استنفار في رام الله.. وإعلان الطوارئ في إسرائيل والأردن استعدادا للعاصفة الثلجية

مئات العائلات في غزة ستضطر إلى مواجهتها من دون كهرباء ولا بيوت

فلسطيني يحتمي بمظلة من الأمطار الغزيرة التي ضربت جل المدن الفلسطينية أمس (أ.ف.ب)
فلسطيني يحتمي بمظلة من الأمطار الغزيرة التي ضربت جل المدن الفلسطينية أمس (أ.ف.ب)
TT

استنفار في رام الله.. وإعلان الطوارئ في إسرائيل والأردن استعدادا للعاصفة الثلجية

فلسطيني يحتمي بمظلة من الأمطار الغزيرة التي ضربت جل المدن الفلسطينية أمس (أ.ف.ب)
فلسطيني يحتمي بمظلة من الأمطار الغزيرة التي ضربت جل المدن الفلسطينية أمس (أ.ف.ب)

رفعت السلطة الفلسطينية حالة الاستنفار استعدادا لمواجهة العاصفة الثلجية التي ضربت المنطقة أمس، في اختبار جديد للإمكانيات والقدرة على التعاطي مع الظروف الجوية الصعبة، ووسط قلق بالغ على أوضاع النازحين في قطاع غزة الذين يعيشون في كرفانات ومدارس مفتوحة.
ولتفادي حدوث وفيات، أقامت السلطة الفلسطينية غرف طوارئ في جميع محافظات الضفة الغربية، ووضعت خططا لمتابعة المشكلات في قطاع غزة وسط اتهامات متبادلة حول المسؤولية عن أزمة الكهرباء في القطاع. كما أعلن مفيد محمد الحساينة، وزير الأشغال العامة والإسكان، عن استعداد وزارته التام لمواجهة تداعيات المنخفض الجوي في جميع محافظات الوطن، والحد من آثاره، داعيا المواطنين إلى أخذ الحيطة والحذر خلال اليومين المقبلين تحسبا لأي طارئ.
وفيما رفعت طواقم الدفاع المدني من الاستعدادات، ونشرت مزيدا من العمال في شوارع الضفة، طالبت الشرطة الفلسطينية المواطنين بعدم التحرك بسيارتهم تحت طائلة المحاسبة، لتجنب الحوادث والانزلاقات التي يمكن أن تعطل عمل طواقم الإنقاذ.
كما طالبت الدكتورة ليلى غنام، محافظ رام الله والبيرة، المواطنين بالتزام شروط السلامة العامة، والتزود بالمواد الغذائية والأدوية المطلوبة، وخاصة بالنسبة لكبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة.
وإضافة إلى المؤسسات الرسمية، شمل الاستنفار كذلك المستشفيات التي أعلنت التزود بجميع الحاجيات اللازمة لتجاوز فترة المنخفض، كما أعلنت الشركات الخاصة التي تزود المواطنين بالكهرباء والماء والوقود استنفارا كذلك، خاصة أن الضفة الغربية عانت في مرات سابقة نقصا في الحاجيات والمؤن، والوقود والغاز، وذلك بسبب انخفاض التوريدات من إسرائيل. وفي هذا الصدد طمأن رئيس الهيئة العامة للبترول فؤاد الشوبكي، المواطنين إلى وجود احتياطي كاف من الغاز في الضفة الغربية لتجاوز المنخفض الجوي.
وتعيش فلسطين تحت تأثير منخفض عميق مصحوب بكتلة هوائية شديدة البرودة، يضرب المنطقة ويستمر حتى يوم غد السبت. وقد بدأت الثلوج لأول مرة منذ سنوات طويلة بالتساقط، أمس، على مرتفعات منخفضة، تفضح معاناة سكان قطاع غزة، الذين لا يتلقون الكهرباء سوى 6 ساعات في اليوم، وفي هذا الصدد حذرت أمس سلطة الطاقة والموارد الطبيعية في القطاع من إطفاء مولد أو أكثر من المحطة، مع دخول المنخفض بسبب تقليص الوقود.
وطالبت سلطة الطاقة الهيئة العامة للبترول بتوفير كميات الوقود المطلوبة دون تأخير، بهدف مساعدة المواطنين على تجنب معاناة حقيقية مع البرد والثلوج. لكن المعاناة الأصعب ستكون من نصيب المئات من سكان غزة الذين تهدمت منازلهم، وأصبحوا يعيشون في مدارس الأونروا أو كرفانات بديلة.
وفي إسرائيل عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جلسة مشاورات أمس، بمشاركة الجنرال يوحنان دانينو، المفتش العام للشرطة، ووزير الأمن الداخلي يتسحاق هارونوفيتش، وممثلي مختلف الدوائر الحكومية، وخدمات الطوارئ لتقييم الموقف، استعدادا للعاصفة الثلجية التي تجتاح المنطقة. وأكد نتنياهو خلال الجلسة وجوب ضمان وصول الكهرباء بشكل منتظم إلى جميع المستهلكين، وإعادة فتح الطرق التي قد تصبح غير سالكة بسبب تراكم الثلوج. ومن جانبه، شدد دانينو على أن الشرطة على استعداد للتعامل مع تداعيات العاصفة الثلجية، وقال إنه تم استخلاص العبر من العواصف السابقة، وخاصة تجربة العام الماضي.
وفتحت الشرطة في إسرائيل مركز استعلامات هاتفيا قطريا، لاستقبال مكالمات المواطنين التي تتعلق بالعاصفة الجوية، وعززت قواتها العاملة ميدانيا وفي مراكزها الهاتفية، وطلبت من السائقين ملاءمة طريقة قيادة السيارات للظروف الميدانية، والانصياع لأوامر أفراد الشرطة. كما أغلقت إسرائيل ميناء أسدود أمام دخول السفن من أي حجم ونوع، حتى انتهاء العاصفة المتوقعة، وفقا لما أعلنته إدارة الميناء.
وفي الأردن قررت الحكومة الأردنية أمس تعطيل العمل في الوزارات والدوائر الرسمية والجامعات والمدارس، والبنوك استعدادا للعاصفة الثلجية التي أطلق عليها الأردنيون اسم «جنى»، والتي بدأت تؤثر على المناطق الشمالية والوسطى مساء أمس، فيما حذر محمد سماوي، مدير عام دائرة الأرصاد الجوية، من احتمال حدوث تجمد، وتدني مستوى الرؤية، داعيا إلى الابتعاد عن الأماكن المعرضة للصواعق، والأماكن المنخفضة لتلافي السيول وفيضانات الأودية.
وقال سماوي إن هطول الثلوج سيشمل محافظات البلقاء وجرش، وإربد وعمان، والزرقاء والمفرق، ومادبا وعجلون، والكرك والطفيلة، إضافة إلى أجزاء من محافظة معان، والمناطق الشرقية والشمالية الشرقية التي يزيد ارتفاعها على 600 متر فوق سطح البحر.
ولمواجهة هذه العاصفة الثلجية أقبل الأردنيون بكثافة على المتاجر، واشتروا نحو 20 مليون رغيف خبز، في الوقت الذي لا تزال فيه مخابز المملكة تشهد تهافتا من قبل المواطنين على الخبز، مما أدى إلى نفاد كميات الطحين من بعض المخابز، مع دخول العاصفة الثلجية «جنى»، وفق ما قال عبد الإله الحموي، نقيب أصحاب المخابز والحلويات لـ«الشرق الأوسط». كما ارتفع الطلب على شراء المواد الغذائية في السوق المحلية خلال اليومين الماضيين بشكل ملحوظ، وذلك بالتزامن مع تأثر المملكة بالعاصفة الثلجية.
من جانبه، أكد عقل بلتاجي، أمين عمان، جاهزية الأمانة بكل آلياتها وأطرها البشرية للعمل بأقصى جهد خلال الظروف الجوية السائدة، وشدد خلال اجتماع في مركز طوارئ على تطبيق خطة العمل بدقة متناهية، والاستفادة من حجم الاستعداد الكبير وعدد الآليات.
وجهزت الأمانة، التي أعلنت حالة الطوارئ القصوى اعتبارا من أمس، ما يزيد على 300 آلية للعمل على فتح الشوارع الرئيسية، وجهزت أوراشا متنقلة للتعامل مع الأشجار المتضررة من العواصف الثلجية، وأخرى لصيانة الإنارة والإشارات الضوئية، وتزويد الآليات بالوقود وصيانتها والتعامل مع أي عطل.
من جانبها، قالت مصفاة البترول الأردنية إن الطلب على الغاز والمشتقات النفطية ارتفع بنسبة ما بين 36 إلى 90 في المائة في اليومين الماضيين، استعدادا للظروف الجوية المتوقعة. وفيما يتعلق بالمشتقات النفطية، قالت إن شركات تسويق المشتقات النفطية حملت في اليومين الماضيين ما مجموعه 1580 طنا من البنزين، و4565 طنا من الكاز، و23613 طنا من الديزل.
على صعيد آخر، عبرت منظمة «كير» العالمية عن قلقها العميق تجاه اللاجئين السوريين، جراء العاصفة في الأردن، وقالت في بيان إن اللاجئين السوريين وجدوا أنفسهم في أوضاع تزداد سوءا نتيجة تأثير العاصفة الثلجية.
وقالت سلام كنعان، مديرة المنظمة في الأردن: «بالنسبة للاجئين الذين يعيشون أوضاعا حرجة أصلا، تأتي هذه العاصفة بمثابة كارثة أخرى تنضاف لمصابهم، حيث فر الملايين من الصراع الدائر في بلادهم بالقليل من ممتلكاتهم في أحسن الأحوال، وغالبا دون أن يحملوا معهم أي شيء، لتأتي الثلوج لتضيف إلى أعبائهم عبئا لا تحمد عقباه».
وأضافت كنعان أن «المشكلة لا تكمن في قلة جاهزية هذه العائلات لاستقبال العاصفة، بل في عدم توفرهم على المال اللازم لشراء الوقود أو إصلاح مساكنهم غير المعدة لمثل هذه الظروف، فهم بحاجة للمزيد من المساعدة، ولكن الاستجابة للأزمة السورية تشكو نقصا حادًّا في التمويل».



العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.


«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.