إثيوبيا تدفع نحو سيناريو «الأمر الواقع» في أزمة سد النهضة

الحرب حاضرة في أجندة السودان ومصر

إثيوبيا تدفع نحو سيناريو «الأمر الواقع» في أزمة سد النهضة
TT

إثيوبيا تدفع نحو سيناريو «الأمر الواقع» في أزمة سد النهضة

إثيوبيا تدفع نحو سيناريو «الأمر الواقع» في أزمة سد النهضة

تمضي إثيوبيا، وبإصرار مثير للحيرة، في عملية إتمام إجراءات الملء الثاني لسد النهضة الضخم، الذي تبنيه على النيل الأزرق، في موعده الذي حددته في يوليو (تموز) المقبل، متجاهلة النداءات والتحذيرات السودانية والمصرية، الداعية لإبرام اتفاق ملزم قبل القيام بهذه الخطوة المهمة والخطيرة.
ورفضت أديس أبابا كل المقترحات والتنازلات التي قدمتها مصر والسودان، ومن بينها مقترح مصري يقضي بالتنازل عن الوساطة والمراقبين، مقابل اتفاق قانوني ملزم في غضون 8 أسابيع. وأكد وزير المياه الإثيوبي سيليشي بيكيلي، بعد مفاوضات كينشاسا، أن بلاده لن تتخلى عن هذه الخطوة، وفي موعدها المحدد.
ويقول مراقبون في هذا الشأن إن إثيوبيا تدفع لوضع السودان ومصر «تحت الأمر الواقع»، وهو ما يضر بمصالحهما ويعرضهما لمخاطر كبيرة، ويضعهما أمام سيناريوهات متفاوتة وحتمية، بين اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، أو الاحتكام إلى القانون الدولي، كما لا يُستبعد أيضاً سيناريو اشتعال شرارة الحرب.
ولا يستبعد الكاتب الصحافي عثمان ميرغني الحسين، رئيس تحرير صحيفة «التيار» السودانية، المقرب من مراكز القرار في السودان، حدوث حرب، لكنه يقول إن احتمالاتها ضئيلة جداً رغم أنه لا يستبعد اشتعالها بسبب التوتر الحدودي مع إثيوبيا. ويعتقد الحسين أن التلويح بالحرب يُستخدم للتأثير على سير مفاوضات سد النهضة، لكنها لن تصل إلى حد التفكير الجدي.
- تحذيرات السيسي
وسبق أن حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أكثر من مرة، من أن كل الخيارات مفتوحة في حال حاولت إثيوبيا التأثير على حصة مصر من مياه النيل. وقال السيسي في تصريحات متلفزة، إن «مياه النيل خط أحمر، ولن نسمح بالمساس بحقوقنا المائية، وأي مساس بمياه مصر سيكون له رد فعل يهدد استقرار المنطقة بالكامل». وأضاف مهدداً: «لا أحد يستطيع أن يأخذ نقطة مياه من مصر، ومن يريد التجربة فعليه الاقتراب».
وبعد هذه التصريحات، أجرى الجانبان السوداني والمصري مناورات عسكرية في قاعدة مروي السودانية، أُطلق عليها اسم «نسور النيل»، بمشاركة مجموعات من القوات الجوية وقوات الصاعقة من البلدين، بهدف «قياس الاستعداد لتنفيذ عمليات مشتركة ضد أهداف مختلفة»، كما يجري تنسيق سياسي على مستوى عالٍ لتوحيد المواقف. وهو ما عده المراقبون بمثابة الاستعداد لسيناريو الحرب.
لكن وزيرة الخارجية السودانية، مريم المهدي، استبعدت في الدوحة أول من أمس، الخيار العسكري لحسم النزاع مع إثيوبيا، على الأقل في الوقت الحالي، مشيرة إلى أن الحديث حالياً ينحصر في الخيارات السياسية، وحشد الدعم من دول الجوار الإقليمي والرأي العالمي، لمنع إثيوبيا من المضي قدماً في زعزعة استقرار السودان ومصر.
وكان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قال أمام برلمان بلاده في 22 مارس (آذار) الماضي، إن إثيوبيا لا تنوي الانخراط في حرب مع السودان. وأضاف مشدداً: «لدى إثيوبيا كثير من المشاكل، ولا استعداد لدينا للدخول في معركة. لا نريد حرباً. من الأفضل تسوية المسألة بشكل سلمي».
لكن أحمد جدد إصرار بلاده على الاستمرار في ملء السد بما لا يضر بمصالح مصر والسودان. وأردف بالقول: «إثيوبيا ليس لديها أي رغبة على الإطلاق في إلحاق الضرر بمصر أو السودان، لكنها لا تريد أن تعيش في الظلام».
- الموقف الإثيوبي
يقول عبد المنعم أبو إدريس المتخصص في شؤون القرن الأفريقي لـ«الشرق الأوسط»، إن «التصريحات الإثيوبية الرامية للتهدئة لا تطمئن السودان ومصر، مع إصرار أديس أبابا على عملية الملء الأحادية، من دون الالتزام باتفاق أو رقابة دولية يسعى إليها البلدان. وتبقي هذه الخطوة الخيارات مفتوحة على مصراعيها».
ويقول أبو إدريس إن الحزب الحاكم في إثيوبيا يلعب بورقة السد كجزء من حملته الانتخابية، مع اقتراب الانتخابات التشريعية في الخامس من يوليو (تموز) المقبل، في محاولة منه لكسب الرأي العام الذي توحد في هذا الشأن. ويقول إن اثيوبيا تبحث عن دور سياسي في المنطقة، ويشكل السد بالنسبة لها عامل قوة جديد. ومن ناحية أخرى تريد رسائل تطمينية من السودان خصوصا، واتفاقيات استثمارية مشتركة على الحدود في منطقة الفشقة في إطار بحثها عن أمنها الغذائي. فالسد بالنسبة لأثيوبيا أكثر من مشروع تنموي.
ويؤكد الكاتب الصحافي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن عملية الملء الأول والثاني لسد النهضة متفق عليها ضمناً، في إعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث عام 2015، باعتبارها جزءاً من العملية الإنشائية والتشغيلية للسد، بهدف تجربة التوربينات، وبالتالي فإن أديس أبابا تتمسك بها بشدة، مستبعداً أن تكون هناك أضرار تذكر، وأن ما يجري التحدث عنه هو «أضرار مفتعلة وليست حقيقية».
نائب رئيس هيئة أركان الجيش السوداني الأسبق، الفريق أول ركن محمد بشير سليمان، والمتحدث باسمه، ربط بين تصريحات الرئيس المصري وتصريحات وزير الري السوداني التي تسير في الاتجاه نفسه، وتعتبر الموقف الإثيوبي مهدداً للأمن القومي للبلدين. بيد أنه رأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك فرصاً للسيطرة على الأوضاع وتقليل احتمالات الحرب، بتدخل المجتمع الدولي، الذي بمقدوره السيطرة على الموقف، ضمن مسؤوليته عن الأمن والسلم في الإقليم، والأمن والسلم الدوليين.
وزار السودان خلال الفترة الماضية عدد من المسؤولين الأجانب، بينهم وزير خارجية بريطانيا دومينيك راب، ومبعوث الرئيس الأميركي إلى السودان جون دانفورث، والسيناتور كريس كونز، في محاولة لنزع فتيل الأزمة.
ووافق الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة على الوساطة استجابة لدعوة سودانية، لكن إثيوبيا لا تزال ترفض رقابة دولية كحلٍ للأزمة.
وأوضح الفريق أول سليمان في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المجتمع الدولي «لن يقبل حدوث حرب في هذه المنطقة الحيوية». وأشار إلى «مخاطر عدة تهدد الأمن والاقتصاد الدوليين في حال اندلاع الحرب، انطلاقاً من كون المنطقة تتحكم في أهم ممرات التجارة الدولية، وعلى وجه الخصوص تجارة النفط». وقال إن أي نزاع فيها سيهدد اقتصاديات العالم ومصالح الدول الكبرى، ولذلك: «لن يسمح المجتمع الدولي بتجاوز كل هذه المخاطر، ولن يسمح بتهديد السلم والأمن الدوليين».
وحذر الفريق أول سليمان من مترتبات أخرى قد تنتج عن الحرب حال اندلاعها، وعلى رأسها أن المنطقة ستتحول لبؤرة للإرهاب الدولي، وتوفر المناخ الملائم لتطور العمليات الإرهابية. وتابع: «لو اندلعت الحرب ستتضرر الدول الثلاث، وسيتهدد أمنها القومي، بالرغم من أن كل الخيارات واردة». لكنه رجح تقدم التصور السوداني المتمسك بالحوار. وأضاف: «هناك فرص لنجاح المفاوضات، مقابل تأثير الحرب المدمر».
ويشير الفريق أول سليمان إلى أن الحرب يمكن أن تخرب منشآت السد، وهو ما قد ينجم عنه مخاطر منها أن السودان ومصر لن تستطيعا السيطرة على الأثر المدمر حال انفلات مياه السد.
وقال: «المياه المخزنة الآن إذا تعرض السد لأي عمليات حربية، قد لا تشكل خطراً على السودان، لكن بعد الملء الثاني، فإن السودان سيتضرر كثيراً. ولن يتأثر بذلك فقط 20 مليون مواطن، كما تقول التقارير الرسمية، بل كل السودان، لأن منطقة النهر هي منطقة الإنتاج الرئيسية في السودان».
ويرجح نائب رئيس هيئة أركان الجيش السوداني الأسبق، الفريق أول عثمان بليّة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن يعمد السودان ومصر إلى خيارات أخرى غير الحرب. وقال: «يمكن للسودان أن يلجأ إلى المنظمات الدولية... لا يمكن الدخول في حرب مع دولة جارة لم تحدث بيننا وبينها حروب سابقة».
- لهجة متصاعدة
ورجح بليّة عدم لجوء الجانب المصري إلى الحرب، واصفاً اللهجة المتصاعدة التي تمارسها القاهرة بأنها لن تتعدى ممارسة الضغوط على الجانب الإثيوبي. وقال: «لا يمكن أن تخوض دولة حرب ضد أخرى بوجود مجلس أمن ومجتمع دولي، ومجلس السلم والأمن الأفريقي»، مستبعداً دخول المصريين والسودانيين حرباً مع إثيوبيا، بقوله: «الحرب ليست خياراً، والحروب لا تحل أي مشكلة».
وتدفع مصر والسودان بقوة إلى إشراك المجتمع الدولي في هذه القضية للقيام بمسؤولياته في هذا الشأن.
وفي تصريحات عقب ختام اجتماعات كينشاسا، قال وزير الخارجية المصري سامح شكري إن مصر تتعامل مع الإجراءات الإثيوبية الأحادية «بكل جدية». وأضاف: «في هذه المرحلة سنعمل مع السودان في تنسيق كامل لتوحيد المواقف، وسوف نبدأ في إطار التوجه إلى المؤسسات الدولية وعلاقات كل من مصر والسودان بالأطراف الدولية المؤثرة، لإطلاعها على هذه التطورات، وضرورة الاضطلاع بمسؤوليتها».
وطالب شكري كل الأطراف الدولية بالتفاعل والاهتمام بالأمر، لأنه لا يمس مصالح مصر والسودان فقط، بل يمس أيضاً مصلحة الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، مطالباً في الوقت نفسه بأن تضطلع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والدول المؤثرة بمسؤوليتها والبحث عن مخرج.
ومن جانبها، قالت الحكومة السودانية إنها حددت كل السيناريوهات في التعاطي مع الأزمة، وإن جميع الخيارات أمامها مفتوحة وفقاً للقانون الدولي، بما فيها العودة مرة أخرى إلى مجلس الأمن الدولي، والاستعانة بدعم الأصدقاء في الإقليم وخارجه.
ووضع السودان خططاً احترازية استعداداً لأسوأ السيناريوهات، منها خطط فنية، وأخرى سياسية وإعلامية، لمواجهة مخاطر الملء الثاني للسد، والتي ستكون أسوأ من الملء الأول الذي أخرج عدداً من محطات المياه عن العمل. وسيقوم السودان، لأول مرة، بحجز مياه في بحيرة سد الروصيرص في يوليو (تموز)، للاستفادة منها في حال نقص المياه. رغم أن هذا الإجراء لا ينهي المخاطر ولكن يخفف من آثارها. وتظل جميع السيناريوهات مفتوحة مع اقتراب موسم الأمطار في يوليو الذي يحمل معه هذه المرة ربما مفاجآت غير سارة.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».