هوليوود تحب الحرب وليبيا على الأبواب

أفلام جديدة حول حروب الشرق الأوسط في طريقها إليك

 المخرج مايكل باي على أبواب ليبيا
المخرج مايكل باي على أبواب ليبيا
TT

هوليوود تحب الحرب وليبيا على الأبواب

 المخرج مايكل باي على أبواب ليبيا
المخرج مايكل باي على أبواب ليبيا

في عام 1943 قام المخرج البريطاني، ذو الأصل المجري، سلطان كوردا بتحقيق فيلم حربي النزعة بعنوان «صحراء» تم تصويره في صحراء يوما، ولاية أريزونا، على أساس أنها الصحراء الليبية. لم يضطر همفري بوغارت، الذي قاد البطولة للسفر أكثر من ساعتين من لوس أنجليس إلى يوما ولعب دور العريف جو الذي يحاول قيادة أفراد فرقته الصغيرة إلى السلامة وسط مخاطر السقوط وسط الجحافل الألمانية المحيطة بهم. هناك شخصية سوداني (لعبه الأميركي الأبيض ركس إنغرام) يصبح محور الاهتمام إيجابيا عندما يصبح أمل الفرقة في العثور على الماء في تلك الصحراء. وأول ممثل عربي لعب أفلاما في هوليوود، وهو فرانك لاكتين (اسمه الحقيقي محمد لقطين وهو من مواليد قرية قب إلياس اللبنانية) له دور محدود هو دور الشيخ علي.
الفيلم بأسره كان كلاسيكيا. من النوع الذي يتّبع أساليب عمل لم تعد سائدة اليوم كما لو كانت زيّا اشتهر في حينها ثم لم يعد صالحا لزمن آخر. لكن ليبيا ما زالت حاضرة والحروب التي تشهدها أراضيها كذلك. وحاليا هناك منافسة على العودة إلى واحدة من الصحارى الآمنة في الولايات المتحدة، لتصوير أفلام عن الحرب الدائرة هناك.
أحد هذه المشاريع المكتوبة عنوانه «صحارى الموت» الذي وصل ليدي المخرج مايكل مان ولم يبد بعد رأيه فيه بعد. إنه فيلم مباشر عن الحروب بين الفئات المتصارعة اليوم يتعرّض في الوقت نفسه لمحنة طبيب بريطاني وجد نفسه في وسط حصاد القتل.
لكن هناك مشروعان آخران يبدوان آليين إلى التنفيذ قبل هذا العمل أولهما اقتباس عن كتاب ميتشل زوكوف المنشور قبل أكثر من عام بعنوان «13 ساعة: الرصد الداخلي لما حدث حقيقة في بنغازي». والمقصود هو المحنة التي تعرضت إليها فرقة من 6 رجال أميركيين (بينهم جنود سابقون وعميل سي آي أيه) حوصروا في السفارة الأميركية في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2012 من قبِل مسلحين ليبيين. الكتاب، لمن يقرر قراءته، حافل بالنقد للإدارة الأميركية التي لم تحسن التعامل مع الوضع وتأخرت في إنقاذ أرواح الأميركيين.
المخرج مايكل باي (الذي أنجز سابقا فيلمه الحربي الوحيد «بيرل هاربور» قبل أن يعمل على تحقيق سلسلة «ترانسفورمرز» التي هي بدورها نوع من الحرب وإن كانت بين الآدميين والمخلوقات الميكانيكية) انبرى واشترى حقوق تحويل الكتاب إلى فيلم وباعه مباشرة إلى شركة باراماونت التي انشغلت طوال الأشهر القليلة الأخيرة على تحضيره.
المشروع الثاني من إنتاج دانا برونتي، التي نرى لها الآن «50 درجة من غراي». هذه اتصلت بأحد الناجين من هؤلاء الرجال، واسمه تايرون وودز، وابتاعت مذكراته غير المنشورة. كذلك اشترت حقوق تحويل حياة رفيقه الآخر غلن دوهرتي، الوحيد من المجموعة الذي لقي حتفه في القتال. السيناريو يُكتب الآن.

سبب حاسم
هناك هجوم سينمائي واسع على الأحداث الواقعة في بلدان من الشرق الأوسط وفي حين تدور هذه الأفلام الثلاثة حول ليبيا، هناك آخر حول الحرب الدائرة في سوريا وآخر يرصد ما يمكن الخروج به من جديد في الحرب الدائرة في العراق بين المقاومين الأكراد و«داعش». وإذا ما وافقنا على اعتبار أن أفغانستان هي جزء من الشرق الأوسط كما يعتبرها البعض (ولو أنها جغرافيا ليست كذلك) وأضفنا ما تم إنتاجه من أعمال وما سيتم إنتاجه مستقبلا، فإن شاشات هذا العام والعام التالي ستعرض الكثير من أزمات المنطقة ومعاركها على الملأ في كل مكان.
يأتي نجاح فيلم كلينت إيستوود المدوّي «قناص أميركي» دافعا لذلك.
حكاية القناص كريس كايل الذي قتل من العراقيين منفردا ما لم يقم به أي جندي أميركي آخر في أي حرب خاضتها أميركا من قبل أو في العراق، جلبت، وعلى نحو غير متوقع 308 ملايين دولار من السوق الأميركية وحدها. أضف إلى هذا الرقم 86 مليون دولار أنجزها الفيلم حول العالم، حتى الآن، والرقم سيرتفع إلى قرابة 400 مليون دولار.
إنه من البديهي القول إنه منذ اندلاع حرب العراق الأولى قبل أكثر من 10 سنوات وهوليوود اهتمت بها. لكن ذلك الاهتمام لم يفرز نجاحا كالنجاح الحالي. «خزنة الألم» لكاثلين بيغيلو (2009) على شهرته وأوسكاره لم ينجز في أميركا أكثر من 50 مليون دولار. والأفلام الأخرى، من «جارهيد» (2005) وقبله «3 ملوك» (1999) إلى «هوم لاند» (2011) و«فعل شجاعة» (2012) مرورا بعشرات الأفلام التي تطرّقت إلى تلك الحرب مثل «منطقة خضراء» (2010) و«لعبة عادلة» (2010) وفيلم الرعب «خلّصنا من الشر» (2014).
لكن الاهتمام الكبير بـ«قناص أميركي» مبرر من حيث أنه لم يكتف بعرض حكايات حول جنود أميركيين في القتال أو آخرين عادوا من تلك الحرب، بل، وفيما يتحدث عن القتال كما عن العودة، هو مأخوذ عن مذكّرات المحارب الأميركي المذكور التي وجدت جمهورا عريضا من القراء عندما نشرت ككتاب.
وجزء من الإقبال على كتاب ميتشل زوكوف أو على مذكرات بعض الناجحين من الدوامة الليبية يعود إلى قناعة هوليوود الحالية من أن المذكرات المنشورة أو الأقوال المأخوذة، على الأقل، من محاربين أميركيين فعليين، قد تكون الإجابة الصحيحة على ما كان ينقص الأفلام الأولى لتحقيق نجاحاتها. وفي ذلك لدى هوليوود الآن «قناص أميركي» لكي يبرهن على ذلك.

مشترو التذاكر
العامل الآخر في أسباب هذا الاهتمام يعود إلى أنه في السابق، أيام فيلم سلطان كوردي المذكور، كانت الحرب العالمية الثانية موردا كبيرا للقصص. وسواء أكان القتال في أوروبا أو في الشرق الأوسط (ليبيا أكثر من مرّة) أو في المحيط الأطلسي (بين الأميركيين واليابانيين) فإن الجمهور الأميركي كان ينتظر تلك الأفلام بشغف المؤيد للجهود الحربية الأميركية ومن موقف وطني صارم.
إلى أن حطّت الحرب الفيتنامية وأخذت هوليوود تطرح أفلامها عنها («سفر الرؤيا.. الآن»: «العودة إلى الوطن»: «همبرغر هِل» الخ..) كان الجمهور قد انقسم بشأن تلك الحرب وأفلامها. لذلك وجدنا هوليوود، التي كانت تعيش وضعا أكثر ليبرالية، تنجز أفلاما ضد الحرب أكثر مما أنتجت أفلاما معها.
لكن الأمر مختلف بالنسبة للحربين الأفغانية والعراقية. ليس أن الانقسام غير موجود، بل هناك ذلك الأثر الواضح لتلك الحرب على الداخل الأميركي. على الأسرة والفرد على حد سواء. على أن الأفلام المناوئة للحرب لا تحقق النجاح التجاري ذاته الذي تحققه الأفلام الحربية التي تتضمن تأييدا للحرب أو تأييدا للجنود الأميركيين. الجمهور الأميركي، شأنه في ذلك شأن كل جمهور آخر، يطلب أولا الفيلم الذي يُظهر له بطولات رائدة. تضحيات كبيرة. انعكاسات للسياسة الأميركية الخارجية. يريد أفلاما توافق على أن أميركا تسعى لإحلال الديمقراطية حول العالم وأن حروبها مشروعة في هذا السبيل.
«قناص أميركي»، الذي أثار حفيظة أكثر النقاد العرب حتى الآن، يؤمن بذلك كشأن كل ما اشترك فيه كلينت إيستوود أو أخرجه من أفلام حربية سابقة باستثناء أفضلها وهو «رسائل من آيوا جيما» الذي تحدّث فيه عن معاناة الجيش الياباني الذي قيّض له الدفاع عن الجزيرة الجبلية ضد جحافل القوات البحرية الأميركية. إنه فيلم لا يمكن الاستهانة بقوّته، وهو معني بتصوير شخصيته كبطولة، لكنها بطولة يعترف بأنها وُلدت في مجتمع أميركي عنيف وماتت فيه.
هذا ما يدفع كثيرين للتساؤل حول لماذا لا تقوم هوليوود بتحقيق أفلام عن معاناة العراقيين مثلا عوض تلك التي تصوّر معاناة الأميركيين في رحى المعارك أو بعد عودتهم إلى بلادهم. السبب بسيط وواضح: الجمهور الأميركي معني أكثر بأحوال جنوده ما يعني أن مشتري التذاكر الكثر هم من هذا الفريق. ما عدا ذلك، فإنه من غير المنظور أن يجرؤ منتج على تمويل فيلم يتحدّث عن معاناة الشعب الآخر لأن أحدا لن يرغب في مشاهدته. الأمثلة القليلة الحاضرة (مثل «ارتداد» لبرايان دي بالما و«أسود كمحلان» لروبرت ردفورد) هي خير دليل على ذلك. والغالب أن الأفلام التي ستنتقل للحديث حول ليبيا لن تختلف عن المنهج السائد بدورها.

* أميركي في سوريا
* فيلم آخر انطلق للتصوير من نتاج الأحداث الحاضرة في الشرق الأوسط هو «تغطية دمشق» Damascus Cover حول جاسوس غربي دخل دمشق مع مطلع الحرب الدائرة حولها ويتم تصويره حاليا في المغرب. والمغرب هو أيضا أحد مواقع تصوير Spectre: آخر أعمال جيمس بوند الذي قد يتطرّق إلى حروب الشرق الأوسط من دون أن يدور فيها.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز