عُمْرانُ الكتابة من عُمْرانِ المدن

عُمْرانُ الكتابة من عُمْرانِ المدن

مدن مغاربية وخليجية كانت هامشية وأصبحت مركزية
الثلاثاء - 15 شهر رمضان 1442 هـ - 27 أبريل 2021 مـ رقم العدد [ 15491]

يبدو أن الكتابة تسحب البساط، شيئاً فشيئاً، فتنفصل عن الجغرافيا بمفهومها التقليدي الذي كانت عليه حتى مطلع القرن الواحد والعشرين

ما الوجود هذا، سوى صفيح ساخن، دوار، لا شيء عليه ثابت مستقر. كل شيء بين مد وجزر. لا شيء ميتاً تماماً. كل شيء في حركة وتجدد بسرعة وبطء نسبيين. الحياة والموت في تلاقح دائم مستمر. ولأن سلسلة الفنون والكتابة لا تفتأ ترافق البشر في تبدل أحوالهم عبر تاريخهم الطويل، فإنها تبدل هي الأخرى مواقعها ولا أحد يستطيع إلجامها.

أما ونحن نعيش هذا العصر الجديد عصر التكنولوجيا والرقمنة، حيث شيئاً فشيئاً يكتسح الذكاء الاصطناعي الوجود ويعوض ما هو بشري، حيث الحياة الافتراضية أضحت أكثر واقعية من الحياة الواقعية!

أما وقد أضحى العالم يُضمُّ ويُمتَلَك ويُخْتصر في جهاز تحكُّم لا يتعدى حجمه باطن الكف على حد تعبير الفيلسوف والمؤرخ ميشال سير، على حجم قبضة اليد، فإنني أتصور الكاتب قد أمسى أكبر من الجغرافيا ومن الزمن أيضاً.

بهذا المنطق فإن الكتابة ليست مقصورة على منطقة دون أخرى، وإذ أصبح العالم يَقرأ العالم، ويصل ما يُنشر في أركان الدنيا إلى أركانها الأربعة في الجهات الأخرى، الأمر الذي أضعف الرقابة في شكلها التقليدي، وجعل التكنولوجيا تخفف من الحس الشرطي في الكتابة وفي القراءة، وإن كانت لم تنته كلية، بل أصبحت تبحث لها عن شكل آخر لرقابة أخرى تتلبس عصرها التكنولوجي أيضاً.

يبدو أن الكتابة تسحب البساط، شيئاً فشيئاً، فتنفصل عن الجغرافيا بمفهومها التقليدي الذي كانت عليه حتى مطلع القرن الواحد والعشرين. فقد اختفى مفهوم المحور كما كان يفهم، على الأقل، في القرن العشرين، وأصبح العديد مما كان يسمى بمدن الأطراف أو الهوامش، مراكز تنعم بكثير من السحر والجاذبية والتأثير الثقافي والفكري والفني.

ثم، ألم تظل مدن مغاربية ومدن خليجية على الهامش خلال القرنين (19 والـ20)؟!ها قد استطاعت أن تتحول، فتتكرس كفضاء لقوى مبدعة في الرواية، أو في الفلسفة، أو في النقد، أو في الترجمة، كحالة إيجابية تخضع لمنطق تطور التاريخ البشري والإبداعي.

وإذا كان الكاتب الحقيقي كما يذهب إلى ذلك فريدريك دولافيي هو مؤرخ العواطف، وفي الوقت نفسه يقوم بتحليل معطيات الواقع، فإن أقلاماً كثيرة نبتت في حقل جديد وواقع جديد وبرؤية جديدة، وبتواتر وتراكم منظم، ففي دول الخليج مثلاً تميزت العديد من الأقلام كأصوات أضافت تنويعاً جديداً للكتابة أسماء أقرأ لها بكثير من المحبة في السعودية كالروائي عبد الرحمن منيف ورجاء الصانع وعبده خال وزينب حفني، وفي الكويت إسماعيل فهد إسماعيل وسعود السنعوسي وطالب الرفاعي وليلى العثمان... وفي عُمَان سيف الرحبي (ناثر وشاعر) والروائية جوخة الحارثي وغيرهم من الكتاب المتميزين الموزعين على مدن خليجية أخرى كالدوحة والمنامة، وأقلام أخرى جديدة مغاربية، في تونس حبيب السالمي وشكري المبخوت ومحمد عيسى المؤدب وكمال الرياحي...

ومن المغرب محمد شكري ومحمد زفزاف ومحمد الأشعري ومحمد برادة ومحمد بنيس وعبد الفتاح كيليطو وحسن النجمي وماحي بينبين... ومن الجزائر الطاهر وطار وأمين الزاوي وكمال داود وأحمد طيباوي وبشير مفتي وسعيد خطيبي وآمنة بلعلا... أسماء وأخرى ما انفكت تثير الدهشة والإعجاب وتتوسع مساحات مقروئيتها نتيجة جديتها واجتراحها النموذج الحداثي. تلك مدن مغاربية ومدن خليجية أصبحت مرجعيات إبداعية تثير فضيلة الإنصات الفكري والجمالي في العالم العربي وفيما وراء بحار هذا العالم.

ما يجب تسجيله هو أن في عصرنا هذا الذي يكنّى عصر المعارف الاصطناعية والتحول التقني والإعلامي والشكلي، فإن الذي استجد في الواقع وكحقيقة يدعمها إعلام مركّز وموجه، أن مدناً مثل الشارقة أو دبي أو أبوظبي أصبحت حواضر مركزية، ليس فقط بسبب ما تَحقَّق بها من حال جديد اقتصادياً وعمرانياً وسياحياً، ولكن أيضاً بسبب الانتعاش المسجل على المستوى الجامعي والبحث العلمي والأداء الأدبي. ثم إن فكرة إطلاق جوائز ذات القيمة المادية المعتبرة جذب انتباه الكتاب والمبدعين، المعروفين منهم والجدد للالتفاف حول الفضاء العمراني بما يحويه من ظلال أخرى.

يكاد الأمر يبلغ بالفكرة أن تتبناها كل مدينة وعلى طريقتها، فتخلق كل منها جائزة لها لتتحول إلى مؤسسة بتقاليد ثقافية وفكرية وسياسية أيضاً تقوم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالتعريف لها والترويج لروحها، إذ لا مدن من دون روح، وروح المدينة يصنعها الفنانون والكتاب والمبدعون بشكل عام. إنها الروح التي تشكل عمود التاريخ ولبه. وبالفعل فقد استطاعت المدن هذه خلال العشرية الأخيرة أن تفرض وجودها لتستقطب مثقفي وأدباء العالم العربي وشمال أفريقيا، على مستوى المنابر الإعلامية والمؤسسات الأدبية والمؤسسات الجامعية ومراكز البحوث، وإن تموضع هذه الإنتلجانسيا الإبداعية والفكرية شكّل رأسمالاً كبيراً على المستوى الرموزي، ساهم في صناعة ما يسمى بالأسطورة اليومية للمدينة، يضاف إلى ما تحقق مادياً وعمرانياً في هذه المنطقة، فالأدب والفن والفكر بما يحملانه من روح التنافس الإيجابي الخلاق، يضخ الحياة بحرارتها الإنسانية في برودة وجماد ناطحات السحاب والأبراج. من الحكمة التفكير بأن المال والتطور الاقتصادي والتقني والعمراني وحده لا يصنع مجتمعاً، وهو ما انتبه إليه أصحاب القرار في هذه البلدان، فعملوا على تخطيط يجمع ما بين البنية المادية والبنية الروحية الفنية الجمالية.

لكن الصفيح الساخن الدوار، سحب الجهة الأخرى نحو الظل، فخفتت أنوار كثير من المدن التي كانت تمثل المراكز الحضارية من قبل، على مدى قرن من الزمن تقريباً، ومن بين الأسباب في ذلك أن المسؤولين عليها لم يتمكنوا من إعطائها نفساً جديداً، وأن يخلصوها من الروتين وفخ التفاخر بالماضي، ورغم غناها بالموارد البشرية والثروات الطبيعية المختلفة فإن الفساد في الأنظمة السياسية والاقتصادية وطغيان ظاهرة المال المهدور دون تسيير عقلاني، جعلها تتراجع مكتفية بالحنين إلى أزمنة غابرة وأسماء صنعت مجدها في الماضي القريب أو البعيد. ليس من المستحيل مادياً على هذه المدن التي كانت أقطاباً حضارية أن تؤسس هي الأخرى عشرات الجوائز في الرواية والشعر والفن التشكيلي والسينما والصورة والموسيقى والمسرح والرقص، لو أنها تتفادى المزيد من العثرات القاتلة من سوء التسيير وتنتبه إلى طغيان إيقاع الحياة الذي تجاوزته ساعة التاريخ.

ولأن التاريخ يحلو له أحياناً أن يطل برأسه على الناس ساخراً ليذكرهم بأمر ما، فإنه يظهر هذه المرة وهو يريد أن يعيد إلى الأذهان فكرة أساسية للعلامة ابن خلدون، حين ذهب إلى أن شرط المدنية يتطلب نزع تسليح القبائل. يريد أن يدرك الناس مدى تغير مفهوم القوة في هذا العصر، وأن الأقوى ليس بالضرورة من يمتلك حظيرة أسلحة متطورة فتاكة، بل إن كفة ميزان القوة أضحت تميل جهة من يستقطب ويمتلك مشاتل حيوية من العقول المنتجة. والغلبة للأذكى.

ولأن الوجود منصة ستظل تدور وتدور، فلا شك أنها ستفاجئ البشرية بتغييرات مدوخة قادمة، وتأتي بأخبارها من لم تزود.

* شاعرة وروائية

وأستاذة جامعية - الجزائر


الشرق الأوسط

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة