فلسطينيو خان يونس يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنهم يعيشون داخل سجن كبير

إسرائيل تفرض قيودا على خروجهم من القطاع.. ودبلوماسيون يحذرون من وقوع أزمة إنسانية

فلسطينيو خان يونس يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنهم يعيشون داخل سجن كبير
TT

فلسطينيو خان يونس يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنهم يعيشون داخل سجن كبير

فلسطينيو خان يونس يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنهم يعيشون داخل سجن كبير

يُعد قطاع غزة الآن من كل الأوجه تقريبا أسوأ بكثير عن حاله قبل الحرب التي اندلعت الصيف الماضي بين حركة حماس وإسرائيل، وليست مشاهد البؤس سوى جزء بسيط من أشياء أخرى كثيرة تحدث في هذه المنطقة المعزولة التي تعرضت إلى هجمات كثيرة. وبالكاد بدأت عملية إعادة إعمار عشرات الآلاف من المنازل، التي تدمرت أثناء الحرب، رغم مرور نحو 6 أشهر من وقف إطلاق النار.
وبالنظر إلى المعدلات الحالية، سوف تستغرق عملية إعادة بناء ما تهدم عقودا من الزمن، وإضافة إلى ذلك يعاني الاقتصاد من حالة ركود، كما لم يتم الوفاء بوعود تقديم مساعدات قُدّرت بالمليارات، في حين ترفض حركة حماس، التي تسيطر على القطاع، تخفيف قبضتها، وتستعد لحرب أخرى. بينما يحذر دبلوماسيون وعمال إغاثة، وسكان، من وقوع أزمة إنسانية وتصاعد لأعمال العنف.
وقال عمر شعبان، وهو خبير اقتصادي مرموق في قطاع غزة: «بعد كل حرب نقول إن الأمور لا يمكن أن تزداد سوءا، لكنني أقول إن هذه المرة هي الأسوأ على الإطلاق، إذ لا يوجد أي شكل من أشكال الحياة، من تجارة، أو تصدير، أو استيراد. وإعادة الإعمار والمساعدات لفظت أنفاسها. وأنا لا أبالغ حين أخبر أصدقائي في الخارج بأن غزة يمكن أن تنهار قريبا».
وتتألق غزة ليلا بفعل آلاف المواقع التي توقد بها نيران المخيمات، حيث لا يتجاوز الوقت الذي يتوافر فيه التيار الكهربائي في أغلب الأحيان 6 ساعات يوميا. ولا يزال نحو 10 آلاف من أهل القطاع ينامون على أرض المدارس التي تديرها الأمم المتحدة، ويسكن عدد أكبر داخل منازل متنقلة، أو خيام، أو يتجاورون في شققهم التي دُمرت بفعل القصف. فيما يبلغ إجمالي عدد النازحين نحو مائة ألف.
وأسفرت الحرب التي استمرت 50 يوما بين إسرائيل وحركة حماس، التي تصنفها إسرائيل والولايات المتحدة ضمن المنظمات الإرهابية، عن مقتل ما يزيد على 2100 فلسطيني؛ 70 في المائة منهم مدنيون، بحسب بيانات الأمم المتحدة. وعلى الجانب الآخر، تزعم إسرائيل أن نصف الفلسطينيين الذين قتلوا من المسلحين، وتم قتل 72 إسرائيليا، أكثرهم من الجنود.
وتوقفت المساعدات النقدية المقدمة من الأمم المتحدة إلى أسر اللاجئين النازحين، بعد أن نفد تمويل البرنامج الشهر الماضي. وقد صرح إسحاق هيرتسوغ، زعيم حزب العمل الإسرائيلي، خلال مؤتمر الأمن العالمي الذي عقد في ميونيخ نهاية الأسبوع الماضي، بأن غزة بمثابة «برميل من البارود» يمكن أن «ينفجر في أي دقيقة». وقال إنه مقابل نزع السلاح، تحتاج غزة إلى «خطة مارشال مصغرة» تشبه البرنامج الأميركي لإعادة بناء الاقتصاد الأوروبي المنهار في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ووسط صخب كبير، وعد متبرعون خلال مؤتمر عقد في القاهرة خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بمنح الفلسطينيين 5.4 مليار دولار، يخصص الجزء الأكبر منها لإعادة الإعمار، لكن لم يتم الوفاء بأي من تلك الوعود تقريبا، بحسب مسؤولين لدى الأمم المتحدة في غزة.
وتعد حركة حماس، التي تسيطر على غزة وسكانها البالغ عددهم 1.8 مليون، من أسباب التردد في تقديم الأموال. وقد وافقت هذه الحركة بانضمامها إلى حكومة الوحدة الوطنية العام الماضي على السماح للرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية، التي تمثل الحكومة المعتدلة في الضفة الغربية، بالعودة إلى غزة.
وكانت حماس قد فازت بالانتخابات الفلسطينية عام 2006، وخاضت حركة فتح، بزعامة عباس، معركة دامية ضد حماس من أجل السيطرة على القطاع عام 2007. وخلال الأشهر التي أعقبت حرب الصيف الماضي، أعفت حماس نفسها من الكثير من مسؤوليات الحكم، دون التخلي عن السلطة. ونظّم الجناح العسكري للحركة خلال الشهر الماضي معسكرات تدريب لـ17 ألف شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و21 سنة لتعليمهم كيفية استخدام «كلاشنيكوف»، والقفز عبر حلقات النار، والقيام بالإسعافات الأولية، استعدادا للمعركة المقبلة مع إسرائيل. وتمت إقامة المعسكرات حتى في ظل عدم دفع رواتب موظفي الحكومة.
وبعد 6 أشهر من وقف إطلاق النار، لا يزال هناك مائة ألف نازح، وما زال الناس يطهون على النار في الهواء الطلق، بعد أن تبخرت الوعود بالمساعدات. وعلى الجانب الآخر، أخفق عباس والسلطة الفلسطينية إلى حد كبير في إثبات وجودهما بشكل واضح، حيث لم يزر رئيس حكومة الوحدة الوطنية قطاع غزة سوى مرة واحدة فقط، ولمدة يوم واحد منذ الحرب الأخيرة. بينما يحمّل سكان القطاع الحكومتين المتنازعتين، وكذا الأمم المتحدة، ومصر، وإسرائيل، مسؤولية هذا الوضع المتجمد.
وفي الشهر الماضي، حاول مَن يرون أن حماس قوة معتدلة كثيرا، اقتحام المركز الثقافي الفرنسي في قطاع غزة، تعبيرا عن غضبهم من الرسوم التي نشرتها صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة. كما اقتحم المحتجون، وربما بتحريض من حماس وغضبا من توقف مساعدات إعادة الإعمار، مقر الأمم المتحدة في القطاع، وهددوا فريق العمل به. كما تعرضت ماكينات الصرف الآلي في غزة إلى التفجير. ولا أحد يعلم من يقف وراء وضع تلك المتفجرات. وخلال الشهر الماضي أيضا، انفجرت نحو 3 سيارات مفخخة في غزة في ظل تزايد أعمال العنف بين الفصائل المتناحرة.
في شرق مدينة خان يونس المزدحمة في قطاع غزة، أوضح عدنان أبو دقة، الذي يقيم مع عائلته في خيام تبقت منذ أيام حرب ماضية، أنه خلال حرب الصيف الماضي كانت الدبابات الإسرائيلية تترك آثارها على أرض مزرعته، وقال إن منزل عائلته تهدم بعد أن دمره الجنود الإسرائيليون المتخصصون في المتفجرات.
وأضاف موضحا: «كنا نملك حيوانات، وأرانب، وماعزا، وحصانا». وتساءل وهو يمسك بلجام ويتطلع نحو السماء: «أين الحصان؟».
وحصل أبو دقة هو وأقاربه، ومن بينهم 6 أبناء راشدين وأسرهم، على 2000 دولار من حركة حماس كتعويض حرب. وتطهو زوجته الطعام على النار، في حين يلعب الأطفال وسط الركام. وأشار أبو دقة بإصبعه وقال: «الحدود مع إسرائيل هناك. سيعود اليهود». وأضاف أنه بعد الحروب الماضية كان يتوقع دائما أن تتحسن الأوضاع ولو بقدر ضئيل على الأقل. أما بخصوص رؤيته للوضع الآن فأجاب بأنه «لن يتحسن».
وأبقت إسرائيل قطاع غزة تحت حظر جزئي على التجارة والسفر منذ سيطرة حركة حماس على القطاع عام 2007. وتقوم الأمم المتحدة هذه الأيام طبقا لاتفاق عقد بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والأمم المتحدة بعد الحرب، بتقييم الأسر وأماكن إقامتهم لحصر الأضرار، ويتم تقديم قوائم إلى الجيش الإسرائيلي بشحنات لقضبان الحديد، والإسمنت من أجل الموافقة على دخولها إلى غزة.
وبحسب إحصاءات شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي التي تعد الأحدث، دخلت نحو 2259 شحنة من مواد البناء إلى غزة. لكن حسب تقديرات الأمم المتحدة، يحتاج تنفيذ عملية لإعادة بناء وإصلاح المنازل في غضون 3 سنوات إلى 735 شحنة يوميا طوال أيام الأسبوع.
ويُعزى ما تفرضه إسرائيل من قيود ورقابة على الواردات إلى قطاع غزة إلى مخاوفها العسكرية من استخدام حماس لمواد البناء، مثل الإسمنت وأنابيب الصرف في بناء أنفاق وملاجئ تحت الأرض، وصواريخ. وبهذا الخصوص قال ساري باشي، مدير منظمة «غيشا» الإسرائيلية لحقوق الإنسان: «لا ينجح ذلك إلا في حرمان المدنيين في قطاع غزة من إعادة الإعمار. ولن يكون لتلك القيود إلا تأثير ضئيل، أو ربما تأثير لا يُذكر على حفر حماس للأنفاق. إنهم يستطيعون إعادة البناء باستخدام مواد معادة التصنيع».
وقال مسؤول في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إن حماس تصنع بالفعل صواريخ «بأسرع ما يمكن». وخلال الأسبوع الحالي، اعترضت البحرية الإسرائيلية 3 من أعضاء حركة حماس أثناء محاولتهم تهريب مواد تستخدم في صناعة الصواريخ من مصر عن طريق البحر. ومنذ نهاية الحرب أطلق المسلحون في قطاع غزة 3 صواريخ على إسرائيل.
وأثناء الحرب، تم تدمير مصانع في غزة، ومن أكبر المصانع الخاصة التي تضررت جرّاء القصف مصنع «العودة»، الذي كان ينتج آيس كريم، ورقاقات البطاطس، وبسكويت. وتهدم الطابقان العلويان من المبنى بفعل القصف الإسرائيلي. وقالت منال حسن، مديرة تنفيذية بالمصنع: «لم نحصل على قرش من الأمم المتحدة، أو المنظمات التي لا تهدف للربح، أو السلطة الفلسطينية، أو حماس». وقد بلغ حجم الأضرار، بحسب تقديرات الشركة، 24 مليون دولار.
وقد حاولوا إقامة دعوى قضائية في المحاكم الإسرائيلية، لكن تم رفضها لعدم الاختصاص. وقالت منال إنهم قادرون على إعادة البناء إذا سمحت إسرائيل بدخول قطع الغيار وبعض الفنيين الإيطاليين والدنماركيين. وأوضحت قائلة: «نحن بحاجة إليهم حتى يوضحوا لنا كيفية إصلاح الأجهزة التي صنعوها»، في إشارة إلى معدات المصنع المنتجة في الخارج. وأعاد المصنع تشغيل خطي إنتاج للبسكويت، لكنهما يعملان بثلث الكفاءة. وقالت منال بهذا الخصوص «على الآيس كريم أن ينتظر».
ويقول فلسطينيون في غزة إنهم يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنهم محبوسون داخل سجن كبير. وتفرض إسرائيل قيودا على الخروج من القطاع، ولا تسمح سوى بعبور المرضى، والتجار، وبعض الحالات الإنسانية الخاصة. أما بالنسبة لسكان قطاع غزة، فيمثل معبر رفح، الواقع على الحدود مع مصر، المنفذ الرئيسي لهم على عالم أكبر، لكنه مغلق أكثر الوقت منذ الحرب الماضية.
كان محمد أبو عنزة، البالغ 19 عاما، يحاول الوصول إلى مطار القاهرة الشهر الماضي، حيث حصل على منحة لدراسة الهندسة في جامعة بالجزائر. وباءت محاولته للخروج بالفشل في أكتوبر (تشرين الأول). وفي نهاية يناير (كانون الثاني)، ظل المعبر مفتوحا لثلاثة أيام فقط. وتكدس المسافرون اليائسون في الحافلات من أجل الوصول إلى الجانب المصري.
وفي اليوم الثالث تمكن أبو عنزة من حجز مقعد في الحافلة العاشرة في ترتيب المغادرة، لكن لم يسمح المصريون إلا بمرور 7 حافلات فقط في ذلك اليوم. وقال أبو عنزة إنه سيحاول مرة أخرى، لكنه عاد أدراجه حيث بدت عليه الرغبة في البكاء.

خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.