تحل اليوم الذكرى العاشرة لاغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، حاملة معها ذكريات الاغتيال، وتقلبات سياسية واجتماعية وطائفية، أدت إلى جر البلاد إلى الحرب الأهلية أكثر من مرة، قبل أن ينتشلها منها «التعاطف» الدولي والإقليمي.
ويشكل اغتيال الحريري «علامة فاصلة» في التاريخ اللبناني الحديث؛ فما بعده ليس كما قبله، ولبنان بعد الاغتيال لم يعد كما كان قبله، اجتماعيا وسياسيا وأمنيا.
كانت لحظة الاغتيال هي ذاتها لحظة «الانفصال» بين فريقين من اللبنانيين، على أساس من يؤيد النظام السوري ومن يعارضه. ومنذ حصوله، خرج قسم كبير من اللبنانيين ليجاهر بالعداء لسوريا، وكان وسط بيروت هو الساحة التي رسمت معالم الانفصال الذي تأرجح طوال 10 سنوات بين الطلاق والتعايش بين هذين الفريقين. وحمل هذا الاستقطاب آثارا طائفية قاسية على البلاد، خصوصا بين السنة والشيعة، وقد تفاقم هذا الخلاف مع الأزمة السورية التي وقف الفريقان على طرفي نقيض منها.
فبعد دفن الحريري ورفاقه في وسط بيروت بعد الجريمة، تقاطر إليها معارضو سوريا الذين أقاموا فيها اعتصاما ثابتا يهدف للضغط على النظام للانسحاب من لبنان، لكن «حزب الله» اختار في الثامن من مارس (آذار) 2005 أن يثبت حضوره السياسي من خلال الدعوة إلى مظاهرة تأييد النظام السوري، حمل فيها المشاركون عبارة «شكرا سوريا» وشارك فيها حشد كبير من جماهيره قدرها الحزب وأنصاره بأكثر من مليون شخص، ليرد معارضو سوريا بمظاهرة أكبر في 14 مارس (آذار) تدعو سوريا للخروج من لبنان. ومنذ ذلك الحين حمل الفريقان اسم اليوم الذي تظاهرا فيه، فأصبح الفريق الذي يقوده «حزب الله» فريق «8 آذار» والفريق الخصم «14 آذار».
بعد مواجهة الساحات، وانسحاب الجيش السوري منتصف أبريل (نيسان) من العام نفسه، اتفق الفريقان على إجراء الانتخابات في أجواء مقبولة، فكان أن تم التوافق على تأليف حكومة لإدارة البلاد وإجراء الانتخابات، ترأسها الرئيس نجيب ميقاتي الذي كان مقبولا من الطرفين. ودخل الفريقان الانتخابات تحت عنوان «التحالف الرباعي» الذي ضم «حزب الله» وحركة «أمل» من جهة، وتيار «المستقبل» و«القوات اللبنانية» من جهة أخرى، في حين خرج منه تيار العماد ميشال عون الذي اعتبر أن ما يجري هو محاولة لإنقاص دوره، وخرج أيضا من تحالف 14 آذار الذي كان جزءا منه.
جرت الانتخابات صيف عام 2005، وحملت معها نتائج غير متوقعة، تمثلت باكتساح عون المناطق المسيحية الصافية في المتن وكسروان وزحلة معلنا أنه «الرجل المسيحي الأول»، لكن عون استثني من التركيبة الحكومية بعد خلاف معه على الحصص (كما في الانتخابات البرلمانية)، ودخل الطرفان بالتالي تحت سقف حكومة إدارة أزمة ترأسها الرئيس فؤاد السنيورة، أحد أبرز المقربين من الحريري.
اهتز هذا التعايش بقوة، بعد حرب عام 2006، التي كانت نهايتها بداية فصل جديد من الأزمة اللبنانية. فقد اعتبر «حزب الله» أن فريق 14 آذار تآمر عليه، بينما رأى الفريق الآخر أن الحزب ورط البلاد بمشكلة كبرى ودمار هائل نتيجة تفرده بالقرار.
وأتت ولادة المحكمة الدولية لتزيد من حدة الانقسام الداخلي، فخرج الوزراء الشيعة من الحكومة، وتعرضت شخصيات لبنانية من فريق 14 آذار لعمليات اغتيال أدت إلى توتر شديد في البلاد، التي سرعان ما أصبحت من دون رئيس في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2007 بعد عجز الطرفين عن التوصل إلى اتفاق على اسم رئيس جديد للبلاد يخلف الرئيس إميل لحود المقرب من النظام السوري، الذي عاش شهوره الأخيرة في السلطة شبه معزول دوليا ومحليا.
وزاد التوتر الأمني في البلاد، ثم تحولت الأمور إلى حد الصدام المباشر في 7 مايو (أيار) 2008، بعد أن اعتبر «حزب الله» أن القرار الذي اتخذته حكومة السنيورة بحق شبكة اتصالاته «إعلان حرب» فنزل مقاتلوه إلى الشارع وسيطروا على بيروت، وخاضوا معارك قاسية في معقل النائب وليد جنبلاط في جبل لبنان.
وأدى هذا الوضع إلى تدخل دولي - عربي أثمر اتفاقا بين الفرقاء الذين انتقلوا إلى الدوحة، تمثل بالإعلان عن التوافق على إجراء الانتخابات الرئاسية وانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للبلاد، وتأليف حكومة وحدة وطنية يلتزم الطرفان بعدم الاستقالة منها، كما نص الاتفاق على كيفية تقسيم الدوائر الانتخابية، التي أجرت حكومة السنيورة الثانية الانتخابات على أساسها في عام 2009 بتوافق بين الطرفين في بعض الدوائر ومعارك في أخرى، انتهت إلى فوز قوى «14 آذار» مرة جديدة بالأكثرية البرلمانية، لكنها سرعان ما خسرتها مع اقتراب النائب وليد جنبلاط إلى الوسط، وميله نحو مهادنة فريق 8 آذار والنظام السوري، التي ترجمها في عام 2010 بزيارة سوريا، بعد زيارة مماثلة قام بها الحريري الابن الذي ترأس الحكومة الجديدة التي انبثقت عن الانتخابات، والتي كانت وفق اتفاق الدوحة أيضا لجهة عدد مقاعدها وتوزيعها.
وكانت زيارة الحريري إلى سوريا مفتاحا لعملية مصالحة مع سوريا، لم تكتمل فصولها، رعتها المملكة العربية السعودية. فالحريري عاد من دمشق ليجد أن مذكرات توقيف غيابية قد صدرت عن محكمة سوريا بحق كثير من قادة 14 آذار، بينهم مساعدون شخصيون له. ثم ترجم هذا التباعد بانقلاب داخلي عليه قاده «حزب الله» وتيار عون، وتمثل باستقالة وزراء المعارضة، بالتزامن مع اجتماع كان الحريري يعقده في واشنطن مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، مما أدى إلى إسقاط حكومته وتأليف حكومة ضمت ائتلاف الوسطيين (جنبلاط والرئيس سليمان ونجيب ميقاتي) مع فريق «8 آذار».
8:42 دقيقه
اغتيال الحريري سبب استقطابًا سياسيًا وطائفيًا جر لبنان إلى حافة الحرب الأهلية
https://aawsat.com/home/article/289201/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D9%8A-%D8%B3%D8%A8%D8%A8-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%A8%D9%8B%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%8B%D8%A7-%D9%88%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D9%81%D9%8A%D9%8B%D8%A7-%D8%AC%D8%B1-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9
اغتيال الحريري سبب استقطابًا سياسيًا وطائفيًا جر لبنان إلى حافة الحرب الأهلية
في الذكرى السنوية العاشرة للجريمة
اغتيال الحريري سبب استقطابًا سياسيًا وطائفيًا جر لبنان إلى حافة الحرب الأهلية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








