طوابير السيارات تمتد في شوارع مدينة دمشق و«أخواتها»

الحكومة تضع آلية جديدة للحصول على الوقود

احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)
احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)
TT

طوابير السيارات تمتد في شوارع مدينة دمشق و«أخواتها»

احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)
احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)

يعكس المشهد في شوارع العاصمة السورية هذه الأيام، مدى الفقر الكبير الذي وصلت إليه أغلبية الأهالي، والاستغلال الفاضح الذي يتعرضون له، وتراجع هيبة الحكومة، ودخول شوارع دمشق في فوضى. وبعد تضخم طوابير السيارات في الطرقات للحصول على البنزين من محطات الوقود في دمشق و«أخواتها» من المدن الخاضعة لسيطرة الحكومة، أصدرت الحكومة آلية جديدة للتعبئة، أنهت بها مشهد الطوابير، من دون حصول أغلبية المواطنين على المادة.
وعلى طريق عامة في حي شرق دمشق، كانت امرأة خمسينية متردية عباءة سوداء رثة مليئة بشقوق جرى ترميمها، تسير بخطى بطيئة، وبيديها كيسان أسودان لا تقدر على حملهما؛ إذ كانت تسير بهما لمسافة بين 40 و50 متراً، ومن ثم تتوقف وتجلس على الرصيف لترتاح قليلاً، وتعود بعد ذلك لحملهما ومتابعة الطريق قاصدة سوقاً شعبية على بعد ما بين 200 و300 متر.
ومع وصولها إلى بداية السوق، توقفت المرأة أمام أول بسطة لبيع وشراء مواد «السلال الغذائية» (سكر، وعدس، وبرغل، وزيت نباتي...)، وصمتت لدقائق، وبعد أن التقطت أنفاسها، عرضت بحياء على صاحب البسطة أن يشتري منها ما بحوزتها من عدس. لكنها غضبت عندما قال لها إن «الكيلو بألف» ليرة، وقالت موجهة كلامها له: «خاف الله. انتو عم تبيعوا الكيلو بألفين. نحن بدنا نشتري خبز، وانتو بدكون تريشوا (تجمعوا ثروات)».
لم تجد المرأة من خيار، بعد أن عرضت الـ10 كيلوغرامات من العدس على أكثر من صاحب بسطة، إلا بيعها لأحدهم بسعر ألف ليرة للكيلوغرام الواحد، لأن أغلبية الباعة يصرون على الشراء بالسعر نفسه، لكنها وبعد أن قبضت ثمنها، قالت بصوت عالٍ وهي أمام البسطة وحولها عدد من الزبائن: «التجار الكبار علينا، والحكومة علينا، وانتو المحسوبين منا كمان (أيضاً) علينا... أشكيكم لله».
خط الفقر
ويعيش نحو 90 في المائة من المقيمين داخل مناطق سيطرة الحكومة تحت خط الفقر، في وقت تزداد فيه مشكلة الجوع يوماً بعد آخر، مع تواصل فقدان مداخيل العائلات الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها، بسبب الانهيار القياسي التاريخي لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، حيث سجل في اليومين الماضيين نحو 3500، بعدما كان نحو 50 ليرة قبل عام 2011، وباتت غالبية المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة تعيش أوضاعاً معيشية مزرية للغاية بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار، خصوصاً المواد الغذائية، حيث ارتفعت 33 مرة، بينما لا يتعدى متوسط الراتب الشهري لموظفي القطاع العام 20 دولاراً، ولموظفي القطاع الخاص 50 دولاراً، بعدما كان راتب الموظف الحكومي قبل سنوات الحرب نحو 600 دولار.
التفاف
وبعد انحسار عدد السيارات المارة في شوارع دمشق بسبب نقص حاد في مادتي البنزين والمازوت، وتضخم طول طوابير السيارات المصطفة على جوانب الطرقات بانتظار الوصول إلى محطات الوقود للحصول على المادتين، وتجاوزها الأحياء التي توجد فيها المحطات وامتدادها كيلومترات عدة وصولاً إلى أحياء أخرى مجاورة، أصدرت وزارة النفط والثروة المعدنية، الاثنين، قراراً أعلنت فيه «بدء تطبيق الآلية الجديدة لتوزيع مادة البنزين وفق نظام الرسائل النصية القصيرة» بدءاً من يوم أمس الثلاثاء، وذكرت أن الآلية الجديدة تعتمد على إرسال رسالة نصية قصيرة لهواتف المواطنين الجوالة تتضمن تفاصيل المحطة التي يتوجب التوجه إليها مع مدة صلاحية الرسالة، البالغة 24 ساعة.
و«لضمان تسلم الرسالة النصية الخاصة بتعبئة مادة البنزين» طلبت الوزارة من المواطنين «ضرورة تأكيد رقم (الموبايل) الخاص ببطاقة الآليات (الذكية) عبر المنصات الإلكترونية (تطبيق وين - قناة تلغرام - موقع مركز الخدمة الذاتية - خدمة USSD)».
ومنذ الإعلان عن «الآلية الجديدة» لتوزيع البنزين، يحاول المواطنون تأكيد رقم هاتفهم الجوال الخاص ببطاقتهم «الذكية»، لكن تطبيق «وين» الذي يعتمد عليه أغلبيتهم لا يعمل، ويقول لـ«الشرق الأوسط» أحدهم: «حاولت مئات المرات وطلعت روحي وما فتح (وين)، وكل من نسأله من الأقارب والمعارف يحصل معهم ما حصل معي، أنا بس بدي (أريد) أعرف من وصلت إليه رسالة؟».
ومنذ ساعات الصباح الباكر وحتى فترة ما بعد الظهر، اختفت طوابير السيارات من الشوارع؛ إذ اقتصر عدد السيارات المصطفة عند بعض محطات التعبئة على ما بين 10 سيارات و15 سيارة.
خبير اقتصادي يعدّ لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة الرئيسية ليست في (آلية التوزيع)؛ المشكلة أن الحكومة لا يوجد لديها وقود، ومشهد الطوابير بات محرجاً جداً لها، وبالقرار الجديد أنهت تلك الطوابير، وأصحاب السيارات عليهم انتظار رسائل الفرج، كما هي حال الغاز ومازوت التدفئة، اللذان انتهى فصل الشتاء ولم تصل رسائلهما» لأغلبية المواطنين.
وعلى مدار الأشهر الثلاثة الماضية التي شهدت أزمة حادة في نقص البنزين والمازوت وسبقت «آلية التوزيع» الجديدة للبنزين، كان هناك مشهد الطوابير الطويلة للسيارات المصطفة للوصول إلى المحطات، ويوجد إلى جانبها طوابير أخرى أصغر منها بكثير تمتد لعشرات الأمتار، وتسير بشكل أسرع من الأول ومعظم المصطفين فيها من «النافذين».
تنظيم الطوابير
وفي حين يقوم قائمون على المحطات ومسؤولون عن تنظيم الدور (عناصر أمن وميليشيات) بالتعامل مع أصحاب السيارات المصطفة في الطوابير الطويلة بأسلوب يخلو من اللباقة، يتعاملون باحترام مع المصطفين في الطوابير القصيرة، وفي كثير من الأحيان يقومون بتجاوز الدور الأخير عندما تأتي شخصية نافذة جداً؛ إذ يدخلون سيارتها من فتحات جانبية ويقومون بتعبئتها وأحياناً بكميات تتجاوز كثيراً المسموح به (20 لتر بنزين كل 7 أيام للسيارة الخاصة).
أصحاب السيارات المصطفة في الطوابير الطويلة كانوا ينظرون بتحسر إلى ما يجري في الطوابير القصيرة، وهم ينتظرون لساعات وربما ليوم كامل ليأتي دورهم، لكن قلة منهم كانت تبادر إلى الاعتراض «فكلنا مواطنون»؛ على حد قول أحدهم عندما كان ينتظر عند إحدى المحطات في غرب العاصمة الاثنين الماضي، بينما احتدت الردود عليه من قبل قائمين على المحطة ومنظمي الدور ومصطفين في الدور القصير؛ إذ قال أحدهم بعد أن عبأ سيارته بأكثر من 50 لتر بنزين: «روح اشتكي. روح بلط البحر».
ويتحدث بعض الأهالي عن إصابة عدد من الأشخاص بجلطات قلبية أثناء انتظارهم لساعات طويلة أمام المحطات، وتقول سيدة لـ«الشرق الأوسط» إن زوجها منذ يومين خرج فجراً للحصول على البنزين وعاد مساء من دون الحصول عليه، وتضيف: «عاد مقهوراً لا يقوى على الوقوف، ووجهه شاحب، وبعد ساعات تألمَ وأسعفناه إلى طبيب في الحي أكد ضرورة إسعافه بسرعة إلى المشفى؛ لأن الأعراض تدل على أنه أصيب بجلطة قلبية، وهو ما أكده أطباء المشفى».
ما يجري عند محطات الوقود، ينسحب أيضاً على الأفران، التي تتواصل ظاهرة الازدحام عليها منذ أشهر بسبب نقص حاد في القمح، فأمام أحد الأفران في شمال دمشق، يصطف المئات في انتظار دورهم للحصول على مخصصاتهم اليومية من الخبز بالسعر المدعوم (100 ليرة للربطة المؤلفة من 7 أرغفة) وسط حالات تدافع كبيرة.
كثير من المصطفين في الطوابير الثلاثة (مدني - نساء - عسكري) تعلو أصواتهم لدى مشاهدتهم أشخاصاً يدخلون من جانب الكوات الثلاث لمرات متتالية ويحصلون في كل مرة على كمية ربما تكفي لخمسة أشخاص ممن ينتظرون في الدور، ومن ثم يبيعونها على الرصيف بمبلغ ألف ليرة للربطة.
ويقول لـ«الشرق الأوسط» شاب كان بين المصطفين: «يأخذون الخبز ويبيعونه أمام أعين الأمن والشرطة، ورغم صراخ (اعتراض) الناس، فإنه لا أحد يكترث»، ويضيف: «هؤلاء كلهم شركاء. نحن نعيش في غابة. بالاسم عنّا (عندنا) حكومة. عنّا عصابات». ويتابع: «نعم غابة وعصابات. شوف الوضع بالأسواق... كل بياع بسعّر على كيفه».
ويعيش أغلبية المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة حالياً أوضاعاً معيشية هي الأسوأ في تاريخ البلاد، بسبب تراكم وتضخم الأزمات المعيشية والغلاء، وعدم توفر أبسط مقومات الحياة من خبز ووسائل نقل ووقود وكهرباء، وازدياد انتشار وباء «كوفيد19»، بينما تبدو دمشق شبه مشلولة، وكئيبة وحزينة، ويقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط» وهو في وسط العاصمة مع حشود تنتظر وسيلة نقل: «الشام تبكي... وسكانها في الطرقات... دموع عزيزة سالت على وجهها».
إلى ذلك، قالت مصادر في السويداء إن أعدادا من الأهالي تجمعوا في محيط محطة وقود شمال المدينة التي خصصت للتوزيع وفق النظام الجديد واحتجوا على القرار وطالبوا بالعودة عنه وتوزيع البنزين كالمعتاد أو إغلاق المحطة.
وتطورت الاحتجاجات وسط سماع أصوات رصاص بالهواء لفض التجمع، كما توجه مجموعة من الأهالي وعناصر من الفصائل المحلية المسلحة إلى مقر «شركة تكامل» المسؤولة عن إصدار البطاقة الذكية التي بموجبها يتم إرسال التبليغات النصية. ونفذوا احتجاجا أمام الشركة التي أخلت مقرها من الموظفين في أجواء من التوتر والغضب الشديد، وبث موقع «السويداء 24» صورا للاحتجاجات محملا الحكومة بدمشق المسؤولية عما يجري. وقال: «عجز الحكومة عن إيجاد حلول للأوضاع المعيشية والاقتصادية الخانقة، والتفافها على الأوضاع بحلول تزيد التضييق على المواطن، أدى لاحتقان كبير في المحافظة والبلاد عموماً»
وردت مصادر أهلية في السويداء سبب الاحتجاجات إلى «وجود أعداد كبيرة من السيارات في السويداء بطاقاتها الذكية غير مفعلة وكي تتفعل تحتاج لمعاملة مصرفية وإيداع خمسة ملايين ليرة في المصرف، وهو أمر منهك بل غير ممكن في ظل أوضاع معيشية قاسية إذ أن غالبية الناس تعاني في تدبر أمور معيشتها فكل شيء يحصلون عليه يسددون ثمنه بالتقسيط والديون هدت كاهلهم». وتوقعت المصادر مزيدا من الغضب والانفلات الأمني إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو.
إلى ذلك، أفادت مصادر أن قرارا صدر بإعطاء مهلة للشباب في درعا المجاورة للسويداء، قبل الالتحاق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية.



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».