غياب السياسات يحرم لبنان من الوصول إلى «صناعات ثقافية» مثمرة

دراسة جديدة: بيروت المختبر الفعلي الذي ينتج الحياة الفنية في المنطقة

محررة الدراسة نادية فون مالتسان
محررة الدراسة نادية فون مالتسان
TT

غياب السياسات يحرم لبنان من الوصول إلى «صناعات ثقافية» مثمرة

محررة الدراسة نادية فون مالتسان
محررة الدراسة نادية فون مالتسان

دراسة جديدة تؤكد أن «الديناميكية الثقافية الاستثنائية التي تمتعت بها بلاد الأرز من الاستقلال إلى اليوم، هي فعل مبادرات خاصة بالدرجة الأولى، وأن لبنان افتقد باستمرار لأي رؤية رسمية جادة، تسمح بإنجاز بناء ثقافي تراكمي، يؤمن للمشاريع الطموحة استمراريتها، وهو ما يعيق استثمار الإمكانات الإبداعية الوافرة وتطويرها.
تحمل الدراسة عنوان «نظرة حول السياسات الثقافية في لبنان»، صدرت بالتعاون بين «المورد الثقافي» و«المعهد الألماني للدراسات الشرقية» في بيروت، في 150 صفحة، حررتها كل من الباحثَتين والناشطَتين الثقافيَتين حنان الحاج علي وناديا فون مالتسان، وتضم ثلاثة بحوث ومقدمة تعريفية، استغرق العمل عليها أربع سنوات، كي تبصر النور.
البحوث الثلاثة هي، «دراسة حول التشريعات الناظمة لقطاع الثقافة في لبنان» من إعداد نايلة جعجع، وأخرى حول «التمويل العام للثقافة في لبنان: فهم النظام المؤسستي وآلياته» من إعداد سيليا حساني، وثالثة حول «التراث وصناعة السياسات في لبنان» من إعداد كتارزينا بوزون. وتأتي المقدمة لتعطي فكرة عن تطور مفهوم السياسات الثقافية، ورصد المبادرات المختلفة في هذا المجال عبر السنوات. كذلك تتطرق إلى الوضع الثقافي العام في البلاد وضرورة صوغ سياسات ثقافية لجعل الإبداع مجالاً منتجاً مادياً ومعنوياً.
وتعتبر الدراسة أن لبنان من حيث الثقافة، «يتبوأ مكانة استراتيجية رفيعة في المنطقة بأسرها. وبيروت، هي المختبر الفعلي الذي ينتج الحياة الفنية والثقافية في الشرق الأوسط، والجسرَ الذي يعتبرُه عددٌ كبير من الفنانين والمُثقفين المكانَ الذي يتبناهم، وهي مركز تلاقٍ تتقاطعُ فيه الإنتاجات الفنية والتعددية الثقافية وحرية التعبير والدينامية والفن الطليعي، وعزَى الفضلُ في ذلك إلى عوامل عدة، من جُملتها موقعُ بيروت الجغرافي وإرثها التاريخي والتركيبة السياسية الخاصة في البلد».
محررة الدراسة، الباحثة في المعهد الألماني للدراسات الشرقية في بيروت، ناديا فون مالتسان تقول لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة الرئيسية التي واجهتنا هي الحصول على المعلومات والبيانات، فيما يتعلق بالتمويل. ففي وزرة الثقافة مثلاً كان من الصعب الحصول على أرقام، إما لأن لا صلاحيات لإعطائها أو لأن الأشخاص ليس لديهم المعلومات بالفعل». وتشرح بأن «القطاع الثقافي في لبنان نشيط للغاية، لكنه مرهون بالمبادرات الخاصة، وهو ما يجعل كل المشاريع مهددة بالتوقف، ومن الصعب تأمين استمراريتها». وتشير الدراسة في مواضع مختلفة إلى أن أحداً لم يرد الإفصاح عن حجم التمويلات التي يدفعها، وكأنها من الأسرار، تتساوى في ذلك الجهات الرسمية كما الخاصة. بعض الأرقام المنشورة، توضح أن ميزانية وزارة الثقافة، بالكاد تكفي احتياجات موظفي هذا القطاع وتقديم بعض الخدمات، وتمويل جزئي لعدد قليل من المشاريع. وهو ما لا يتناسب إطلاقاً مع حجم الأنشطة التي يعرفها لبنان. تقول فون مالتسان: «كان واضحاً لنا، أن الميزانية قليلة وأنها لن تتحسن، ومع انهيار سعر صرف الليرة صار الوضع أسوأ، لكنه في كل الأحوال لم يكن جيداً». تضيف: «مع ذلك، بمقدور الوزارة فعل الكثير. فدورها يتعدى التمويل، بمقدورها وضع بعض المباني أو المنشآت التي تملكها الدولة، في تصرف الفنانين. وهذا لا يكلف شيئاً. ومن المشكلات التي برزت خلال الدراسة، أن الجهات الرسمية تنظر للثقافة على أنها ذات دور ترفيهي لا تنموي، وهذا أيضاً يحتاج إلى عمل جدي لتغييره. كما بمقدور الوزارة أن تعمل على تكثيف التبادل الثقافي، وهذا يلزمه قرار وعمل، ويمكن أن يأتي بثمر كثير».
«خيبة أمل تنتاب الفنانينَ جراءَ الصعوبات التي واجهونها. فبدلاً من طلب الحصول على الدعم المالي، يتوجه العاملون الثقافيون إلى الوزارة التماساً لدعمها المعنوي» تقول الدراسة. «إذ كسبُ دعمُ وزارة الثقافة الرسمي، أي مُبادرة أو مشروعٍ أو فعالية ثقافية، بعضاً من الرعاية. وفي حالاتٍ أخرى، تُيَسرُ الوزارة بعضَ الإجراءات الإدارية، مثل تلك المتعلقة بطلبات الحصول على تأشيرات دخولٍ لفنانين أو غيرها من الإجراءات والأذونات ذات الطابع القانوني». وهو وصف دقيق، لما آلت إليه حال وزارة، لم يتعد دورها في الكثير من الأحيان، الشكليات الرسمية أو التسهيلات الصغيرة. بالنتيجة يرفض بعضُ المثقفين طلب الدعم الرسمي لمشاريعهم، لأنهم يعرفون سلفاً أن الأولوية في المساعدات هي للفعاليات ذات الطابع الراقي والتي يغلب عليها عنصر الترفيه.
تشي الأبحاث، بأن الحياة الثقافية في لبنان، تخضع لفوضوية عارمة، فوزارة الثقافة لم توجد قبل عام 1993، ووضعها التنظيمي، لا يزال يحتاج الكثير من العمل، وهو يتطور ببطء. لذلك فإن التمويلات الأجنبية وما تدفعه المؤسسات الخاصة، مع المبادرة الفردية، هي عصب الحيوية والديناميكية الثقافية. ففي مجال الأرشفة، على سبيل المثال، ثمة العديد من الجمعيات والمؤسسات التي تلعب أدواراً توثيقية مهمة.
ففي سجلات وزارة الداخلية والبلديات، ما يزيد على مائة جمعية ومؤسسة، يعود عمل بعضها إلى ستينيات القرن الماضي كـ«جمعية حماية المواقع والمباني القديمة»، التي أوقفت نشاطها في سنوات الحرب الأهلية لتستعيده بعدها. وقد أُنشئت هذه الجمعيات كردة فعل على ما تشهده بيروت من تغيرات، ومن بينها «مرصد التراث والحملة الأهلية» و«جمعية انقذ تراث بيروت»، التي تسعى إلى حماية تراث العاصمة العمراني، وكذلك «الحملة الأهلية لحماية دالية الروشة» التي تعمل للحفاظ على الشواطئ البحرية.
الدراسة لا تحاول توثيق كم المبالغ الأجنبية المدفوعة على القطاع الثقافي في لبنان، وهي مهمة ومؤثرة. ويبقى التركيز على التمويل الداخلي، حيث ترى الباحثة الألمانية فون مالتسان أنه يجب أن يفعل، وأن واحدة من المشكلات، ليس فقط تقاعس وزارة الثقافة، وإنما عدم إيمان المثقفين أنفسهم بالدور الذي على القطاع العام أن يلعبه كشريك أساسي لهم، لا سيما البلديات، التي يفترض أن يكون لها حضورها.
الدراسة نُشرت إلكترونياً وباللغات الثلاث العربية والفرنسية والإنجليزية. وهي من الدارسات القليلة التي تبحث في السياسات الثقافية. وتعلق فون مالتسان بأنها «خطوة أولى، لفهم المشكلات الحقيقية، ومحاولة إدراك العوائق من الجهتين: الجهة الرسمية والمثقفون». وما هو مبشر ربما، أن الدراسات حول السياسات الثقافية ستتوالى. فثمة اهتمام مستجد بالموضوع. قريباً تنهي سيليا حساني أطروحتها للدكتوراه في المجال، وهي إحدى الباحثات المشاركات في الدراسة، وتقوم مؤسسة سمير قصير بأبحاث من جانبها، وكذلك معهد باسل فليحان.
تقول مقدمة الدراسة «أن الاهتمام بموضوع السياسات الثقافية تنامى مع انطلاق شرارة ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) على غرار تنامي اهتمام المجتمع اللبناني بمراجعة مجمل الممارسات السياسية للنظام الحالي، وذلك من أجل رصد ما هو قائم وفهمه ونقده ودحضه ونقضه ومحاولة اقتراح البدائل على المستويات كافة». وجاءت كارثة انفجار 4 أغسطس (آب) 2020 لتجعل الإنقاذ يتقدم على كل شيء، بما في ذلك التنمية التي يفترض أن تكون الأساس. وتختصر الدراسة هدفها بالكلمات التالية «إن عملية إجراء البحوث وتجميع المعلومات وتحليل الأرقام ومقارنة الميزانيات في غياب الأرشفة والشفافية وتشتت قواعد البيانات - إن وجدت - وتضاربها وصعوبة الحصول عليها، تبقى عملية ضرورية يلتفت إليها وتحاول التصدي لها مجموعات من الناشطين والباحثين والتجمعات والمنظمات والمؤسسات الثقافية المحلية والدولية».
أما الأمل الفعلي في النهوض، فهو في تقوية حضور المهن الإبداعية على أنواعها، التي أصبحت إذا ما أحسن رسم سياسات ثقافية لتطويرها، قادرة ليس فقط على ترفيه المواطنين كما تظن وزارة الثقافة اللبنانية، بل تحقيق مداخيل وطنية. فالاستثمار في الإبداع بات أحد أهم منافذ النهضة في العصر الرقمي.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.