تركيا: المتدربون يواجهون نفس عقوبة الجنرالات نفسها بسبب محاولة الانقلاب

أشخاص يقتربون من دبابة عسكرية في أنقرة خلال محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 20216 (رويترز)
أشخاص يقتربون من دبابة عسكرية في أنقرة خلال محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 20216 (رويترز)
TT

تركيا: المتدربون يواجهون نفس عقوبة الجنرالات نفسها بسبب محاولة الانقلاب

أشخاص يقتربون من دبابة عسكرية في أنقرة خلال محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 20216 (رويترز)
أشخاص يقتربون من دبابة عسكرية في أنقرة خلال محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 20216 (رويترز)

كسرت عائلات «الطيارين المتدربين»، المحكوم عليهم بالسجن المؤبد، صمتهم، احتجاجاً على براءتهم. حيث اتهم أكثر من 600 مجنّد، من بينهم أدين 13 «طياراً متدرباً»، من 14 خريجاً من أكاديمية القوات الجوية التركية، بالانضمام إلى محاولة انقلاب عام 2016 (واحد منهم لم يُتهم لأنه احتفل بزفافه أثناء محاولة الانقلاب)، التي ألقت بالبلاد في فوضى لم تخرج منها بعد. حسبما أفاد به تقرير صحيفة «نيويورك تايمز».
تحطمت حياتهم العسكرية وأحلامهم في تحليق طائرات «إف 16»، بعدما حُكم عليهم بالسجن مدى الحياة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وسيدخل كل أفراد المجموعة السجن، في غضون أشهر.
يقول التقرير، إنه في أعقاب محاولة الانقلاب، واجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان محاولة الانقلاب باتخاذ إجراءات صارمة، وفرض حالة الطوارئ لمدة عامين، واعتقل 100 ألف شخص وطرد 150 ألف موظف حكومي من وظائفهم. وتمت محاكمة أكثر من 8000 فرد عسكري لدورهم في محاولة الانقلاب، بما في ذلك أكثر من 600 متدرب وطلبة عسكر ومجندين - معظمهم في أوائل العشرينات من العمر.
وتخشى عائلات ومحامي المتهمين التحدث علانية، بعد تم التغاضي عن مصيرهم إلى حد كبير في تركيا، حيث كان الخطاب الحكومي ضد منفذي الانقلاب صارخاً.
قررت بعض عائلاتهم الخروج عن صمتهم، بعد الحكم على 13 منهم بالسجن المؤبد، وتلقى 12 منهم «الأشغال الشاقة»، وهو أقسى أشكال عقوبة السجن المؤبد، دون إعطاء فرصة لإفراج المشروط.
قال كزبان كالين، والد ألبير (30 عاماً)، من بين المحكوم عليهم، وهو نفسه رقيب متقاعد «لم نتوقع تبرئتهم، بصراحة، لكننا كنا نتوقع الإفراج عنهم على الأقل».
وأضاف: «عندما يتعلق الأمر بالانقلاب، يكون الأمر على مستوى الجنرالات».
يفيد التقرير، بأنه، في بداية الأمر، كان الطيارون المتدربون وعائلاتهم يثقون في النظام، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن تاريخ تركيا مليء بالانقلابات، ولم تتم محاسبة القوات ذات الرتب الأدنى بهذه الطريقة.
ففي صيف عام 2016، كانت المجموعة قد وصلت لتوها إلى قاعدة إنجرليك الجوية التركية خارج العاصمة أنقرة، لبدء التدريب على طائرات مقاتلة من طراز«F - 16».
وفي 15 يوليو (تموز)، تم استدعاؤهم إلى القاعدة لإجراء اختبار اللغة الإنجليزية، ثم طُلب منهم الوقوف في حالة تأهب لمراقبة عملية مكافحة الإرهاب.
تبين بعدها أن قاعدة إنجرليك كانت مقراً لمدبري الانقلاب، وهي مجموعة من العسكريين والمدنيين الذين أمروا القوات في ذلك المساء بالسيطرة على المنشآت الرئيسية والطائرات لقصف البرلمان ووحدة من الكوماندوز للقبض على إردوغان.
دعا إردوغان المواطنين لمواجهة الانقلاب، بعد هروبه من محاولة القبض عليه، وذلك مقابلة بالهاتف الجوال مع محطة تلفزيونية. بحلول صباح اليوم التالي، استعادت القوات الموالية للحكومة السيطرة وهاجمت القاعدة الجوية، واعتقلت العديد من المتورطين.
ووفقاً لتصريحات «الطيارين المتدربين»، للمحققين وفي المحكمة، والتي طعنتها الحكومة فيما بعد، لم يكن الطيارون المتدربون على دراية بما يجري.
وقالوا إن هواتفهم الجوالة سُلبت منهم - وهو أمر طبيعي أثناء التدريبات العسكرية، وأُزيل التلفزيون من قاعة الطعام حيث أمضوا معظم الليل جالسين. فنقلوا الكراسي وشربوا الشاي. ووقف بعضهم في حراسة المدخل الخلفي لمبنى السرب، وأرسل ثلاثة منهم إلى البوابة الأمامية وسلموا بنادق، رغم أن المحكمة وجدت أنهم لم يستخدموها.
وغادر معظم المتدربين القاعدة الجوية، اليوم التالي، نحو الساعة 8 صباحاً، بواسطة سياراتهم الخاصة، بعدما تعرضت القاعدة لإطلاق النار من القوات الخاصة، وطُلب منهم المغادرة، وصل ألبير كالين إلى المنزل خائفاً ومرهقاً، لكن والديه طمأناه.
قال كالين: «لم أكن أعتقد أن أي شيء سيحدث لهؤلاء المتدربين، لم يستخدموا أسلحتهم النارية. ولم يشاركوا في أي شيء، فقط كانت القاعدة الجوية مكان عملهم».
تم استدعاء المجموعة إلى القاعدة للإدلاء بشهادتها حول الأحداث، بعد 11 يوماً من محاولة الانقلاب، ولكن تم اعتقالهم على الفور. وفي غضون ساعات، ظهرت أسماؤهم على قائمة الأفراد الذين تم حذفهم من الجيش.
فكان ذلك بمثابة صدمة للمتدربين وعائلاتهم التي ما زالوا يعانون منها. وظل الطيارون رهن الاعتقال منذ ذلك الحين. وعندما حاول آباؤهم وأشقاؤهم العثور عليهم في مراكز الشرطة وقواعد الجيش، تعرضوا للإهانات والإساءات. ومن كونهم آباء فخورين لأبناء عسكريين مشهورين، إلى آباء متهمين بالخيانة والإرهاب.
تم إدراج إردوغان ضمن ضحايا الأحداث، وتم تمثيله طوال المحاكمة من قبل محاميه، حسين أيدين، الذي تصادم في كثير من الأحيان مع المتهمين ومحاميهم.
وقال أيدين في إجابات مكتوبة عن أسئلة من صحيفة «نيويورك تايمز»: «إن جريمة انتهاك الدستور، التي اتُهم بها العديد من المتهمين، بمن فيهم الضباط المتدربون، كان هدفها إردوغان».
ووجهت إلى المتدربين تهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي ومحاولة قلب النظام الدستوري والقتل ومحاولة القتل، حيث قتل ثمانية مدنيين في اشتباكات عند مدخل القاعدة الجوية.
قال محامي المتهمين، الذي طلب عدم ذكر اسمه لتجنب التداعيات القانونية على نفسه: «إن النيابة لم تقدم أدلة على تورطهم في مؤامرة الانقلاب أو الاشتباكات التي وقعت»،
وأضاف: «إنهم كضباط متدربين، كانوا يتلقون تعليمهم، ولا يمكنهم إلا أن يأخذوا الأوامر وليس إصدارها».
ءشملت عمليات التطهير والملاحقات القضائية، حتى الآن، الآلاف في الجيش والضباط والطلاب على حد سواء.
قالت هاتيس جيلان، التي كان نجلها بوراك، 29 عاماً، من بين الـ13 متدرباً الذين حُكم عليهم: «هل من المقبول التعتيم على حياة هذا العدد الكبير من الناس دون التمييز بين الأبرياء والمذنبين؟ إنهم مجرد أطفال. هناك الكثير، مثل ابني، متروكون في السجن».



ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة للجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، معتبراً أن «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من قيام الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بنشر قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.