هوليوود تحب الحرب وليبيا على الأبواب

أفلام جديدة حول حروب الشرق الأوسط في طريقها إليك

 المخرج مايكل باي على أبواب ليبيا
المخرج مايكل باي على أبواب ليبيا
TT

هوليوود تحب الحرب وليبيا على الأبواب

 المخرج مايكل باي على أبواب ليبيا
المخرج مايكل باي على أبواب ليبيا

في عام 1943 قام المخرج البريطاني، ذو الأصل المجري، سلطان كوردا بتحقيق فيلم حربي النزعة بعنوان «صحراء» تم تصويره في صحراء يوما، ولاية أريزونا، على أساس أنها الصحراء الليبية. لم يضطر همفري بوغارت، الذي قاد البطولة للسفر أكثر من ساعتين من لوس أنجليس إلى يوما ولعب دور العريف جو الذي يحاول قيادة أفراد فرقته الصغيرة إلى السلامة وسط مخاطر السقوط وسط الجحافل الألمانية المحيطة بهم. هناك شخصية سوداني (لعبه الأميركي الأبيض ركس إنغرام) يصبح محور الاهتمام إيجابيا عندما يصبح أمل الفرقة في العثور على الماء في تلك الصحراء. وأول ممثل عربي لعب أفلاما في هوليوود، وهو فرانك لاكتين (اسمه الحقيقي محمد لقطين وهو من مواليد قرية قب إلياس اللبنانية) له دور محدود هو دور الشيخ علي.
الفيلم بأسره كان كلاسيكيا. من النوع الذي يتّبع أساليب عمل لم تعد سائدة اليوم كما لو كانت زيّا اشتهر في حينها ثم لم يعد صالحا لزمن آخر. لكن ليبيا ما زالت حاضرة والحروب التي تشهدها أراضيها كذلك. وحاليا هناك منافسة على العودة إلى واحدة من الصحارى الآمنة في الولايات المتحدة، لتصوير أفلام عن الحرب الدائرة هناك.
أحد هذه المشاريع المكتوبة عنوانه «صحارى الموت» الذي وصل ليدي المخرج مايكل مان ولم يبد بعد رأيه فيه بعد. إنه فيلم مباشر عن الحروب بين الفئات المتصارعة اليوم يتعرّض في الوقت نفسه لمحنة طبيب بريطاني وجد نفسه في وسط حصاد القتل.
لكن هناك مشروعان آخران يبدوان آليين إلى التنفيذ قبل هذا العمل أولهما اقتباس عن كتاب ميتشل زوكوف المنشور قبل أكثر من عام بعنوان «13 ساعة: الرصد الداخلي لما حدث حقيقة في بنغازي». والمقصود هو المحنة التي تعرضت إليها فرقة من 6 رجال أميركيين (بينهم جنود سابقون وعميل سي آي أيه) حوصروا في السفارة الأميركية في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2012 من قبِل مسلحين ليبيين. الكتاب، لمن يقرر قراءته، حافل بالنقد للإدارة الأميركية التي لم تحسن التعامل مع الوضع وتأخرت في إنقاذ أرواح الأميركيين.
المخرج مايكل باي (الذي أنجز سابقا فيلمه الحربي الوحيد «بيرل هاربور» قبل أن يعمل على تحقيق سلسلة «ترانسفورمرز» التي هي بدورها نوع من الحرب وإن كانت بين الآدميين والمخلوقات الميكانيكية) انبرى واشترى حقوق تحويل الكتاب إلى فيلم وباعه مباشرة إلى شركة باراماونت التي انشغلت طوال الأشهر القليلة الأخيرة على تحضيره.
المشروع الثاني من إنتاج دانا برونتي، التي نرى لها الآن «50 درجة من غراي». هذه اتصلت بأحد الناجين من هؤلاء الرجال، واسمه تايرون وودز، وابتاعت مذكراته غير المنشورة. كذلك اشترت حقوق تحويل حياة رفيقه الآخر غلن دوهرتي، الوحيد من المجموعة الذي لقي حتفه في القتال. السيناريو يُكتب الآن.

سبب حاسم
هناك هجوم سينمائي واسع على الأحداث الواقعة في بلدان من الشرق الأوسط وفي حين تدور هذه الأفلام الثلاثة حول ليبيا، هناك آخر حول الحرب الدائرة في سوريا وآخر يرصد ما يمكن الخروج به من جديد في الحرب الدائرة في العراق بين المقاومين الأكراد و«داعش». وإذا ما وافقنا على اعتبار أن أفغانستان هي جزء من الشرق الأوسط كما يعتبرها البعض (ولو أنها جغرافيا ليست كذلك) وأضفنا ما تم إنتاجه من أعمال وما سيتم إنتاجه مستقبلا، فإن شاشات هذا العام والعام التالي ستعرض الكثير من أزمات المنطقة ومعاركها على الملأ في كل مكان.
يأتي نجاح فيلم كلينت إيستوود المدوّي «قناص أميركي» دافعا لذلك.
حكاية القناص كريس كايل الذي قتل من العراقيين منفردا ما لم يقم به أي جندي أميركي آخر في أي حرب خاضتها أميركا من قبل أو في العراق، جلبت، وعلى نحو غير متوقع 308 ملايين دولار من السوق الأميركية وحدها. أضف إلى هذا الرقم 86 مليون دولار أنجزها الفيلم حول العالم، حتى الآن، والرقم سيرتفع إلى قرابة 400 مليون دولار.
إنه من البديهي القول إنه منذ اندلاع حرب العراق الأولى قبل أكثر من 10 سنوات وهوليوود اهتمت بها. لكن ذلك الاهتمام لم يفرز نجاحا كالنجاح الحالي. «خزنة الألم» لكاثلين بيغيلو (2009) على شهرته وأوسكاره لم ينجز في أميركا أكثر من 50 مليون دولار. والأفلام الأخرى، من «جارهيد» (2005) وقبله «3 ملوك» (1999) إلى «هوم لاند» (2011) و«فعل شجاعة» (2012) مرورا بعشرات الأفلام التي تطرّقت إلى تلك الحرب مثل «منطقة خضراء» (2010) و«لعبة عادلة» (2010) وفيلم الرعب «خلّصنا من الشر» (2014).
لكن الاهتمام الكبير بـ«قناص أميركي» مبرر من حيث أنه لم يكتف بعرض حكايات حول جنود أميركيين في القتال أو آخرين عادوا من تلك الحرب، بل، وفيما يتحدث عن القتال كما عن العودة، هو مأخوذ عن مذكّرات المحارب الأميركي المذكور التي وجدت جمهورا عريضا من القراء عندما نشرت ككتاب.
وجزء من الإقبال على كتاب ميتشل زوكوف أو على مذكرات بعض الناجحين من الدوامة الليبية يعود إلى قناعة هوليوود الحالية من أن المذكرات المنشورة أو الأقوال المأخوذة، على الأقل، من محاربين أميركيين فعليين، قد تكون الإجابة الصحيحة على ما كان ينقص الأفلام الأولى لتحقيق نجاحاتها. وفي ذلك لدى هوليوود الآن «قناص أميركي» لكي يبرهن على ذلك.

مشترو التذاكر
العامل الآخر في أسباب هذا الاهتمام يعود إلى أنه في السابق، أيام فيلم سلطان كوردي المذكور، كانت الحرب العالمية الثانية موردا كبيرا للقصص. وسواء أكان القتال في أوروبا أو في الشرق الأوسط (ليبيا أكثر من مرّة) أو في المحيط الأطلسي (بين الأميركيين واليابانيين) فإن الجمهور الأميركي كان ينتظر تلك الأفلام بشغف المؤيد للجهود الحربية الأميركية ومن موقف وطني صارم.
إلى أن حطّت الحرب الفيتنامية وأخذت هوليوود تطرح أفلامها عنها («سفر الرؤيا.. الآن»: «العودة إلى الوطن»: «همبرغر هِل» الخ..) كان الجمهور قد انقسم بشأن تلك الحرب وأفلامها. لذلك وجدنا هوليوود، التي كانت تعيش وضعا أكثر ليبرالية، تنجز أفلاما ضد الحرب أكثر مما أنتجت أفلاما معها.
لكن الأمر مختلف بالنسبة للحربين الأفغانية والعراقية. ليس أن الانقسام غير موجود، بل هناك ذلك الأثر الواضح لتلك الحرب على الداخل الأميركي. على الأسرة والفرد على حد سواء. على أن الأفلام المناوئة للحرب لا تحقق النجاح التجاري ذاته الذي تحققه الأفلام الحربية التي تتضمن تأييدا للحرب أو تأييدا للجنود الأميركيين. الجمهور الأميركي، شأنه في ذلك شأن كل جمهور آخر، يطلب أولا الفيلم الذي يُظهر له بطولات رائدة. تضحيات كبيرة. انعكاسات للسياسة الأميركية الخارجية. يريد أفلاما توافق على أن أميركا تسعى لإحلال الديمقراطية حول العالم وأن حروبها مشروعة في هذا السبيل.
«قناص أميركي»، الذي أثار حفيظة أكثر النقاد العرب حتى الآن، يؤمن بذلك كشأن كل ما اشترك فيه كلينت إيستوود أو أخرجه من أفلام حربية سابقة باستثناء أفضلها وهو «رسائل من آيوا جيما» الذي تحدّث فيه عن معاناة الجيش الياباني الذي قيّض له الدفاع عن الجزيرة الجبلية ضد جحافل القوات البحرية الأميركية. إنه فيلم لا يمكن الاستهانة بقوّته، وهو معني بتصوير شخصيته كبطولة، لكنها بطولة يعترف بأنها وُلدت في مجتمع أميركي عنيف وماتت فيه.
هذا ما يدفع كثيرين للتساؤل حول لماذا لا تقوم هوليوود بتحقيق أفلام عن معاناة العراقيين مثلا عوض تلك التي تصوّر معاناة الأميركيين في رحى المعارك أو بعد عودتهم إلى بلادهم. السبب بسيط وواضح: الجمهور الأميركي معني أكثر بأحوال جنوده ما يعني أن مشتري التذاكر الكثر هم من هذا الفريق. ما عدا ذلك، فإنه من غير المنظور أن يجرؤ منتج على تمويل فيلم يتحدّث عن معاناة الشعب الآخر لأن أحدا لن يرغب في مشاهدته. الأمثلة القليلة الحاضرة (مثل «ارتداد» لبرايان دي بالما و«أسود كمحلان» لروبرت ردفورد) هي خير دليل على ذلك. والغالب أن الأفلام التي ستنتقل للحديث حول ليبيا لن تختلف عن المنهج السائد بدورها.

* أميركي في سوريا
* فيلم آخر انطلق للتصوير من نتاج الأحداث الحاضرة في الشرق الأوسط هو «تغطية دمشق» Damascus Cover حول جاسوس غربي دخل دمشق مع مطلع الحرب الدائرة حولها ويتم تصويره حاليا في المغرب. والمغرب هو أيضا أحد مواقع تصوير Spectre: آخر أعمال جيمس بوند الذي قد يتطرّق إلى حروب الشرق الأوسط من دون أن يدور فيها.



«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز