أوروبا تعيد تأهيل أبنيتها لتصبح صديقة للبيئة

مبادرات محدودة في العالم العربي

أوروبا تعيد تأهيل أبنيتها لتصبح صديقة للبيئة
TT

أوروبا تعيد تأهيل أبنيتها لتصبح صديقة للبيئة

أوروبا تعيد تأهيل أبنيتها لتصبح صديقة للبيئة

سلّطت أزمة «كورونا» (كوفيد - 19) الأضواء على المباني وأهميتها في الحياة اليومية وهشاشتها تجاه العوامل المحيطة. وطوال فترة الوباء، كان المنزل هو النقطة المحورية في الحياة اليومية للملايين؛ فهو مكتب لأولئك الذين يعملون عن بُعد، وروضة أو فصل دراسي للأطفال والتلاميذ، وبالنسبة لكثيرين، كان مركز تسوق أو ترفيه عبر الإنترنت.
ويُعتبر الاستثمار في المباني عاملاً مهمّاً في إنعاش قطاع البناء والاقتصاد عامة في مرحلة التعافي بعد الوباء، إذ توفّر مشاريع تأهيل المباني فرص عمل كثيرة، وتخلق استثمارات في سلاسل التوريد المحلية في غالب الأحيان، كما تزيد من الطلب على المعدات عالية الكفاءة في استخدام الطاقة، وتعزز فرص مواجهة تغيُّر المناخ، وتضيف قيمة طويلة الأجل للممتلكات.
- موجة تجديد المباني الأوروبية
تُعدّ المباني مسؤولة عن نحو 40 في المائة من استهلاك الطاقة في الاتحاد الأوروبي، و36 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن استهلاك الطاقة، ولكن 1 في المائة فقط من المباني تخضع لعملية تجديد تتسم بالكفاءة في استخدام الطاقة كل عام.
ومن أجل تحقيق الهدف الأوروبي في خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 55 في المائة على الأقل بحلول 2030، يجب تقليل الانبعاثات في المباني بنسبة 60 في المائة، وخفض استهلاكها من الطاقة بمعدل 14 في المائة، كما يجب إنقاص الطاقة المستخدمة في التدفئة والتبريد بنسبة 18 في المائة.
وبفضل السياسة الأوروبية وتوفير التمويل، تستهلك المباني الجديدة نصف الطاقة، مقارنة بالأبنية التي شُيّدت قبل 20 عاماً. ولكن 85 في المائة من الأبنية القائمة حالياً في الاتحاد الأوروبي، أو 220 مليون مبنى، جرى تشييدها قبل سنة 2001. ومن المتوقع أن يبقى نحو 85 إلى 95 في المائة منها قائماً حتى سنة 2050. من أجل ذلك، يعمل الاتحاد الأوروبي على دعم ما يصفه بـ«موجة تجديد المباني»، لتصبح أكثر انسجاماً مع المعايير البيئية، ولإيجاد فرص عمل جديدة، وتحسين نوعية الحياة.
نشرت المفوضية الأوروبية مؤخراً استراتيجيتها التي تحمل عنوان «موجة تجديد لأوروبا، تخضير مبانينا وخلق فرص العمل وتحسين الحياة». وتهدف هذه الاستراتيجية في الحد الأدنى إلى مضاعفة معدلات تجديد المباني خلال السنوات العشر المقبلة، والتحقق من أن التجديدات تضمن زيادة كفاءة استهلاك الطاقة والموارد.
وتتوقع المفوضية أن يؤدي تطبيق هذه الاستراتيجية إلى تحسين نوعية حياة الأشخاص الذين يعيشون ضمن المباني المجدّدة أو يستخدمونها، وتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في أوروبا، وتعزيز الرقمنة وإعادة استخدام المواد وتدويرها. وترى المفوضية أنه بحلول سنة 2030 يمكن تجديد 35 مليون مبنى وخلق ما يصل إلى 160 ألف فرصة عمل خضراء إضافية في قطاع البناء.
ومع وجود ما يقرب من 34 مليون أوروبي غير قادرين على تحمل تكاليف الحفاظ على تدفئة منازلهم، فإن السياسات العامة التي يتبناها الاتحاد الأوروبي لتعزيز التجديد الموفّر للطاقة هي أيضاً استجابة لفقر الطاقة، ودعم صحة الناس ورفاههم، ومساعدة في تقليل فواتير الطاقة الخاصة بهم.
ستعطي الاستراتيجية الأولوية للعمل في ثلاثة مجالات، هي إزالة الكربون من التدفئة والتبريد، ومعالجة فقر الطاقة والمباني ذات الأداء الأسوأ، وتجديد المباني العامة كالمدارس والمستشفيات والمباني الإدارية. وتقترح المفوضية كسر الحواجز في جميع مراحل سلسلة التجديد، من تخطيط المشروع إلى تمويله وإنجازه، بمجموعة من التدابير التنظيمية وأدوات التمويل والمساعدة الفنية.
وستشمل الاستراتيجية تبني لوائح ومعايير أعلى حول أداء الطاقة في المباني لوضع حوافز أفضل لتجديدات القطاعين العام والخاص، وضمان الحصول على تمويل موجّه يسهل الوصول إليه، وزيادة الكفاءة في إعداد وتنفيذ مشاريع التجديد، عبر المساعدة التقنية للسلطات الوطنية والمحلية وتدريب وتنمية مهارات العاملين في الوظائف الخضراء الجديدة، وتوسيع سوق منتجات وخدمات البناء المستدامة.
كما تلحظ الاستراتيجية ابتكار طراز تصميم معماري جديد يجمع بين الجماليات العامة والأداء الوظيفي اليومي، وتطوير نهج الجوار في المجتمعات المحلية لدمج الحلول المتجددة والرقمية وإنشاء مناطق مستقلة في الطاقة يصبح فيها المستهلكون باعة للطاقة المتجددة. وتتضمن الاستراتيجية أيضاً مبادرة الإسكان الميسور في 100 منطقة.
وكانت اللجنة الأوروبية للأقاليم أبدت في منتصف مارس (آذار) الماضي تأييدها لاستراتيجية تجديد المباني. وقدمت اللجنة، التي تضم ممثلين عن المجتمعات المحلية والأقاليم في البلدان الأوروبية، مجموعة من المقترحات الإضافية لنشر موجة التجديد بنجاح في كل منطقة.
وتشمل هذه المقترحات، على سبيل المثال، اتخاذ تدابير لتجنب عمليات الإخلاء لتنفيذ أعمال التأهيل وتجنب نقل تكاليف التجديد إلى المستأجرين، على أن تتم زيادة الإيجارات بالتناسب مع الوفورات الناتجة عن حفظ الطاقة. وتدعو اللجنة إلى نشر موجة التجديد بشكل متساوٍ في المناطق النائية والأقل تحضراً، بما في ذلك المجتمعات الريفية.
ومن المقترحات أيضاً تعزيز العمليات الدائرية في قطاع البناء وتشجيع اختيار تقنيات ومواد البناء، على أساس دورة حياتها. وكذلك تقديم دعم كبير لقطاع البناء الذي تأثر بشدة خلال أزمة فيروس «كورونا»، ومواصلة نشر أنظمة إدارة الطاقة ونمذجة معلومات البناء.
- تحولات البناء الأخضر في العالم العربي
عبر مراحل التاريخ، تطورت أساليب العمارة في البلدان العربية، لكنها كانت على الدوام عمارة محلية متآلفة مع محيطها وصديقة للبيئة. ويتجلى ذلك في استخدام مواد البناء الطبيعية، كالحجارة والطين والخشب التي توفّر الحماية من تقلّبات المناخ، ويجري تدويرها عند إعادة الهدم والبناء، أو من خلال تطبيق عناصر معمارية تضمن ظروف الإضاءة والتهوية، مع الحفاظ على الخصوصية في الوقت ذاته، مثل الملاقف والمشربيات والقمريات. وفي العديد من الأماكن، كانت البيوت تنغلق على الخارج وتعوض ذلك بفضائها الداخلي حيث الأشجار ونباتات الزينة وبركة المياه.
على أن ذلك بدأ بالتغيُّر قبل نحو قرن من الزمان، مع دخول الإسمنت البورتلاندي على نطاق واسع في قطاع البناء. وأصبح النمو الحضري في العالم العربي يحمل الطابع التجاري أكثر من تلبيته لحاجة المجتمعات في السكن الاجتماعي المريح والصحي. ومما شجع على ذلك شركات البناء المحلية، التي فضلت استيراد قوالب عمرانية غريبة عن محيطها بدلاً من تطوير أساليب العمارة التقليدية لتتناسب مع الأعداد المتزايدة من السكان.
وباستثناء تجارب محددة، لعل أشهرها المباني الريفية الطينية التي صممها المعماري المصري حسن فتحي، لم تحظ العمارة الخضراء التقليدية بالاهتمام الواسع في المنطقة العربية إلا قبل نحو عشر سنوات نتيجة أزمة الطاقة العالمية. وكان من نتيجة ذلك ظهور كودات بناء تتضمن اشتراطات تخص العزل الحراري، إلى جانب ما يتعلق بالتهوية والإنارة في اشتراطات الترخيص البلدية.
ويلحظ مشروع كود البناء الخليجي الموحّد اشتراطات تتعلق بالاستدامة والمباني الخضراء والحفاظ على الطاقة. كما أصبح كود العزل الحراري نافذاً في سوريا اعتباراً من نهاية سنة 2019 إلى جانب ترتيبات تخص استخدام الطاقة الشمسية لتسخين المياه في الأبنية الجديدة السكنية والخدمية الخاصة والتعاونية. وفي العراق، جرى إنجاز عدد من المدونات التي تتصل بالعمارة الصديقة للبيئة، مثل مدونة العزل المائي، ومدونة العزل الحراري، ومدونة التهوية الطبيعية والأصول الصحية، ومدونة الإنارة الطبيعية، ومدونة العمارة الخضراء. كما تبنّت الإمارات نهج العمارة الخضراء، وأصبحت معاييره إلزامية في كل من أبوظبي ودبي وفي المباني الحكومية في سائر البلاد.
وفي مصر، جرى اعتماد دليل تشغيل وحدة البيئة في صندوق الإسكان الاجتماعي، ودعم التمويل العقاري، بهدف تحقيق بيئة صحية سليمة خالية من التلوث من خلال تقديم حوافز لتوفير الطاقة، ورفع الوعي حول أفضل الطرق للتخلص من النفايات وتدويرها، وضمان الاستخدام الآمن للمباني، وتطبيق الكود المصري لتحقيق كفاءة استخدام الطاقة في المباني، مع إمكانية استخدام الطاقة المتجددة في بعض المواقع.
ومن الملاحظ أن معظم اللوائح العربية الخاصة بالأبنية الصديقة للبيئة تكاد تحصر اهتمامها بمسألة العزل الحراري في الأبنية الجديدة، وهي في أغلبها إرشادية غير إلزامية، ولذلك لا نجد تطبيقاً فعلياً لها سوى في الأبنية العامة التي يجري تمويلها من قبل الدولة.
وتوجد بعض المبادرات العربية في مجال تجديد المباني القائمة وتأهيلها لتصبح صديقة للبيئة، مثلما يجري في السعودية بتأهيل عدد من الأبنية الحكومية، لا سيما تلك التابعة لوزارة البيئة والمياه والزراعة. وكذلك في الإمارات حيث تعمل شركة الاتحاد التابعة لهيئة كهرباء ومياه دبي على تأهيل 30 ألف مبنى من المباني القائمة في دبي لتصبح مباني خضراء، بحلول سنة 2030، باستثمارات تصل إلى 10 مليارات درهم.
وفيما تُعدّ موجة تخضير المباني وتجديدها التي انطلقت في الاتحاد الأوروبي استجابة لتغيُّر المناخ، فإن تجديد المباني في كثير من بلدان العالم العربي يمثل ضرورة، ليس فقط لمواجهة تحديات المناخ وإنعاش الاقتصاد بعد أزمة «كورونا»، وإنما كمكوّن حيوي في أعمال إعادة التأهيل الواسعة للكثير من الأبنية العامة والخاصة التي طالها الضرر خلال السنوات القليلة الماضية بفعل غياب الاستقرار السياسي والاجتماعي.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».