طوابير السيارات تمتد في شوارع مدينة دمشق و«أخواتها»

الحكومة تضع آلية جديدة للحصول على الوقود

احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)
احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)
TT

طوابير السيارات تمتد في شوارع مدينة دمشق و«أخواتها»

احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)
احتجاجات قرب محطة للوقود في السويداء جنوب سوريا أمس (السويداء 24)

يعكس المشهد في شوارع العاصمة السورية هذه الأيام، مدى الفقر الكبير الذي وصلت إليه أغلبية الأهالي، والاستغلال الفاضح الذي يتعرضون له، وتراجع هيبة الحكومة، ودخول شوارع دمشق في فوضى. وبعد تضخم طوابير السيارات في الطرقات للحصول على البنزين من محطات الوقود في دمشق و«أخواتها» من المدن الخاضعة لسيطرة الحكومة، أصدرت الحكومة آلية جديدة للتعبئة، أنهت بها مشهد الطوابير، من دون حصول أغلبية المواطنين على المادة.
وعلى طريق عامة في حي شرق دمشق، كانت امرأة خمسينية متردية عباءة سوداء رثة مليئة بشقوق جرى ترميمها، تسير بخطى بطيئة، وبيديها كيسان أسودان لا تقدر على حملهما؛ إذ كانت تسير بهما لمسافة بين 40 و50 متراً، ومن ثم تتوقف وتجلس على الرصيف لترتاح قليلاً، وتعود بعد ذلك لحملهما ومتابعة الطريق قاصدة سوقاً شعبية على بعد ما بين 200 و300 متر.
ومع وصولها إلى بداية السوق، توقفت المرأة أمام أول بسطة لبيع وشراء مواد «السلال الغذائية» (سكر، وعدس، وبرغل، وزيت نباتي...)، وصمتت لدقائق، وبعد أن التقطت أنفاسها، عرضت بحياء على صاحب البسطة أن يشتري منها ما بحوزتها من عدس. لكنها غضبت عندما قال لها إن «الكيلو بألف» ليرة، وقالت موجهة كلامها له: «خاف الله. انتو عم تبيعوا الكيلو بألفين. نحن بدنا نشتري خبز، وانتو بدكون تريشوا (تجمعوا ثروات)».
لم تجد المرأة من خيار، بعد أن عرضت الـ10 كيلوغرامات من العدس على أكثر من صاحب بسطة، إلا بيعها لأحدهم بسعر ألف ليرة للكيلوغرام الواحد، لأن أغلبية الباعة يصرون على الشراء بالسعر نفسه، لكنها وبعد أن قبضت ثمنها، قالت بصوت عالٍ وهي أمام البسطة وحولها عدد من الزبائن: «التجار الكبار علينا، والحكومة علينا، وانتو المحسوبين منا كمان (أيضاً) علينا... أشكيكم لله».
خط الفقر
ويعيش نحو 90 في المائة من المقيمين داخل مناطق سيطرة الحكومة تحت خط الفقر، في وقت تزداد فيه مشكلة الجوع يوماً بعد آخر، مع تواصل فقدان مداخيل العائلات الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها، بسبب الانهيار القياسي التاريخي لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، حيث سجل في اليومين الماضيين نحو 3500، بعدما كان نحو 50 ليرة قبل عام 2011، وباتت غالبية المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة تعيش أوضاعاً معيشية مزرية للغاية بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار، خصوصاً المواد الغذائية، حيث ارتفعت 33 مرة، بينما لا يتعدى متوسط الراتب الشهري لموظفي القطاع العام 20 دولاراً، ولموظفي القطاع الخاص 50 دولاراً، بعدما كان راتب الموظف الحكومي قبل سنوات الحرب نحو 600 دولار.
التفاف
وبعد انحسار عدد السيارات المارة في شوارع دمشق بسبب نقص حاد في مادتي البنزين والمازوت، وتضخم طول طوابير السيارات المصطفة على جوانب الطرقات بانتظار الوصول إلى محطات الوقود للحصول على المادتين، وتجاوزها الأحياء التي توجد فيها المحطات وامتدادها كيلومترات عدة وصولاً إلى أحياء أخرى مجاورة، أصدرت وزارة النفط والثروة المعدنية، الاثنين، قراراً أعلنت فيه «بدء تطبيق الآلية الجديدة لتوزيع مادة البنزين وفق نظام الرسائل النصية القصيرة» بدءاً من يوم أمس الثلاثاء، وذكرت أن الآلية الجديدة تعتمد على إرسال رسالة نصية قصيرة لهواتف المواطنين الجوالة تتضمن تفاصيل المحطة التي يتوجب التوجه إليها مع مدة صلاحية الرسالة، البالغة 24 ساعة.
و«لضمان تسلم الرسالة النصية الخاصة بتعبئة مادة البنزين» طلبت الوزارة من المواطنين «ضرورة تأكيد رقم (الموبايل) الخاص ببطاقة الآليات (الذكية) عبر المنصات الإلكترونية (تطبيق وين - قناة تلغرام - موقع مركز الخدمة الذاتية - خدمة USSD)».
ومنذ الإعلان عن «الآلية الجديدة» لتوزيع البنزين، يحاول المواطنون تأكيد رقم هاتفهم الجوال الخاص ببطاقتهم «الذكية»، لكن تطبيق «وين» الذي يعتمد عليه أغلبيتهم لا يعمل، ويقول لـ«الشرق الأوسط» أحدهم: «حاولت مئات المرات وطلعت روحي وما فتح (وين)، وكل من نسأله من الأقارب والمعارف يحصل معهم ما حصل معي، أنا بس بدي (أريد) أعرف من وصلت إليه رسالة؟».
ومنذ ساعات الصباح الباكر وحتى فترة ما بعد الظهر، اختفت طوابير السيارات من الشوارع؛ إذ اقتصر عدد السيارات المصطفة عند بعض محطات التعبئة على ما بين 10 سيارات و15 سيارة.
خبير اقتصادي يعدّ لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة الرئيسية ليست في (آلية التوزيع)؛ المشكلة أن الحكومة لا يوجد لديها وقود، ومشهد الطوابير بات محرجاً جداً لها، وبالقرار الجديد أنهت تلك الطوابير، وأصحاب السيارات عليهم انتظار رسائل الفرج، كما هي حال الغاز ومازوت التدفئة، اللذان انتهى فصل الشتاء ولم تصل رسائلهما» لأغلبية المواطنين.
وعلى مدار الأشهر الثلاثة الماضية التي شهدت أزمة حادة في نقص البنزين والمازوت وسبقت «آلية التوزيع» الجديدة للبنزين، كان هناك مشهد الطوابير الطويلة للسيارات المصطفة للوصول إلى المحطات، ويوجد إلى جانبها طوابير أخرى أصغر منها بكثير تمتد لعشرات الأمتار، وتسير بشكل أسرع من الأول ومعظم المصطفين فيها من «النافذين».
تنظيم الطوابير
وفي حين يقوم قائمون على المحطات ومسؤولون عن تنظيم الدور (عناصر أمن وميليشيات) بالتعامل مع أصحاب السيارات المصطفة في الطوابير الطويلة بأسلوب يخلو من اللباقة، يتعاملون باحترام مع المصطفين في الطوابير القصيرة، وفي كثير من الأحيان يقومون بتجاوز الدور الأخير عندما تأتي شخصية نافذة جداً؛ إذ يدخلون سيارتها من فتحات جانبية ويقومون بتعبئتها وأحياناً بكميات تتجاوز كثيراً المسموح به (20 لتر بنزين كل 7 أيام للسيارة الخاصة).
أصحاب السيارات المصطفة في الطوابير الطويلة كانوا ينظرون بتحسر إلى ما يجري في الطوابير القصيرة، وهم ينتظرون لساعات وربما ليوم كامل ليأتي دورهم، لكن قلة منهم كانت تبادر إلى الاعتراض «فكلنا مواطنون»؛ على حد قول أحدهم عندما كان ينتظر عند إحدى المحطات في غرب العاصمة الاثنين الماضي، بينما احتدت الردود عليه من قبل قائمين على المحطة ومنظمي الدور ومصطفين في الدور القصير؛ إذ قال أحدهم بعد أن عبأ سيارته بأكثر من 50 لتر بنزين: «روح اشتكي. روح بلط البحر».
ويتحدث بعض الأهالي عن إصابة عدد من الأشخاص بجلطات قلبية أثناء انتظارهم لساعات طويلة أمام المحطات، وتقول سيدة لـ«الشرق الأوسط» إن زوجها منذ يومين خرج فجراً للحصول على البنزين وعاد مساء من دون الحصول عليه، وتضيف: «عاد مقهوراً لا يقوى على الوقوف، ووجهه شاحب، وبعد ساعات تألمَ وأسعفناه إلى طبيب في الحي أكد ضرورة إسعافه بسرعة إلى المشفى؛ لأن الأعراض تدل على أنه أصيب بجلطة قلبية، وهو ما أكده أطباء المشفى».
ما يجري عند محطات الوقود، ينسحب أيضاً على الأفران، التي تتواصل ظاهرة الازدحام عليها منذ أشهر بسبب نقص حاد في القمح، فأمام أحد الأفران في شمال دمشق، يصطف المئات في انتظار دورهم للحصول على مخصصاتهم اليومية من الخبز بالسعر المدعوم (100 ليرة للربطة المؤلفة من 7 أرغفة) وسط حالات تدافع كبيرة.
كثير من المصطفين في الطوابير الثلاثة (مدني - نساء - عسكري) تعلو أصواتهم لدى مشاهدتهم أشخاصاً يدخلون من جانب الكوات الثلاث لمرات متتالية ويحصلون في كل مرة على كمية ربما تكفي لخمسة أشخاص ممن ينتظرون في الدور، ومن ثم يبيعونها على الرصيف بمبلغ ألف ليرة للربطة.
ويقول لـ«الشرق الأوسط» شاب كان بين المصطفين: «يأخذون الخبز ويبيعونه أمام أعين الأمن والشرطة، ورغم صراخ (اعتراض) الناس، فإنه لا أحد يكترث»، ويضيف: «هؤلاء كلهم شركاء. نحن نعيش في غابة. بالاسم عنّا (عندنا) حكومة. عنّا عصابات». ويتابع: «نعم غابة وعصابات. شوف الوضع بالأسواق... كل بياع بسعّر على كيفه».
ويعيش أغلبية المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة حالياً أوضاعاً معيشية هي الأسوأ في تاريخ البلاد، بسبب تراكم وتضخم الأزمات المعيشية والغلاء، وعدم توفر أبسط مقومات الحياة من خبز ووسائل نقل ووقود وكهرباء، وازدياد انتشار وباء «كوفيد19»، بينما تبدو دمشق شبه مشلولة، وكئيبة وحزينة، ويقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط» وهو في وسط العاصمة مع حشود تنتظر وسيلة نقل: «الشام تبكي... وسكانها في الطرقات... دموع عزيزة سالت على وجهها».
إلى ذلك، قالت مصادر في السويداء إن أعدادا من الأهالي تجمعوا في محيط محطة وقود شمال المدينة التي خصصت للتوزيع وفق النظام الجديد واحتجوا على القرار وطالبوا بالعودة عنه وتوزيع البنزين كالمعتاد أو إغلاق المحطة.
وتطورت الاحتجاجات وسط سماع أصوات رصاص بالهواء لفض التجمع، كما توجه مجموعة من الأهالي وعناصر من الفصائل المحلية المسلحة إلى مقر «شركة تكامل» المسؤولة عن إصدار البطاقة الذكية التي بموجبها يتم إرسال التبليغات النصية. ونفذوا احتجاجا أمام الشركة التي أخلت مقرها من الموظفين في أجواء من التوتر والغضب الشديد، وبث موقع «السويداء 24» صورا للاحتجاجات محملا الحكومة بدمشق المسؤولية عما يجري. وقال: «عجز الحكومة عن إيجاد حلول للأوضاع المعيشية والاقتصادية الخانقة، والتفافها على الأوضاع بحلول تزيد التضييق على المواطن، أدى لاحتقان كبير في المحافظة والبلاد عموماً»
وردت مصادر أهلية في السويداء سبب الاحتجاجات إلى «وجود أعداد كبيرة من السيارات في السويداء بطاقاتها الذكية غير مفعلة وكي تتفعل تحتاج لمعاملة مصرفية وإيداع خمسة ملايين ليرة في المصرف، وهو أمر منهك بل غير ممكن في ظل أوضاع معيشية قاسية إذ أن غالبية الناس تعاني في تدبر أمور معيشتها فكل شيء يحصلون عليه يسددون ثمنه بالتقسيط والديون هدت كاهلهم». وتوقعت المصادر مزيدا من الغضب والانفلات الأمني إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو.
إلى ذلك، أفادت مصادر أن قرارا صدر بإعطاء مهلة للشباب في درعا المجاورة للسويداء، قبل الالتحاق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية.



أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».


لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السوري أسعد الشيباني، مساء الاثنين، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في العاصمة الأردنية عمَّان.

وحسب بيان للخارجية المصرية، الثلاثاء، أكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي». كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري-السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «العلاقات مع مصر تتقدم في مسارها الطبيعي، وهناك حرص سوري على تطويرها».

وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

ودارت مناقشات بين البلدين خلال الفترة الماضية بعدما تحفظت مصر على أسماء رشحتها سوريا لتمثيل بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مما عرقل ترتيبات حضور البعثة السورية إلى مصر. لكن أمكن تخطي الأزمة بعدما قدمت سوريا مرشحاً آخر، هو يحيى دياب، لقيادة بعثتها في مصر، وصرحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن القاهرة وافقت عليه، ومن المنتظر أن يتسلم مهامه خلال أيام.

ويرى الخبير السياسي المصري في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عمرو الشوبكي، أن التحديات التي تشهدها المنطقة والإقليم تحتم تطوير العلاقات المصرية-السورية، التي وصفها بأنها «علاقات تاريخية راسخة». وقال إن الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين الشعبين كبيرة، مؤكداً أن السلطات في مصر «كان لديها تخوفات أكثر منها خلافات مع نظام الحكم الجديد في سوريا، نظراً لتجربة مصر المعروفة مع الإسلام السياسي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تلك التخوفات يتم تجاوزها تدريجياً وفق مبدأين أساسيين هما احترام الخبرة والنموذج السياسي لكل بلد، وعدم التدخل في شؤون الآخر»، مشيراً إلى أن مصر رسَّخت هذين المبدأين من قبل في العلاقة مع تركيا. وقال الشوبكي: «اللقاءات المصرية - السورية المتعاقبة تؤشر على تحسن العلاقات وفق نفس المبدأين».

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وفي منتصف الشهر الجاري، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار. وجاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).


قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.