نابليون بعد قرنين... لماذا صفق له هيغل؟

تحتفل فرنسا هذا العام بمرور مائتي سنة على وفاة إمبراطورها

نابليون بونابرت
نابليون بونابرت
TT

نابليون بعد قرنين... لماذا صفق له هيغل؟

نابليون بونابرت
نابليون بونابرت

تحتفل فرنسا هذا العام بمرور مائتي سنة على وفاة إمبراطورها الفاتح الشهير: نابليون بونابرت. ومن المعلوم أن نابليون حكم فرنسا إمبراطوراً حتى سقوطه في معركة «واترلو» الشهيرة عام 1815، ثم اختفت عائلة نابليون من الساحة، ولم تعد تحكم فرنسا حتى ظهور نابليون الثالث عام 1850. وهذا الأخير حكم فرنسا مدة عشرين سنة؛ أي حتى هزيمة فرنسا أمام الجيش الألماني عام 1870. بعدئذ، لم يحكم أحد من سلالة نابليون فرنسا. ولكن السلالة ظلت متواصلة، أباً عن جد، من خلال الأمراء على مدار الأجيال. ومؤخراً، سمعنا بأن حفيد نابليون تزوج من امرأة جزائرية محترمة، تدعى ياسمين بريكي. ويمكن القول إن سلالة نابليون بونابرت أثرت على تاريخ فرنسا كثيراً، وتركت عليها بصماتها الكبرى.
وهذه العائلة ليست فرنسية الأصل، وإنما إيطالية من جزيرة كورسيكا. وقد ولد نابليون بعد سنة واحدة من ضم هذه الجزيرة إلى فرنسا. وبالتالي، لو ولد قبل ذلك بعام واحد لما عد فرنسياً! ومع ذلك، فإن فرنسا تفتخر به بصفته أحد أمجادها العظمى، بالإضافة إلى لويس الرابع عشر، أو الجنرال ديغول، أو حتى جان دارك. وقد ولد نابليون في كورسيكا، هو وإخوته وأخواته الكثيرين. وكانت ولادته عام 1769. أما وفاته، فقد حصلت في جزيرة القديسة هيلانة، حيث نفاه الإنجليز بعد أن قبضوا عليه وأذلوه، وهو النسر الشامخ الذي لا يهان ولا يُذل... وكانت وفاته عام 1821؛ أي وهو شاب تقريباً في الثانية والخمسين من عمره.
كان نابليون في البداية شاباً فقيراً يبحث عن عمل، ولم يكن يجد ما يريده في جزيرة كورسيكا، حيث ولد وترعرع. لذلك أرسله والده إلى فرنسا لكي يدخل الكلية العسكرية. وهكذا، تخرج ضابطاً عام 1787. وعندما اندلعت الثورة الفرنسية بعد سنتين فقط عام 1789، ساهم فيها، بل لفت إليه الأنظار في أثناء حصار طولون التي كانت محتلة من قبل الإنجليز. فقد استطاع تحرير المدينة من قبضتهم، وبرهن على مهارة عسكرية مدهشة غير متوقعة، وكان ذلك عام 1793. ولكن تعاطفه مع قضية اليعاقبة أدى به إلى السجن، بعد سقوط زعيمهم روبسبيير، ثم خرج من السجن، وأصبحت البلاد تحت قيادة قائد جيش الداخل بول باراس. وقد كلفوه بقمع تمرد الملكيين المضادين للثورة الفرنسية في باريس عام 1795، فنجح في ذلك نجاحاً باهراً.

- صعود سريع
يبدو أن معرفة نابليون بالاستراتيجية العسكرية، ومهارته في ساح الوغى، وكذلك شجاعته؛ كل ذلك أدى إلى ترفيعه في المناصب العسكرية بسرعة، ثم عينوه على رأس جيش إيطاليا الذي كان في حالة سيئة يرثى لها. ولكن على الرغم من ذلك، استطاع تنظيمه، وخوض المعارك الظافرة به ضد النمسا التي كانت قوة عظمى آنذاك؛ وهذا ما أذهل جميع المسؤولين في باريس. وبدءاً من تلك اللحظة، أخذ نجمه يلمع، واسمه يشتهر في كل الأوساط السياسية والعسكرية، بل حتى الشعبية. وعندما عاد إلى باريس من إيطاليا محاطاً بهالات المجد، خافت القيادة السياسية على نفسها منه، ومن شعبيته الضخمة في أوساط الشعب الفرنسي، فقررت إبعاده عن البلاد للتخلص منه. وهكذا، كلفوه بالحملة على مصر وهم يعتقدون أنه لن يعود منها سالماً. وبالتالي، لا يعود لينافسهم على حكم فرنسا. وقد أخذ معه فريقاً كبيراً من العلماء والمهندسين والأطباء والمفكرين، وهم الذين سيدشنون نهضة مصر والعالم العربي لاحقاً، عن طريق نقل الحضارة الأوروبية إلى الشرق العتيق الذي كان يغط في نوم عميق في ظل السلطنة العثمانية المهترئة. لقد أيقظ نابليون مصر من سباتها الطويل، وفتح عينها على العلم والتكنولوجيا والحضارة.
وبعد أن أقام نحو السنتين في مصر، قرر العودة إلى فرنسا بعد أن سمع بوجود أزمة في الحكم، وصراع على السلطة والنفوذ والمناصب والوجاهات وما إلى ذلك. لقد عاد لإنقاذ البلاد من الفوضى، ومن صراع الأجنحة المختلفة على السلطة. وربما شعر أن لحظته قد حانت للقفز على السلطة، وإزاحة كل معارضيه وحساده، وهذا ما فعله عام 1800. وبعد أن استولى على السلطة، نصب نفسه بمثابة القنصل الأول لفرنسا، وقد فعل ذلك عن طريق انقلاب عسكري في الواقع، ثم أجبر النواب أو ممثلي الشعب على اعتماد دستور جديد للبلاد، وهو دستور يخلع المشروعية على استيلائه على السلطة. وبهذا العمل، أغلق نابليون مرحلة الثورة الفرنسية، وكل الفوضى العارمة الناتجة عنها، وفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد: هي صفحة عائلته الإمبراطورية.
وقد برهن نابليون على عبقريته في مجال الحكم وتنظيم شؤون الدولة، مثلما أثبت عبقريته سابقاً بصفته قائداً عسكرياً يخوض الحروب في ساح الوغى وينتصر فيها. فقد نظم شؤون إدارة الدولة، وقسم فرنسا إلى محافظات مختلفة، وأسس النظام التشريعي أو القضائي، والنظام المصرفي، وقطاع التربية والتعليم، بل حتى المدارس الثانوية (أو الليسيه)، وشهادة البكالوريا من اختراعه أيضاً، ولا تزال فرنسا حتى الآن تعيش في بعض تشريعاتها على قانون نابليون، وهو القانون المدني الذي سنه عام 1809. وهو كذلك الذي أسس بنك فرنسا عام 1801، وهو الذي بنى قوس النصر الموجود في أعلى شارع الشانزليزيه الشهير الذي يزوره السياح بالملايين كل عام، تماماً كبرج إيفل، وهو الذي بنى مؤسسات أخرى كثيرة، ودشن عهد فرنسا الحديثة. وبالتالي، فالرجل كان عبقرياً في كل شيء، ناجحاً في كل ما يشرع به، وهذا من عجائب الأمور، أو قل إن الدنيا كانت تفتح أبوابها أمامه آنذاك فلا يستعصي عليه شيء، والدنيا إذا أقبلت عليك أقبلت، وإذا أدبرت أدبرت. والنجاح يجر النجاح، وكذلك الفشل. ولكن نابليون لم يصل إلى السلطة بسهولة، ولم يكن طريقه مزروعاً بالورود والرياحين، فالواقع أنهم حاولوا اغتياله أكثر من مرة. وفي إحدى المرات، كادوا ينجحوا لولا أن الله نجاه في آخر لحظة. وقد جرت المحاولة في أحد شوارع باريس الضيقة المزدحمة بالبشر، وذهب ضحيتها عشرة من المارة على الأقل، واتهمت السلطات أنصار النظام الملكي المخلوع بها، ولذلك أمر نابليون أجهزته بقمعهم قمعاً شديداً، ثم أرسل قواته لاعتقال وريث العائلة المالكة المقيم في ألمانيا، وأعدمه على الفور.
وهكذا، قطع الطريق على أي أمل في عودة العائلة المالكة السابقة إلى الحكم، وأفهمهم أنه سيغتال كل من يحاول اغتياله، بل سيغتال أولادهم وذريتهم، وهذا شيء مرعب. وعندئذ، خافوا على أنفسهم منه، وما عادوا ينظمون محاولات الاغتيال لتصفيته، فالإنسان يخاف على أولاده أكثر مما يخاف على نفسه. وبعد محاولة الاغتيال التي كادت أن تودي به، نصحه مستشاروه بتأسيس سلالة مالكة لوراثة الحكم بعده، إذا ما حصل له مكروه... وقالوا له إن هذه هي الطريقة الوحيدة لتأبيد حكمه، وحماية مؤسسات الجمهورية الفرنسية الوليدة، وقطع الطريق كلياً على عودة النظام الملكي السابق الذي كان راسخاً في العقلية الجماعية منذ مئات السنين؛ نقصد سلالة لويس الرابع عشر والخامس عشر... إلخ. ولهذا السبب، عدل نابليون الدستور لكي يتم انتخابه إمبراطوراً لكل الفرنسيين، ويحل نهائياً محل السلالة الملكية السابقة. وهكذا، توجوه إمبراطوراً على فرنسا، بحضور البابا شخصياً، وأصبح الإمبراطور نابليون الأول. وعلى هذا النحو، أسس سلالة مالكة ترث الحكم كابراً عن كابر. وبعد أن خاض عدة حروب ضد ملوك أوروبا المحافظين الذين لم يقروا له باستيلائه على الحكم، والإطاحة بالعائلة المالكة الفرنسية، وصل إلى ذروة مجده عام 1810، وأصبح يسيطر على مناطق واسعة في أوروبا، بعد أن ضمها إلى فرنسا.

- خطيئة نابليون
أكبر خطيئة ارتكبها نابليون، وأودت به، هي أنه لم يعرف كيف يتوقف في فتوحاته عند حد. ولهذا السبب، تآلبت عليه العروش الأوروبية، واستطاعت أن تهزمه لأول مرة عام 1813. والواقع أنها كانت تريد المحافظة على امتيازاتها ومصالحها ضد قائد الثورة الفرنسية الذي يريد أن ينقل إليها الأفكار الجديدة، في الحرية والمساواة والإخاء، والقضاء على المذهبية والطائفية. وكانت هي إقطاعية رجعية أصولية، تعد الشعب رعيتها أو ملكاً لها. أما هو فكان يحمل راية التنوير، وأفكار فولتير وجان جاك روسو ومونتسكيو... إلخ.
ولهذا السبب، صفق له هيغل، على الرغم من أنه كان يغزو بلاده، وقال عبارته الشهيرة: «رأيت الإمبراطور، روح العالم، على حصان!». وقد رأى فيه هيغل «العميل» الأكبر للتاريخ والتقدم البشري، بالمعنى النبيل العظيم لكلمة «عميل»؛ لقد أرسلته العناية الإلهية لكي يدك حصون الإخوان الأصوليين، ويسرع من حركة التاريخ. لقد أرسلته لكي يدشن العهد الجديد المشرق للبشرية. ولكن دارت عليه الدوائر في نهاية المطاف، بعد كل انتصاراته وفتوحاته، فأخرجوه من الساحة في معركة «واترلو» الشهيرة عام 1815، ثم دخل التاريخ أسطورة حية، ولا يزال. فهو أحد كبار الفاتحين، بالإضافة إلى الإسكندر المقدوني وبعض القادة الآخرين.
ومؤخراً، دلت استطلاعات الرأي العام على أنه أكبر شخصية في تاريخ فرنسا، بالإضافة إلى لويس الرابع عشر باني قصر فرساي العظيم، وشارل ديغول محرر فرنسا من الاحتلال النازي، بل دلت على أنه أعظم الثلاثة. والله أعلم.

- من أقوال نابليون
أيها الجنود، من أعالي هذه الأهرامات، تنظر إليكم أربعون قرناً من التاريخ!
الرجال العباقرة يشبهون النيازك التي تحترق لكي تضيء عصورها!
النجاح هو الذي يصنع لاحقاً الرجال العظام!
اتركوا الصين نائمة الآن... وذلك لأنه عندما تستيقظ الصين، فسوف يهتز العالم!
ولكن يقال إن هذه العبارة الأخيرة مزورة، وليست له. والله أعلم.


مقالات ذات صلة

هل مات الناقد الأدبي؟

كتب هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا.

لطفية الدليمي
كتب لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي

رشا أحمد (القاهرة)
كتب شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق ينظم المهرجان بنسخته الثالثة في مدينة الطائف (هيئة الأدب)

الطائف تحتفي بالرحلة الاستثنائية للشاعر محمد الثبيتي

تحتفي مدينة الطائف بالشاعر محمد الثبيتي وبرحلته الاستثنائية التي انطلقت من مسقط رأسه ووصل إشعاعها الآفاق من خلال النسخة الثالثة لمهرجان الكتّاب والقراء 2026.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق طفل يبحث عما يشبهه من كتب تحاكي ذاته (الشرق الأوسط)

650 ألف زائر يرسخ مكانة معرض جدة للكتاب كمنصة ثقافية إقليمية

مع رحيل آخر أيام معرض جدة للكتاب، يطرح المشهد الثقافي جملةً من الأسئلة حول المعرض وترسيخ مكانته كأحد أبرز الفعاليات الثقافية في المملكة.

سعيد الأبيض (جدة)

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».