طوابير السيارات تمتد في شوارع مدينة دمشق و«أخواتها»

الحكومة تضع آلية جديدة للحصول على الوقود

احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)
احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)
TT

طوابير السيارات تمتد في شوارع مدينة دمشق و«أخواتها»

احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)
احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)

يعكس المشهد في شوارع العاصمة السورية هذه الأيام، مدى الفقر الكبير الذي وصلت إليه أغلبية الأهالي، والاستغلال الفاضح الذي يتعرضون له، وتراجع هيبة الحكومة، ودخول شوارع دمشق في فوضى. وبعد تضخم طوابير السيارات في الطرقات للحصول على البنزين من محطات الوقود في دمشق و«أخواتها» من المدن الخاضعة لسيطرة الحكومة، أصدرت الحكومة آلية جديدة للتعبئة، أنهت بها مشهد الطوابير، من دون حصول أغلبية المواطنين على المادة.
وعلى طريق عامة في حي شرق دمشق، كانت امرأة خمسينية متردية عباءة سوداء رثة مليئة بشقوق جرى ترميمها، تسير بخطى بطيئة، وبيديها كيسان أسودان لا تقدر على حملهما؛ إذ كانت تسير بهما لمسافة بين 40 و50 متراً، ومن ثم تتوقف وتجلس على الرصيف لترتاح قليلاً، وتعود بعد ذلك لحملهما ومتابعة الطريق قاصدة سوقاً شعبية على بعد ما بين 200 و300 متر.
ومع وصولها إلى بداية السوق، توقفت المرأة أمام أول بسطة لبيع وشراء مواد «السلال الغذائية» (سكر، وعدس، وبرغل، وزيت نباتي...)، وصمتت لدقائق، وبعد أن التقطت أنفاسها، عرضت بحياء على صاحب البسطة أن يشتري منها ما بحوزتها من عدس. لكنها غضبت عندما قال لها إن «الكيلو بألف» ليرة، وقالت موجهة كلامها له: «خاف الله. انتو عم تبيعوا الكيلو بألفين. نحن بدنا نشتري خبز، وانتو بدكون تريشوا (تجمعوا ثروات)».
لم تجد المرأة من خيار، بعد أن عرضت الـ10 كيلوغرامات من العدس على أكثر من صاحب بسطة، إلا بيعها لأحدهم بسعر ألف ليرة للكيلوغرام الواحد، لأن أغلبية الباعة يصرون على الشراء بالسعر نفسه، لكنها وبعد أن قبضت ثمنها، قالت بصوت عالٍ وهي أمام البسطة وحولها عدد من الزبائن: «التجار الكبار علينا، والحكومة علينا، وانتو المحسوبين منا كمان (أيضاً) علينا... أشكيكم لله».
خط الفقر
ويعيش نحو 90 في المائة من المقيمين داخل مناطق سيطرة الحكومة تحت خط الفقر، في وقت تزداد فيه مشكلة الجوع يوماً بعد آخر، مع تواصل فقدان مداخيل العائلات الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها، بسبب الانهيار القياسي التاريخي لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، حيث سجل في اليومين الماضيين نحو 3500، بعدما كان نحو 50 ليرة قبل عام 2011، وباتت غالبية المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة تعيش أوضاعاً معيشية مزرية للغاية بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار، خصوصاً المواد الغذائية، حيث ارتفعت 33 مرة، بينما لا يتعدى متوسط الراتب الشهري لموظفي القطاع العام 20 دولاراً، ولموظفي القطاع الخاص 50 دولاراً، بعدما كان راتب الموظف الحكومي قبل سنوات الحرب نحو 600 دولار.
التفاف
وبعد انحسار عدد السيارات المارة في شوارع دمشق بسبب نقص حاد في مادتي البنزين والمازوت، وتضخم طول طوابير السيارات المصطفة على جوانب الطرقات بانتظار الوصول إلى محطات الوقود للحصول على المادتين، وتجاوزها الأحياء التي توجد فيها المحطات وامتدادها كيلومترات عدة وصولاً إلى أحياء أخرى مجاورة، أصدرت وزارة النفط والثروة المعدنية، الاثنين، قراراً أعلنت فيه «بدء تطبيق الآلية الجديدة لتوزيع مادة البنزين وفق نظام الرسائل النصية القصيرة» بدءاً من يوم أمس الثلاثاء، وذكرت أن الآلية الجديدة تعتمد على إرسال رسالة نصية قصيرة لهواتف المواطنين الجوالة تتضمن تفاصيل المحطة التي يتوجب التوجه إليها مع مدة صلاحية الرسالة، البالغة 24 ساعة.
و«لضمان تسلم الرسالة النصية الخاصة بتعبئة مادة البنزين» طلبت الوزارة من المواطنين «ضرورة تأكيد رقم (الموبايل) الخاص ببطاقة الآليات (الذكية) عبر المنصات الإلكترونية (تطبيق وين - قناة تلغرام - موقع مركز الخدمة الذاتية - خدمة USSD)».
ومنذ الإعلان عن «الآلية الجديدة» لتوزيع البنزين، يحاول المواطنون تأكيد رقم هاتفهم الجوال الخاص ببطاقتهم «الذكية»، لكن تطبيق «وين» الذي يعتمد عليه أغلبيتهم لا يعمل، ويقول لـ«الشرق الأوسط» أحدهم: «حاولت مئات المرات وطلعت روحي وما فتح (وين)، وكل من نسأله من الأقارب والمعارف يحصل معهم ما حصل معي، أنا بس بدي (أريد) أعرف من وصلت إليه رسالة؟».
ومنذ ساعات الصباح الباكر وحتى فترة ما بعد الظهر، اختفت طوابير السيارات من الشوارع؛ إذ اقتصر عدد السيارات المصطفة عند بعض محطات التعبئة على ما بين 10 سيارات و15 سيارة.
خبير اقتصادي يعدّ لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة الرئيسية ليست في (آلية التوزيع)؛ المشكلة أن الحكومة لا يوجد لديها وقود، ومشهد الطوابير بات محرجاً جداً لها، وبالقرار الجديد أنهت تلك الطوابير، وأصحاب السيارات عليهم انتظار رسائل الفرج، كما هي حال الغاز ومازوت التدفئة، اللذان انتهى فصل الشتاء ولم تصل رسائلهما» لأغلبية المواطنين.
وعلى مدار الأشهر الثلاثة الماضية التي شهدت أزمة حادة في نقص البنزين والمازوت وسبقت «آلية التوزيع» الجديدة للبنزين، كان هناك مشهد الطوابير الطويلة للسيارات المصطفة للوصول إلى المحطات، ويوجد إلى جانبها طوابير أخرى أصغر منها بكثير تمتد لعشرات الأمتار، وتسير بشكل أسرع من الأول ومعظم المصطفين فيها من «النافذين».
تنظيم الطوابير
وفي حين يقوم قائمون على المحطات ومسؤولون عن تنظيم الدور (عناصر أمن وميليشيات) بالتعامل مع أصحاب السيارات المصطفة في الطوابير الطويلة بأسلوب يخلو من اللباقة، يتعاملون باحترام مع المصطفين في الطوابير القصيرة، وفي كثير من الأحيان يقومون بتجاوز الدور الأخير عندما تأتي شخصية نافذة جداً؛ إذ يدخلون سيارتها من فتحات جانبية ويقومون بتعبئتها وأحياناً بكميات تتجاوز كثيراً المسموح به (20 لتر بنزين كل 7 أيام للسيارة الخاصة).
أصحاب السيارات المصطفة في الطوابير الطويلة كانوا ينظرون بتحسر إلى ما يجري في الطوابير القصيرة، وهم ينتظرون لساعات وربما ليوم كامل ليأتي دورهم، لكن قلة منهم كانت تبادر إلى الاعتراض «فكلنا مواطنون»؛ على حد قول أحدهم عندما كان ينتظر عند إحدى المحطات في غرب العاصمة الاثنين الماضي، بينما احتدت الردود عليه من قبل قائمين على المحطة ومنظمي الدور ومصطفين في الدور القصير؛ إذ قال أحدهم بعد أن عبأ سيارته بأكثر من 50 لتر بنزين: «روح اشتكي. روح بلط البحر».
ويتحدث بعض الأهالي عن إصابة عدد من الأشخاص بجلطات قلبية أثناء انتظارهم لساعات طويلة أمام المحطات، وتقول سيدة لـ«الشرق الأوسط» إن زوجها منذ يومين خرج فجراً للحصول على البنزين وعاد مساء من دون الحصول عليه، وتضيف: «عاد مقهوراً لا يقوى على الوقوف، ووجهه شاحب، وبعد ساعات تألمَ وأسعفناه إلى طبيب في الحي أكد ضرورة إسعافه بسرعة إلى المشفى؛ لأن الأعراض تدل على أنه أصيب بجلطة قلبية، وهو ما أكده أطباء المشفى».
ما يجري عند محطات الوقود، ينسحب أيضاً على الأفران، التي تتواصل ظاهرة الازدحام عليها منذ أشهر بسبب نقص حاد في القمح، فأمام أحد الأفران في شمال دمشق، يصطف المئات في انتظار دورهم للحصول على مخصصاتهم اليومية من الخبز بالسعر المدعوم (100 ليرة للربطة المؤلفة من 7 أرغفة) وسط حالات تدافع كبيرة.
كثير من المصطفين في الطوابير الثلاثة (مدني - نساء - عسكري) تعلو أصواتهم لدى مشاهدتهم أشخاصاً يدخلون من جانب الكوات الثلاث لمرات متتالية ويحصلون في كل مرة على كمية ربما تكفي لخمسة أشخاص ممن ينتظرون في الدور، ومن ثم يبيعونها على الرصيف بمبلغ ألف ليرة للربطة.
ويقول لـ«الشرق الأوسط» شاب كان بين المصطفين: «يأخذون الخبز ويبيعونه أمام أعين الأمن والشرطة، ورغم صراخ (اعتراض) الناس، فإنه لا أحد يكترث»، ويضيف: «هؤلاء كلهم شركاء. نحن نعيش في غابة. بالاسم عنّا (عندنا) حكومة. عنّا عصابات». ويتابع: «نعم غابة وعصابات. شوف الوضع بالأسواق... كل بياع بسعّر على كيفه».
ويعيش أغلبية المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة حالياً أوضاعاً معيشية هي الأسوأ في تاريخ البلاد، بسبب تراكم وتضخم الأزمات المعيشية والغلاء، وعدم توفر أبسط مقومات الحياة من خبز ووسائل نقل ووقود وكهرباء، وازدياد انتشار وباء «كوفيد19»، بينما تبدو دمشق شبه مشلولة، وكئيبة وحزينة، ويقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط» وهو في وسط العاصمة مع حشود تنتظر وسيلة نقل: «الشام تبكي... وسكانها في الطرقات... دموع عزيزة سالت على وجهها».
إلى ذلك، قالت مصادر في السويداء إن أعدادا من الأهالي تجمعوا في محيط محطة وقود شمال المدينة التي خصصت للتوزيع وفق النظام الجديد واحتجوا على القرار وطالبوا بالعودة عنه وتوزيع البنزين كالمعتاد أو إغلاق المحطة.
وتطورت الاحتجاجات وسط سماع أصوات رصاص بالهواء لفض التجمع، كما توجه مجموعة من الأهالي وعناصر من الفصائل المحلية المسلحة إلى مقر «شركة تكامل» المسؤولة عن إصدار البطاقة الذكية التي بموجبها يتم إرسال التبليغات النصية. ونفذوا احتجاجا أمام الشركة التي أخلت مقرها من الموظفين في أجواء من التوتر والغضب الشديد، وبث موقع «السويداء 24» صورا للاحتجاجات محملا الحكومة بدمشق المسؤولية عما يجري. وقال: «عجز الحكومة عن إيجاد حلول للأوضاع المعيشية والاقتصادية الخانقة، والتفافها على الأوضاع بحلول تزيد التضييق على المواطن، أدى لاحتقان كبير في المحافظة والبلاد عموماً»
وردت مصادر أهلية في السويداء سبب الاحتجاجات إلى «وجود أعداد كبيرة من السيارات في السويداء بطاقاتها الذكية غير مفعلة وكي تتفعل تحتاج لمعاملة مصرفية وإيداع خمسة ملايين ليرة في المصرف، وهو أمر منهك بل غير ممكن في ظل أوضاع معيشية قاسية إذ أن غالبية الناس تعاني في تدبر أمور معيشتها فكل شيء يحصلون عليه يسددون ثمنه بالتقسيط والديون هدت كاهلهم». وتوقعت المصادر مزيدا من الغضب والانفلات الأمني إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو.
إلى ذلك، أفادت مصادر أن قرارا صدر بإعطاء مهلة للشباب في درعا المجاورة للسويداء، قبل الالتحاق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية.



العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».


واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية
TT

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

أكد سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى اليمن ستيفن فاغن دعم بلاده لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية.

جاء ذلك خلال اجتماع عقده مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.

وقالت السفارة الأميركية أمس في منشور على منصة «إكس» إن فاغن شدّد خلال الاجتماع على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار في اليمن، وذلك بعد اضطرابات أشعلتها تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن وجنوبه في الأسابيع القليلة الماضية.

وكان الإعلام الرسمي اليمني أفاد بأن عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي التقى في العاصمة السعودية الرياض، السفير فاغن لبحث العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع على الساحتين الوطنية والإقليمية.

​وتطرّق اللقاء إلى الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والدور البارز الذي تلعبه في دعم أمن واستقرار اليمن.

ونقلت المصادر الرسمية عن المحرمي تأكيده أن دور واشنطن يمثل عنصراً حاسماً في تعزيز تماسك الدولة اليمنية، وقدرتها على تجاوز التحديات الراهنة، لا سيما في ملفي مكافحة المنظمات الإرهابية، والحد من عمليات التهريب، وهما مما يهدد الأمن سواء القومي أو الإقليمي.

تأمين عدن

​واستعرض اللقاء - وفق المصادر الرسمية - التطورات المحلية الأخيرة، والإجراءات المتخذة لتأمين العاصمة المؤقتة عدن، وحماية المقار السيادية للدولة من أي عبث، بما يسهم في تثبيت الوضع الأمني، والحفاظ على السكينة العامة وحماية مصالح المواطنين والمؤسسات الحكومية.

​وشدّد المحرّمي على أهمية تكثيف التعاون الدولي لتجفيف منابع تمويل الحوثيين والجماعات الإرهابية، ورفع كفاءة قوات خفر السواحل والأجهزة الأمنية لتشديد الرقابة على المنافذ ومنع تهريب الأسلحة والمواد الممنوعة التي تستخدمها الميليشيا لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

​كما ناقش الجانبان - وفق المصادر نفسها - الاستعدادات الجارية لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض، حيث أكد المحرّمي أن هذا الحوار يمثل محطة تاريخية لتوحيد الجبهة الداخلية، وصياغة رؤية سياسية جامعة تلبي تطلعات اليمنيين في الجنوب.

وأشار المحرّمي إلى أن نجاح هذا الاستحقاق، برعاية السعودية، سيسهم بشكل مباشر في تعزيز التوافق الوطني ودعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الشامل.