الحكي بطريقة السرد غير الطبيعي

من الظواهر السلبية في الرواية العربية

الحكي بطريقة السرد غير الطبيعي
TT

الحكي بطريقة السرد غير الطبيعي

الحكي بطريقة السرد غير الطبيعي

من المؤسف أن الرواية اليوم لم تعد تُعنى بالشكل بقدر عنايتها بالمضمون الذي صارت تهتم به اهتماماً جعلها تتفنن في توظيفه؛ بدءاً من ولعها بالسياسة والفلسفة والصحافة، وانتهاء بالتداخل مع المعارف والثقافات، بشكل بيّن وبصور متغايرة. ووراء شح الفن ونضوب التجريب في الكتابة الروائية، العجلة في استثمار المقدرة، والافتقار إلى أصالة الوعي بأهمية الإخلاص للفن والتعبير به.
وما كان لروايات عربية مثل «ثرثرة فوق النيل» أو «اللص والكلاب» أو «موسم الهجرة إلى الشمال» أو «النخلة والجيران» أن تكون أمثولات سردية لولا عناية كتّابها بالأشكال التي بها عرضوا مضامينهم المميزة المنتقدة والمحرضة والمثورة والمصورة للواقع ومتغيراته. وهكذا لاقت كتاباتهم صدىً نقدياً وجماهيرياً أخذته وما زالت تأخذه على الصعيدين الفني والحياتي.
بيد أن جل الإنتاج الروائي اليوم هو كمي يُعنى بالثيمة الموضوعية ويفتقر إلى التجريب النوعي في شكل مشاريع سردية يراهن على نجاحها. وقد يقال إن تسارع الواقع وجسامة منغصاته وبشاعة تداعياته على اختلاف صورها وأبعادها هو ما يستدعي من الروائي العربي الاهتمام بالمضامين، أما المواكبة السردية لما هو تجريبي وجديد؛ فهذا ما يندر حصوله، بل إن الروائي العربي نفسه على عجلة من أمره، وهو محتدم الحال أيضاً كاحتدام واقعه.
وجزء من هذا الاحتدام عائد إلى الهوس بكتابة رواية مفصلَّة على وفق مقاسات تحددها دواعٍ خارجية، كالتعجل للحاق بفرصة نشر ما، أو الاشتراك في مسابقة ما، خصوصاً أن هناك جوائز من الدسامة بما يسيل لها اللعاب، وقد يسعى الروائي بكل ما أوتي من سرعة إلى الإيفاء بمتطلبات الترشح لها، ملبياً مستلزماتها؛ الأمر الذي يزيد من حدة الضغط والاحتدام ليكون هذا الروائي في وضع لا يحسد عليه وهو يبحث عن قالب تقليدي يضخ فيه منظوره الواقعي فوتوغرافياً أو مونودرامياً، ولا شأن له بأي تجريب غير محسوب النتائج، كما أنه لا سعي لديه للظفر بأي فرص تسنح له بالتأني والتأمل الفنيين.
وبهذا ترسم الرواية صورة تقليدية للواقع في احتدامه ومعتادية قواعده وأبنيته، فلا هي تبحث عما هو مدفون تحت هذا المعتاد من مخبوءات؛ ولا هي تخلخل الثوابت وتضعضع الأساسات.
ومع التسارع في الإنتاج الكمي للمضامين يكون المتحصل النوعي ضعيفاً، ليكون مآل الرواية العربية مستقبلاً مآلاً مأزوماً بالإشباع الموضوعاتي حد التخمة والإغراق. ومن تداعيات هذا الإغراق أن غدت الحكاية هي القالب المعتاد الأكثر استعمالاً في الكتابة السردية اليوم. وقد عدَّها جيرار جينيت ترسيمة أساسية في بناء الرواية، مميزاً الحكاية عن القصة والسرد؛ إذ إن الفعل السردي فيها عادة ما يكون حدثاً قولياً ضمن خطاطة اتصالية ذات طرفين: الأول بطل هو حكاء، والثاني مستمع متلق هو نديم. ومنطق الأفعال هو الذي يجعل الحدث مروياً كما هو شفهياً أو مكتوباً على نحو تكون فيه الشخصيات إما «مبئرة» وإما «مبأرة»، ويكون مجرى الأحداث منتظماً زمنياً كسلسلة تتعلق بأشياء ذات حياة أو بأفكار تبين على السطح (عودة إلى خطاب الحكاية، ص133).
ولا يضمن توظيف الحكاية إنتاج سرد متماسك إلا بوجود منظور تطوري وإدراكي يعزز التقاليد الشفوية والكتابية للحكاية. ولا فرق في ذلك إن كان السرد طبيعياً أم كان غير طبيعي. ومثَّل جينيت على هذا الأخير ــ وإن لم يسمه بهذا الاسم ــ ببقاء الأفراد أحياء بعد أن يكون الذئب قد التهمهم، أو بقاء يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام وخروجه بعد ذلك سالماً (عودة إلى خطاب الحكاية، ص173)، وهو ما تناوله بشكل واف براين ريتشاردسون في مقالته «نظرية السرد المضادة واللاطبيعية... وما بعد الحداثة» وتحدث عن بعض جوانبه ديفيد هيرمان في مقالته «علم السرد علماً إدراكياً (Narratology as a cognitive science)».
وإذا كان السرد الطبيعي يقوم على فرضية مطابقة ما هو حقيقي ضمن سياق اتصالي يماثل أوضاع الواقع الحياتية، فإن فرضية السرد غير الطبيعي تقوم على أساس عدم استنساخ العالم بشكله المباشر، وإنما التعبير عنه على نحو وهمي تحكمه مبادئ لا علاقة لها بالعالم الحقيقي من حولنا، لكن بالفهم الإدراكي تتعزز الصلة التوليفية بين السرد والعقل، فيكون في إعادة بناء الفهم العقلي شكل من أشكال التواصل مع هذا السرد. وهذا ما يجعل السرد غير الطبيعي أكثر تحدياً في توظيف الحكاية، لأن التواصل السردي يظل مرتهناً بالفهم الإدراكي لما هو غير معقول واقعياً.
ومن الروايات التي وقعت في مطب الفهم الإدراكي في توظيف الحكاية بطريقة السرد غير الطبيعي لما هو جسدي، رواية «عن لا شيء يحكي» لطه حامد الشبيب (منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق 2020)، ومرد الإخفاق في التوظيف يعود إلى:
أولاً: أن الروائي جعل بطله الأعمى (حمادي) حكاءً بضمير الأنا، ممارساً أفعالاً غير منطقية لا تتناسب مع حالته ضريراً، مردداً باستمرار: «أنا حمادي الأعمى»، وموظفاً حاسة البصر باستعمال الفعل «أرى»: «مخيلتي ترى لي - أراهم يندفعون - أرى الزرقة - أستطيع أن أراها لا تبتسم - هكذا أراها بين الأشكال المرسومة - فإذا بي أراه مع المجموعة - أرى حمزة في أكثر من مظاهرة... إلخ)، غير مهتم بتوظيف الحواس الأخرى.
ولو كان السارد موضوعياً لتمكن من تبرير أفعال البطل غير المعقولة تبريراً عقلياً يتيح للقارئ فهمها وإدراكها. وهو ما نجح في توظيفه إبراهيم أصلان في روايته «مالك الحزين» التي فيها توفر الفهم الإدراكي للسرد غير الطبيعي بوجود سارد موضوعي بضمير الغائب وبطل أعمى هو «الشيخ حسني» الصائد للعميان مثله، والذي كان ينجح في إيهامهم أنه مرشد لهم وأنه ليس أعمى، معتمداً على حاستي السمع واللمس.
ثانياً: أن الروائي جعل الحكاء مستمعاً نديماً، هو ليس مساعداً يحقق للحكاية كفاية نحوية؛ بل معيقاً يقطع الحكي ويوقف تدفقه من خلال تكرار ظهور هذا النديم مقاطعاً الحكاء. ولو كان السرد طبيعياً لأفادت الإعاقة البطل ولدفعت بحكايته إلى الأمام. ولهذا استثنى إمبرتوايكو المعوقين كالعميان والمجانين من السرد لعدم قدرتهم على الحكي لمستمع هو غير معاق. (ينظر: القارئ في الحكاية، ص61).
ثالثاً: أن لغة الحكاء الشفاهية بدت مصطنعة وغير قادرة على إيهام المستمعين بمنطقية التخريف عن أمر هو اللاشيء... (سأحكي لكم حكاية طويلة عن لا شيء وجوده مؤكد في نظر أعمى) ص11.
رابعاً: أن معتادية الموضوع الروائي المتمثل في التلون الآيديولوجي وعدم المبدئية في تبني المواقف الفكرية ممثلاً في شخصيتي «حمزة» و«حمدية»، تضادت مع الحكاء «حمادي» وهو يحاول أن يصعِّد وتيرة الحبك غير الطبيعي بأفعال غير منطقية، فتارة يحدد الألوان ويصف الوجوه، وتارة أخرى يرسم انطباعات، من قبيل قوله: «قلبي يدق ويدق، وأرتجف، وأشعر أن وجهي يصير أصغر - هل كان الناس يرون دموعاً تنزل على خدي - وجهاً بني اللون، ليس أسمر، لا بني اللون... قريباً من لون الصدأ... وجه مجدور كله صفحة وعقد ولحية منثورة نثراً»، وبهذا انتفى التعاضد النصي ولم يعد التواصل اللفظي يسند بعضه بعضاً.
خامساً: الكسل السردي الذي يجعل الروائي يرصف الأحداث رصفاً بلا استراتيجية تنفذ إلى تراكيب الحكاية (أريد أن أحكي لكم حكاية ما أدري شنو، حكاية عن لا شيء، الأعمى خير من يحكي عن لا شيء... شنو تحكي عن لا شيء؟ شنو سكرت، فتبسم، إن كنت لا ترى لا شيء وتحكي عنه؛ فأنت بذلك تتحدث وتحكي عن لا شيء) ص9 ـ 10.
سادساً: هذا الرصف يهدر متعة القراءة ويمنع القارئ النموذجي من الاستجابة الجمالية للنص؛ إذ لا قرائن نحوية تركيبية دلالية تداولية تتوفر فيه، من قبيل قول الحكاء: «أتكئ الآن بظهري على جذع شجرة السدر الحنفية الخارجة من الحائط مفتوحة. الماء يتدفق ولا أحد يحبسه». ص99. ولكن كيف رأى الأعمى هذا المشهد لو لم يكن قد سمع صوت الماء؟ وكيف يكون أعمى وهو يرى «الأشكال المرسومة أمامي على الأرض تتراكب ويتعقد تشابكها... لا يوجد منفذ خلالها. أرفع عيني عن نهاية عصاي. عيناي الآن لا تنظران إلى جزء من أجزاء العصا. إنهما تنظران إلى نقطة ما في عمق شارعنا الضيق الصغير. منذ شهور وسنين لم أنظر إلى تلك النقطة أو سواها في عمق شارعنا»؟ ص91.
وهناك أمران يدللان على أن الروائي كان مدركاً المطب الذي وقع فيه حكّاؤه؛ الأول: محاولته التذكير بين الفينة والأخرى وبشكل متواتر بأن ما يراه الحكاء مسند إلى المخيلة؛ فهي التي توحي له بما يراه بعينيه... «فجأة تُنبهني مخيلتي إلى أني تركت ورائي باب البيت مفتوحاً على مصراعيه» ص107. والأمر الثاني توكيده أن ما يراه الحكاء هو عبارة عن لا شيء... «إنك لا تستطيع أن تقول عن الشيء هذا هو الشيء الفلاني إلا إذا حددت صفاته بالضبط... لأني لا أراه؛ فهذا يعني أني أتحدث عن شيء وجوده غير مؤكد بالكامل) ص 10.
وقد حاول الكاتب في آخر سطر من الرواية تبرير منطقية حكايته عن الأعمى «حمادي» بالقول: «حمادي لا يرى؛ إنما قلبه الذي كان يرى في تلك اللحظات» ص317. ولكن كيف يبررها وما زال السرد فيها غير طبيعي وبلا فهم إدراكي معقول؟!
وعدم توفر القرائن هو ما يجعل كثيراً من الروائيين يعافون توظيف الحكاية بطريقة السرد غير الطبيعي، محاذرين الوقوع في مطب الفهم الإدراكي الذي أخفقت رواية «عن لا شيء يحكي» في تحقيقه؛ لتكون رواية غير متماسكة والسبب عدم معقولية قالبها الحكائي.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.