، ومعجون الأسنان، ومواد التجميل. لكن في عام 1998 أظهر تقرير أن هذه المادة قد تساهم في زيادة مقاومة الجسم للمضادات الحيوية، التي توصف طبيا. وفي عام 2007 انتشرت خشية بين الناس من أن مضادات الميكروبات هذه، قد تحدث تغييرا في هرمونات الجرذان، مما جعل الهيئات العلمية والمختصة تفرض مراقبة صارمة عليها. وكان مصدر القلق أن التريكلوسان يؤثر على الغدد الصماء، خصوصا الغدة الدرقية، إذا ما أطعمت بها بكميات كبيرة،. لكن النموذج الحيواني قد لا ينطبق بالضرورة على البشر. لكن في أي حال تقوم الوكالة الأميركية لحماية البيئة (إي بي أ) بمراقبة الوضع عن كثب، وإن كانت قد أفادت أن مخاطر التريكلوسان ضئيلة بالنسبة إلى الحياة المائية، خصوصا الطحالب. وثمة دلائل أخرى تقول إن هذه المادة قد لا يكون لديها التأثير الكبير على تعقيم اليدين، مما دفع بعض شركات إنتاج الصابون والمعقمات، على استبعادها من مستحضراتهم، لكن ما زالت بعض الهيئات في أوروبا، ومنها اللجنة العلمية الأوروبية، تصر على أن هذه المادة سليمة.
* مضادات البقع (stains resisters). أواني المطبخ التي لا يلتصق الطعام بها، والملابس المقاومة للمطر، والسجاد الذي لا يتبقع، وحتى خيوط تنظيف الأسنان، وصولا إلى المواد الكيميائية المشبعة بالفلور «بي إف سيPFC » التي أنتجت لأول مرة في الأربعينات، هي من المبتكرات الرائعة، لكن الدراسات أظهرت أن جميع البشر يحملون آثارا منها في دمائهم. واثنان من «بي إف سي» الأكثر شيوعا منها، اللذان وجدا في البشر والبيئة المحيطة، هما «بيرفلوروأوكتين سلفونايت» (بي إف أو إس)، و«بيرفلوروأوكتانويك أسيد» (بي إف أو أ). ومثل هذه المواد الكيميائية من الصعب تحللها وتفسخها، مما يجعلها تبقى في البيئة فترة طويلة تدوم لسنوات. وهي من شأنها أن تغير في مستويات الهرمونات، وتسبب السرطان. وأظهرت الدراسات البشرية أن هذه المواد قد تسبب أمراض الغدة الدرقية، وترفع من مستويات الكولسترول. وكانت مادة «بي إف أو إس» قد أضيفت في عام 2009 إلى لائحة مواد كيميائية ممنوعة بموجب معاهدة بيئية عالمية تدعى «ميثاق ستوكهولم»، التي نادت بتحريم استخدام مادة «بي إف أو أ» كليا بحلول عام 2015.
وهنالك مواد أخرى مسببة للقلق، مثل: «بيرفلوروبوتايين سلفونايت» (بي إف بي إس) التي تتحلل في أجسامنا خلال أيام، وتتجمع فيها. ففي عام 2012 اكتشفت دراسة سويدية أن تركيزات هذه المادة في الأجسام البشرية، شرعت تزداد بصورة سريعة بحيث تتضاعف كل 6 سنوات، وإن بقيت تركيزاتها دون المعدل نسبيا.

* مستحضرات التجميل
* مستحضرات التجميل. في عام 2004 احتج المستهلكون ووسائل الإعلام على استخدام مواد كيميائية حافظة تدعى «بارابين» (parabens) بعدما تبين أنها كانت موجودة في 20 عينة نسيجية لسرطان الثدي. وقد ربطت هذه المادة بمستحضرات تجميلية، مثل مزيلات العرق والروائح. وقد أثار هذا الأمر نقاشا حادا حول سلامة هذه المادة، بيد أن علاقتها بسرطان الثدي بقيت «مراوغة»، مما جعل الهيئات الصحية، بما فيها وكالة الغذاء والدواء الأميركية، واللجنة العلمية للاتحاد الأوروبي حول سلامة المستهلك، تمتنع عن تحريم «بارابين». وقالت إن «الكميات القليلة منها الموجودة في مستحضرات التجميل سليمة، ولا تسبب أي أذى». بيد أنه يجدر الإشارة إلى أن غالبية مزيلات العرق التي تستخدم تحت الإبطين لا تحتوي عليها. وفي عام 2012 أجريت دراسة أخرى بهذا الخصوص استنتجت أنه لا يوجد أي دليل قاطع على أن «بارابين» تسبب سرطان الثدي.
ويتفق مع هذا الرأي آلن بوبيس، مدير وحدة علم السموم في جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن، بالقول إن «هذه المادة غير مضرة، ولا تأثيرات لها على الحيوانات التي تعرضت لها بكثرة». وعلى الرغم من كل هذه القناعات شرعت شركات مستحضرات التجميل تتحرك من تلقاء ذاتها بإزالة هذه المادة من منتجاتها، وربما ذلك عائد إلى الضغوط الشعبية، والرأي العام، كما يقول بوبيس.

* الأثاث والمفروشات المقاومة للحريق
* لا يعتبر تصنيع الأثاث والمفروشات المضادة للحريق أمرا يتطلب ذكاء كبيرا، بيد أن كثيرا من المواد الكيميائية التي تقاوم النيران تشكل خطرا كبيرا على صحة الإنسان. وإحدى هذه المواد، وهي بوليبرومينيتد ديفينيلثرز (بي بي دي إي)، التي تأتي بمئات الأشكال والصور والتركيبات. وقد استخدمت حتى وقت قريب في تشكيلة واسعة من المنتجات، ابتداء من الإلكترونيات، وصولا إلى أسرة النوم. لكن كثيرا منها جرى تحريمه حاليا، أو سحبه من الاستخدام في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، خشية تخفيض نسبة الخصوبة لدى الرجال، وتشوه التطور الخلقي لدى الأطفال. ومع ذلك، فإن تركيزات هذه المادة في أميركا الشمالية قد تضاعفت كل 5 سنوات منذ السبعينات من القرن الماضي، كما وجدت مستويات عالية منها في الغبار المنزلي.
وتظل كيفية تسرب هذه التركيبات الكيميائية من الأثاث المنزلي لغزا، كما تقول هيذر ستابليتون، الخبيرة في مثبطات اللهب في جامعة «ديوك» في درام بولاية نورث كارولينا، فهي قد تكمن في الجيوب الهوائية في وسائد المفروشات، كما تقول، لتتسرب إلى الهواء عندما يجلس أحدهم على هذه الوسائد. كذلك، فإن الرغوة الصناعية التي تتألف منها الوسائد، قد تسبب مثل هذا الغبار.
أما ليندا بيربوم، مديرة المعهد القومي الأميركي لعلوم الصحة البيئية في ولاية كارولينا الشمالية، فهي تخشى من مادة كيميائية أخرى تدعى تيترابروموبسفينول التي تستخدم على نطاق واسع في العالم. وقد أثبتت الأبحاث التي أجريت في «البرنامج القومي الأميركي لعلم السموم» أن هذه المادة تسبب السرطان في القوارض، علاوة على اضطرابات أخرى في هرمونات الغدة الدرقية والأوستروجين. أما مادة كلورونايتد تريس التي حرم استخدامها في بيجامات الأطفال في السبعينات، لأنها تسبب السرطان في الحيوانات، فلا تزال تستخدم في الأثاث والمفروشات، حتى كبديل لبعض المواد الأخرى المسببة للأخطار أيضا.

* معادن ومبيدات
* المعادن. قد لا يكون هناك اليوم رصاص في أبخرة عادم السيارات، لكنه لا يزال يتسرب إلى أجسامنا. فقد عاد يبرز كمشكلة، كما يقول آلن بوبيس، مدير وحدة علوم السموم بالصحة العامة في جامعة «إمبيريال كوليدج» البريطانية في لندن. في حديث لمجلة «نيوساينتست» البريطانية. وكان التعرض للرصاص قد انخفض بصورة كبيرة منذ السبعينات، لا سيما في الاتحاد الأوروبي، بعدما حرم استخدامه في وقود السيارات، وأعيد تنظيم الكميات المسموح بها في المواسير وأنواع الطلاء. بيد أن كل الرصاص الذي أطلق خلال السنوات الماضية، قد شق طريقه إلى التربة، مما يعني أننا أخذنا نتناوله مع غذائنا، والمجرم الأكبر هنا هو الحبوب، والخضار، ومياه الحنفيات، وبذلك فإن تفادي الرصاص هو أمر غير ممكن.
وفي عام 2010 قامت دائرة سلامة الغذاء الأوروبية (إي إف س أ) بتخفيض الكمية المسموح بها في أجسامنا، وأنه لا يوجد معدل أمين له، كما يقول بوبيس: «لأنه حتى في معدلاته المنخفضة، فله علاقة بانخفاض معدل الذكاء»، والأطفال والصغار هم الأكثر تعرضا له.
الزئبق من جهته يبقى خطرا هو أيضا، الذي يتجمع في السلسلة الغذائية، خصوصا في الأسماك المفترسة، التي هي من مصادر القوت الأساسية. وكثير منه ينتج عنه تلف في نمو الأطفال والصغار. وقد أظهرت دراسة أخيرة أن مستوياته تضاعفت 3 مرات في المياه السطحية، لا سيما قرب سواحل آيسلندا والقطب الجنوبي، التي تحتوي على ربع الكميات الإجمالية من الزئبق الذي يطلق صناعيا، أما الباقي فيعتقد الخبراء أنه كامن في ترسبات المحيط. وأكثر الأماكن القريبة منا التي يقبع فيها الزئبق، والتي ينبغي ألا نخشاها بتاتا، هي حشوات الأسنان. لكن ما يخرج منها هو قليل جدا، مما يترك أثرا ضئيلا، كما يقول بوبيس.
* مبيدات الحشرات. صممت كثير من مبيدات الحشرات لتسميم النظام العصبي، لكن رودي ريتشاردسن، الأخصائية بعلوم السموم من جامعة ميتشيغان في آن أربار بأميركا، تقول «علينا ألا نقلق كثيرا من مسممات الأعصاب وانتشارها في الأغذية والأطعمة، لكونها أكثر عرضة المراقبة من غيرها من المواد السامة، كما أن المشرفين أنفسهم غير متفقين على مدى مخاطرها، فمادة أترازين مثلا ممنوع استخدامها أوروبيا، لكنها مسموح بها أميركيا.
وقد عثر على آثار هذه المبيدات على نطاق واسع في البيئة، لكن المركز الأميركي للوقاية من الأمراض، أظهر أنه لم يتم العثور سوى على تركيزات قليلة من مبيدات الفوسفات العضوي في بول غالبية الأميركيين، كما أن وزارة الزراعة الأميركية وجدت أن كثيرا من الفواكه والخضراوات تحتوي على كميات ضئيلة من ترسبات هذه المبيدات. ورغم أن هذه التركيزات هي أقل من المعدلات الخطرة، غير أن عالمة البيئة لورا فاندنبيرغ من جامعة ماساتشوستس تؤكد أن المبيدات مصممة لكي تكون ناشطة بيولوجيا. وقد تبين أن هذه المبيدات تؤثر على الحوامل وتطور أجنتهن، وبالتالي قد تسبب بعد الولادة مرض التوحد، وأمراض القلب والشرايين، وقد تلعب دورا في تلف الدماغ وتعطيل تطوره، وزيادة المخاطر بالإصابة بالبدانة، وداء السكري، استنادا إلى كثير من الأبحاث والدراسات التي أجرتها الهيئات المختصة. وفي عام 2012 قام الاتحاد الأوروبي بإنجاز مراجعة شملت ألفا من أنواع مبيدات الحشرات، وأقرت سحب 700 نوع منها من الأسواق.

* الطعام وقناني الرضاعة
* الطعام المحروق. قهوتك الصباحية والخبز المحمص قد يلحقان الأذى بك. فقد أفاد الباحثون السويديون عام 2002 أن مادة «أكريلاميد»، وهي مادة كيميائية لها علاقة بمرض السرطان لدى القوارض، موجودة في بعض الأطعمة المطهية بمستويات عالية.
وتتكون هذه المادة عندما يجري خبز وتحميص الكربوهيدرات، أو قليها، أو شيها بدرجات حرارة عالية جدا، وتكون جزءا من عملية التحمير التي تحدث مع وجود السكر وأحماض «أسباراجين» الأمينية، التي تضفي نكهة لذيدة ولونا محببا على الطعام. ولكونها تذوب في الماء، وبالتالي تمتص من قبل المعدة، قبل أن تتوزع وتنتشر في أنسجة الجسم. وقد أظهرت الدراسات الحيوانية أنها قد تسبب السرطان عن طريق تكوين مادة تدعى «غليسيدامايد» في الجسم التي تتوزع بكثرة في الأنسجة.
واستنادا إلى دائرة سلامة الغذاء الأوروبية (إي إف إس أ) فإن غالبية المقرمشات مثل البطاطا المحمصة والمقلية، وحبوب وجبة الفطور، والبسكويت، والخبز، تحتوي جميعها على «أكريلاميد»، وأن القهوة والبطاطا المقلية والمحمصة هما أكبر عدوين لدودين في هذا الشأن!
وتربط بعض الأبحاث هذه المادة الكيميائية بتأثيرات مضرة بالجهاز العصبي، ونظام التكاثر لدى القوارض، بيد أن «إي إف إس أ» أوضحت أن المادة هذه لم تظهر دلائل بأنها تسبب السرطان لدى البشر، خلافا للولايات المتحدة التي رفعت دعاوى قضائية فيها تقول إن الشركات المنتجة للأغذية والأطعمة قد فشلت في تحذير المستهلكين من خطر «أكريلاميد».
* التعبئة والتغليف: تحتوي جميع الوصولات التي نتلقاها من آلات صرف النقود، وحشيات وبطانات معلبات الطعام، وأغلفة البلاستيك المصنوعة من البولي كاربونات على مادة «إستروجين» المركبة صناعيا التي أثارت جدالا واسعا امتد لعقود. والسبب لأن مركبا فيه ألا وهو «بلاستيزايزر الثنائي الفينول» (بي بي إيهBPA ) له القدرة على التأثير على النظم الهرمونية في الحيوانات اللبونة (الثدييات).
فقد وجدت الإحصاءات التي أجريت في الولايات المتحدة من قبل الجهات المختصة، أن 90 في المائة من مواطنيها يساورهم القلق من تأثيرات هذه المواد على عقول الأطفال وسلوكهم، مما دفع وكالة الغذاء والدواء الأميركية إلى تحريمها في إنتاج قناني الأطفال في عام 2012.
وكانت أوروبا قد سبقت أميركا بتحريم صدر عام 2011 بعدما تأكد مفعول هذه المادة الضارة على الحيوانات، وليس البشر، لأن أجسامنا تحولها بسرعة إلى شكل لا يعرض أي نشاط لها. وتركز الاهتمام بعد ذلك على بديل لـ«بي بي إيه»، وهو «ثنائي الفينول إس». لكن في عام 2013 وقع 85 عالما على وثيقة تطالب بإجراءات أكثر صرامة بهذا الخصوص في أوروبا، بعد ارتفاع إصابات بالسرطان بين مواطنيها، وذلك من بين أمراض أخرى كثيرة.



الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.