عُمْرانُ الكتابة من عُمْرانِ المدن

مدن مغاربية وخليجية كانت هامشية وأصبحت مركزية

عبده خال
عبده خال
TT

عُمْرانُ الكتابة من عُمْرانِ المدن

عبده خال
عبده خال

يبدو أن الكتابة تسحب البساط، شيئاً فشيئاً، فتنفصل عن الجغرافيا بمفهومها التقليدي الذي كانت عليه حتى مطلع القرن الواحد والعشرين
ما الوجود هذا، سوى صفيح ساخن، دوار، لا شيء عليه ثابت مستقر. كل شيء بين مد وجزر. لا شيء ميتاً تماماً. كل شيء في حركة وتجدد بسرعة وبطء نسبيين. الحياة والموت في تلاقح دائم مستمر. ولأن سلسلة الفنون والكتابة لا تفتأ ترافق البشر في تبدل أحوالهم عبر تاريخهم الطويل، فإنها تبدل هي الأخرى مواقعها ولا أحد يستطيع إلجامها.
أما ونحن نعيش هذا العصر الجديد عصر التكنولوجيا والرقمنة، حيث شيئاً فشيئاً يكتسح الذكاء الاصطناعي الوجود ويعوض ما هو بشري، حيث الحياة الافتراضية أضحت أكثر واقعية من الحياة الواقعية!
أما وقد أضحى العالم يُضمُّ ويُمتَلَك ويُخْتصر في جهاز تحكُّم لا يتعدى حجمه باطن الكف على حد تعبير الفيلسوف والمؤرخ ميشال سير، على حجم قبضة اليد، فإنني أتصور الكاتب قد أمسى أكبر من الجغرافيا ومن الزمن أيضاً.
بهذا المنطق فإن الكتابة ليست مقصورة على منطقة دون أخرى، وإذ أصبح العالم يَقرأ العالم، ويصل ما يُنشر في أركان الدنيا إلى أركانها الأربعة في الجهات الأخرى، الأمر الذي أضعف الرقابة في شكلها التقليدي، وجعل التكنولوجيا تخفف من الحس الشرطي في الكتابة وفي القراءة، وإن كانت لم تنته كلية، بل أصبحت تبحث لها عن شكل آخر لرقابة أخرى تتلبس عصرها التكنولوجي أيضاً.
يبدو أن الكتابة تسحب البساط، شيئاً فشيئاً، فتنفصل عن الجغرافيا بمفهومها التقليدي الذي كانت عليه حتى مطلع القرن الواحد والعشرين. فقد اختفى مفهوم المحور كما كان يفهم، على الأقل، في القرن العشرين، وأصبح العديد مما كان يسمى بمدن الأطراف أو الهوامش، مراكز تنعم بكثير من السحر والجاذبية والتأثير الثقافي والفكري والفني.
ثم، ألم تظل مدن مغاربية ومدن خليجية على الهامش خلال القرنين (19 والـ20)؟!ها قد استطاعت أن تتحول، فتتكرس كفضاء لقوى مبدعة في الرواية، أو في الفلسفة، أو في النقد، أو في الترجمة، كحالة إيجابية تخضع لمنطق تطور التاريخ البشري والإبداعي.
وإذا كان الكاتب الحقيقي كما يذهب إلى ذلك فريدريك دولافيي هو مؤرخ العواطف، وفي الوقت نفسه يقوم بتحليل معطيات الواقع، فإن أقلاماً كثيرة نبتت في حقل جديد وواقع جديد وبرؤية جديدة، وبتواتر وتراكم منظم، ففي دول الخليج مثلاً تميزت العديد من الأقلام كأصوات أضافت تنويعاً جديداً للكتابة أسماء أقرأ لها بكثير من المحبة في السعودية كالروائي عبد الرحمن منيف ورجاء الصانع وعبده خال وزينب حفني، وفي الكويت إسماعيل فهد إسماعيل وسعود السنعوسي وطالب الرفاعي وليلى العثمان... وفي عُمَان سيف الرحبي (ناثر وشاعر) والروائية جوخة الحارثي وغيرهم من الكتاب المتميزين الموزعين على مدن خليجية أخرى كالدوحة والمنامة، وأقلام أخرى جديدة مغاربية، في تونس حبيب السالمي وشكري المبخوت ومحمد عيسى المؤدب وكمال الرياحي...
ومن المغرب محمد شكري ومحمد زفزاف ومحمد الأشعري ومحمد برادة ومحمد بنيس وعبد الفتاح كيليطو وحسن النجمي وماحي بينبين... ومن الجزائر الطاهر وطار وأمين الزاوي وكمال داود وأحمد طيباوي وبشير مفتي وسعيد خطيبي وآمنة بلعلا... أسماء وأخرى ما انفكت تثير الدهشة والإعجاب وتتوسع مساحات مقروئيتها نتيجة جديتها واجتراحها النموذج الحداثي. تلك مدن مغاربية ومدن خليجية أصبحت مرجعيات إبداعية تثير فضيلة الإنصات الفكري والجمالي في العالم العربي وفيما وراء بحار هذا العالم.
ما يجب تسجيله هو أن في عصرنا هذا الذي يكنّى عصر المعارف الاصطناعية والتحول التقني والإعلامي والشكلي، فإن الذي استجد في الواقع وكحقيقة يدعمها إعلام مركّز وموجه، أن مدناً مثل الشارقة أو دبي أو أبوظبي أصبحت حواضر مركزية، ليس فقط بسبب ما تَحقَّق بها من حال جديد اقتصادياً وعمرانياً وسياحياً، ولكن أيضاً بسبب الانتعاش المسجل على المستوى الجامعي والبحث العلمي والأداء الأدبي. ثم إن فكرة إطلاق جوائز ذات القيمة المادية المعتبرة جذب انتباه الكتاب والمبدعين، المعروفين منهم والجدد للالتفاف حول الفضاء العمراني بما يحويه من ظلال أخرى.
يكاد الأمر يبلغ بالفكرة أن تتبناها كل مدينة وعلى طريقتها، فتخلق كل منها جائزة لها لتتحول إلى مؤسسة بتقاليد ثقافية وفكرية وسياسية أيضاً تقوم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالتعريف لها والترويج لروحها، إذ لا مدن من دون روح، وروح المدينة يصنعها الفنانون والكتاب والمبدعون بشكل عام. إنها الروح التي تشكل عمود التاريخ ولبه. وبالفعل فقد استطاعت المدن هذه خلال العشرية الأخيرة أن تفرض وجودها لتستقطب مثقفي وأدباء العالم العربي وشمال أفريقيا، على مستوى المنابر الإعلامية والمؤسسات الأدبية والمؤسسات الجامعية ومراكز البحوث، وإن تموضع هذه الإنتلجانسيا الإبداعية والفكرية شكّل رأسمالاً كبيراً على المستوى الرموزي، ساهم في صناعة ما يسمى بالأسطورة اليومية للمدينة، يضاف إلى ما تحقق مادياً وعمرانياً في هذه المنطقة، فالأدب والفن والفكر بما يحملانه من روح التنافس الإيجابي الخلاق، يضخ الحياة بحرارتها الإنسانية في برودة وجماد ناطحات السحاب والأبراج. من الحكمة التفكير بأن المال والتطور الاقتصادي والتقني والعمراني وحده لا يصنع مجتمعاً، وهو ما انتبه إليه أصحاب القرار في هذه البلدان، فعملوا على تخطيط يجمع ما بين البنية المادية والبنية الروحية الفنية الجمالية.
لكن الصفيح الساخن الدوار، سحب الجهة الأخرى نحو الظل، فخفتت أنوار كثير من المدن التي كانت تمثل المراكز الحضارية من قبل، على مدى قرن من الزمن تقريباً، ومن بين الأسباب في ذلك أن المسؤولين عليها لم يتمكنوا من إعطائها نفساً جديداً، وأن يخلصوها من الروتين وفخ التفاخر بالماضي، ورغم غناها بالموارد البشرية والثروات الطبيعية المختلفة فإن الفساد في الأنظمة السياسية والاقتصادية وطغيان ظاهرة المال المهدور دون تسيير عقلاني، جعلها تتراجع مكتفية بالحنين إلى أزمنة غابرة وأسماء صنعت مجدها في الماضي القريب أو البعيد. ليس من المستحيل مادياً على هذه المدن التي كانت أقطاباً حضارية أن تؤسس هي الأخرى عشرات الجوائز في الرواية والشعر والفن التشكيلي والسينما والصورة والموسيقى والمسرح والرقص، لو أنها تتفادى المزيد من العثرات القاتلة من سوء التسيير وتنتبه إلى طغيان إيقاع الحياة الذي تجاوزته ساعة التاريخ.
ولأن التاريخ يحلو له أحياناً أن يطل برأسه على الناس ساخراً ليذكرهم بأمر ما، فإنه يظهر هذه المرة وهو يريد أن يعيد إلى الأذهان فكرة أساسية للعلامة ابن خلدون، حين ذهب إلى أن شرط المدنية يتطلب نزع تسليح القبائل. يريد أن يدرك الناس مدى تغير مفهوم القوة في هذا العصر، وأن الأقوى ليس بالضرورة من يمتلك حظيرة أسلحة متطورة فتاكة، بل إن كفة ميزان القوة أضحت تميل جهة من يستقطب ويمتلك مشاتل حيوية من العقول المنتجة. والغلبة للأذكى.
ولأن الوجود منصة ستظل تدور وتدور، فلا شك أنها ستفاجئ البشرية بتغييرات مدوخة قادمة، وتأتي بأخبارها من لم تزود.
* شاعرة وروائية
وأستاذة جامعية - الجزائر



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.