معرض القاهرة للكتاب يختتم أنجح دوراته ويتخطى مليوني زائر

احتضن 600 ندوة و70 مليون كتاب و47 دولة مشاركة و850 دار نشر

أحد أجنحة المعرض
أحد أجنحة المعرض
TT

معرض القاهرة للكتاب يختتم أنجح دوراته ويتخطى مليوني زائر

أحد أجنحة المعرض
أحد أجنحة المعرض

أسدل الستار يوم الخميس الماضي على فعاليات الدورة الـ46 من معرض القاهرة للكتاب، التي شهدت إقبالا جماهيريا كبيرا لم يشهده تاريخ المعرض من قبل، ليصبح أكبر تظاهرة ثقافية، رغم الاضطرابات الأمنية، شهدتها مصر منذ أعوام، إذ ضمت 70 مليون كتاب و47 دولة مشاركة و850 دار نشر، وكذلك العاصفة الترابية التي غطت سماء القاهرة وعطلت مظاهر الحياة اليومية فيها، وكان من اللافت ارتداء زوار المعرض للكمامات أثناء زياراتهم للمعرض.
وفي تقليد سنوي، أعلن د. جابر عصفور، وزير الثقافة المصري، قائمة الفائزين بجائزة أفضل كتاب لعام 2014 في 10 فئات مختلفة تبلغ قيمة كل جائزة 10 آلاف جنيه مصري. وفاز بأفضل كتاب سياسي «البحث عن خلاص» لشريف يونس، وفاز كتاب «سقوط الآلهة.. قراءة في الوعي الجمالي عند سيد حجاب» لحميدة عبد الله بجائزة أفضل عمل في النقد الأدبي، وفازت رواية «الحريم» لحمدي الجزار بجائزة أفضل رواية، أما جائزة القصة القصيرة فمُنحت لمحمد عبد النبي عن مجموعته القصصية «كما يذهب السيل بقرية نائمة».
وفاز الروائي فؤاد حجازي بجائزة أفضل عمل للأطفال عن روايته «ابتسامات» وفاز كتاب «شفرة بصرية» للتشكيلي حمدي عبد الله بجائزة الأفضل في الفنون وفاز «اقتصاديات جماعة الإخوان المسلمين» لعبد الخالق فاروق بأفضل كتاب في العلوم الاجتماعية. وحصد ديوان «أنت في القاهرة» لإبراهيم داود بجائزة شعر الفصحى. أما ديوان «جنب البيت» لرجب الصاوي ففاز بجائزة شعر العامية المصرية، بينما فاز بأفضل كتاب علمي «الفطريات والمسرطنات في الأغذية» لفهيم شلتوت، وفازت بجائزة أفضل ناشر دار «سما».
ورغم أن فعاليات المعرض امتدت 16 يوما، فإن عددا كبيرا من الناشرين طالب بمد فترة المعرض ليصبح بذلك أطول معارض الكتب في العالم. وقال د. أحمد مجاهد، رئيس الهيئة العامة للكتاب المنظمة للمعرض لـ«الشرق الأوسط»: «تعد هذه الدورة هي الأنجح منذ عدة سنوات. وقد رفضت الهيئة رفضت مد فترة المعرض، الذي كان من المفترض أن يعقد على مدار 7 أيام على الأكثر طبقا للمعارض الدولية، إلا أنها سوف تواصل نشاطها الثقافي بإطلاق عدة معارض للكتب في عدد من المحافظات المصرية على مدار الشهور الثلاثة المقبلة».
ويضيف: «المعرض حقق نجاحا غير متوقع، فقد تخطى زوار المعرض مليوني زائر، ونفدت جميع تذاكر الدخول قبل أيام من انتهاء المعرض، وحققت الهيئة العامة للكتاب فقط مبيعات تخطت المليون جنيه، حيث بلغت مبيعات العام الماضي 550 ألف جنيه».
تميزت الدورة الـ46 ببرنامج ثقافي دسم وصلت ندواته فقط إلى 600 ندوة، فضلا عن حفلات التوقيع، وبرزت فيها وجوه العديد من الأدباء، الذين انعزلوا فترة عن الوسط الثقافي. وشارك في فعاليات هذه الدورة مجموعة من المثقفين العرب الذين غابوا أيضا عن مصر، وعلى رأسهم الشاعر السوري أدونيس، والباحث التونسي عبد المجيد الشرفي، والمفكر الإسلامي اللبناني رضوان السيد، الذي تحدث عن محمد عبده والتجديد الثقافي العربي الإسلامي، كما شارك المفكر اللبناني د. علي حرب في ندوات المعرض، ولكنه أبدى اعتراضه على التعويل على مسألة تجديد الخطاب الديني والاستناد إلى القضايا الفكرية التي سبق أن طرحت قبل 100 عام. وكانت شخصية المعرض هذا العام محمد عبده، وتناولت عشرات الندوات فكره ومنهجه الوسطي إلا أن المتحدثين فيها لم يتطرقوا إلى إسهاماته السياسية والاجتماعية وكيفية الاستفادة منها في وقتنا الحالي.
وكان من بين كبار الأدباء الذين شاركوا بالمعرض عبده جبير، وإبراهيم عبد المجيد، وأشرف الخمايسي، والكتاب الحائزون على جائزة البوكر في الرواية العربية، ومنهم الكاتب الكويتي سعود السنعوسي، والروائي العراقي أحمد سعداوي، والروائي المصري يوسف زيدان، كما شارك الروائي السوداني حمور زيادة، والكاتبة التونسية رجاء بن سلامة، ومن المملكة السعودية د. معجب العدواني، والشاعر السعودي أحمد قران الزهراني، والشاعر أحمد بن عبد الله التيهاني، ومن فرنسا الكاتب والصحافي الفرنسي آلان غريش الذي ينحدر من أصول يهودية مصرية، وهو رئيس التحرير السابق لجريدة «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية.
تطرقت الندوات لمختلف جوانب الثقافة والفكر والأدب والترجمة ودورها في إثراء الثقافات ومنها ندوة «الترجمة عبر العصور»، التي تطرقت إلى اهتمام الشعوب العربية بترجمة الروايات الغربية على حساب جميع مناحي المعرفة. في حين نقلت الندوات الخاصة بالأدب العربي مخاوف تأثير العالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي، مثل «تويتر» و«فيسبوك» على فن القص والسرد، وبرزت مخاوف المثقفين على الرواية العربية من كتابات السيرة الذاتية. وناقشت كثير من الندوات الفكر السلفي والفكر الجهادي في محاولة للتأصيل لفكر الجماعات المتطرفة، ومنها ندوة «المرجعيات الفكرية للجماعات الدينية» التي ناقشت كيف استغلت بعض الجماعات فكر ابن تيمية، وتعرضت الندوات لمخاطر أفكار سيد قطب وحسن البنا وتأثيرها في ظهور تنظيمات متطرفة مثل «داعش».
وأقيمت عدة ندوات تحتفي بتاريخ المملكة العربية السعودية كضيف شرف، كان من بينها الندوات التي ركزت على الإبداع السعودي: «قراءات في القصة والرواية السعودية»، تحدث فيها د. معجب العدواني الأستاذ بجامعة الملك سعود، ود. السيد محمد الديب أستاذ الأدب العربي والنقد بجامعة الأزهر، والقاصة السعودية ليلى بنت إبراهيم الأحيدب، وأدار الندوة الشاعر عيسى بن علي جرابا المدرس بالمعهد العلمي في صبيا، وتطرقت إلى تاريخ الرواية السعودية الذي بدأ منذ عام 1930 بصدور رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري، التي طُبعت بمطبعة الترقي السورية. كذلك خلصت ندوة «الرواية السعودية والتحديات التي تواجهها» إلى أن الرواية السعودية سحبت البساط من الشعر، وأصبحت تحتل مكانة مرموقة في الرواية العربية.
وأقيمت أيضا ندوة للتعريف بآثار المملكة والاكتشافات الأثرية فيها التي تروي تاريخ المدن العربية ما قبل الإسلام في الجزيرة العربية.
وبدا النشاط الثقافي يسير في اتجاهين متوازيين، حيث اجتذبت الندوات الخاصة بتجديد الخطاب الديني كبار السن، بينما تكالبت جموع الشباب على حفلات التوقيع للكتاب الشباب والندوات الفنية التي حضرها نجوم السينما، وكان أبرزهم الفنان محمود حميدة والفنانة سميرة عبد العزيز.
واحتضن المعرض عددا من الأمسيات الشعرية شارك فيها أبرز الشعراء المصريين ومنهم: سيد حجاب، وجمال القصاص، وشريف الشافعي، وعدد من الشعراء من مختلف المحافظات. كما تضمنت الفعاليات إقامة معرض فني بعنوان «أياد مصرية»، الذي جسد الثورة المصرية بمشاركة مجموعة من الفنانين الشباب، وحفلا للموسيقى الكلاسيكية، وعروضا للأطفال.
بشكل عام، تميزت أجنحة المعرض بالعرض الجيد للكتب وإن كان من الملاحظ عدم التجديد في خريطة المعرض أو وضع خرائط واضحة للأجنحة. وكان أكبر الأجنحة الجناح السعودي «ضيف الشرف»، وحظي زواره بالحصول على كتاب «العلاقات السعودية المصرية ملوك ورؤساء»، أعدته الملحقية الثقافية السعودية بالقاهرة، الذي يرصد 100 عام من تاريخ البلدين، وضمت أروقته تعريفا بمختلف الجوانب الثقافية والتراثية والاجتماعية للمملكة، وأجنحة لأشهر الناشرين، ومنهم المتنبي، والمكتبة التراثية، وجرير، والعبيكان، التي أطلقت مشروع «إثراء»؛ أكبر مكتبة رقمية تفاعلية للمحتوى العربي.
وكان من الملاحظ التزايد الكبير في أعداد المؤلفين والأدباء الجدد من مختلف الدول العربية، والإقبال على أعمال الأديبات العربيات عامة والسعوديات خاصة من قبل المثقفين المصريين، ومن أبرز الأعمال التي لقيت رواجا أعمال الكاتبة الروائية سمر مقرن، ورواية «دحرجة الغبار» للروائية السعودية سلام عبد العزيز، وديوانا «في دهاليز الأرق» لسلوى أبو مدين، و«هموم وأحلام» لندى برنجي.
وتصدرت الروايات العربية المشهد في جميع أجنحة المعرض، أما الأجنحة التي لم تحتفِ بالروايات ولم تعلن عن تخفيضات، فكانت خاوية. لذا وجدت التخفيضات الهائلة طريقها إلى جناح الجامعة الأميركية بالقاهرة ودور النشر الأجنبية، خاصة على الروايات الأجنبية لكبار الكتاب مثل باولو كويلو وساراماجو.
وكان من اللافت ارتفاع أسعار الكتب عن العام الماضي، خاصة في الدور العربية التي لم تحقق أرباحا، كالدور المصرية، نتيجة تكاليف الشحن، إلا أن جمهور المعرض استفاد من التخفيضات الهائلة التي قدمتها وزارة الثقافة المصرية، والتي نافست بها باعة الكتب المستعملة التي كان يُنادى عليها «الكتاب بجنيه والرواية بجنيه». وعلى النقيض من العام الماضي، لم تحظَ كتب المنشقين عن جماعة الإخوان المسلمين بالشغف الذي لاقته العام الماضي، بل عزف عنها الجمهور في مقابل الإقبال الكبير على الكتب الخاصة بالتاريخ المصري، وخصوصا الحقبة الملكية والناصرية، إلى جانب كتب السير الذاتية للساسة والمفكرين، وتصدر المشهد كتب تحمل في عناوينها كلمة «داعش» في محاولة مكشوفة من دور النشر للكسب السريع، لكنها لم تلقَ رواجا.
ويظل معرض القاهرة للكتاب بوصلة للتعرف على ذائقة القارئ العربي والأجنبي لما يشهده من تنوع في جمهوره، كما يتضح لزائر المعرض التحولات الثقافية الناجمة عن المتغيرات السياسية والاقتصادية بالمنطقة، التي يمكنه رصدها في نوعية المطبوعات، والعناوين الصادرة حديثا، والتطور في صناعة الكتب وأغلفتها، والظواهر الثقافية المرتبطة بصناعة النشر، ومنها الأكثر مبيعا، والتزايد الملحوظ في دور النشر، وتعاملها مع الكتب كسلعة استهلاكية تعتمد على التسويق والدعاية بغض النظر عن قيمتها، وحفلات التوقيع وغيرها.
وكانت ظاهرة تزوير الكتب الأكثر إثارة للجدل والتساؤلات خلال أيام المعرض، تبعها قرار الهيئة العامة للكتاب بإغلاق ثلاث دور نشر نتيجة تلك الظاهرة التي استشرت في مصر بشراسة، والتي تضر ضررا بالغا بحقوق المؤلفين والناشرين وتدمر صناعة النشر.
ويُعد معرض القاهرة أيضا فرصة ذهبية لدور النشر لعقد الصفقات والاتفاق على مشروعات أدبية وتراجم، والتعاقد مع الأدباء والمؤلفين. وكانت إحدى ثمار معرض القاهرة للكتاب مشروع «كايروكولينج» لنشر ثقافة القراءة وتطبيق فكرة توصيل الكتب إلى المنازل بالمجان. ومن أهم الصفقات التي عُقدت في المعرض توقيع اتحاد الناشرين المصريين، ومؤسسة «إنتركونتننتال» الصينية، اتفاقية تعاون في مجال النشر الإلكتروني، بهدف دعم صناعة النشر الإلكتروني وإيصال الكتاب العربي لجميع القراء في العالم، حيث تقوم المؤسسة خلال عامين بتحويل ورفع 5 آلاف كتاب من دور النشر المصرية، على موقعها وتطبيقاتها وتسويقها في كل أنحاء العالم.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».