زوجة دستويفسكي تقدم للقارئ كل ما له وما عليه

مذكراتها تكشف الوجه الآخر لصاحب «الجريمة والعقاب»

فيودور دستويفسكي
فيودور دستويفسكي
TT

زوجة دستويفسكي تقدم للقارئ كل ما له وما عليه

فيودور دستويفسكي
فيودور دستويفسكي

يكشف هذا الكتاب «مذكرات زوجة دستويفسكي» عن الوجه الآخر لأديب روسيا الأشهر أحد أهم الكتاب الأكثر تأثيراً في الأدب الإنساني.
الكتاب صدر حديثاً عن «المركز القومي للترجمة» بمصر، وهو طبعة ثانية، ويقع في 634 صفحة من القطع الكبير، وقد ترجمه عن الروسية أنور محمد إبراهيم الذي لفت في مقدمته إلى أن «آنا جريجورفنا» لم تكن مجرد زوجة ثانية لدستويفسكي، بل كانت عاشقة عطوف، منحت دستويفسكي السعادة، وساعدته على تجاوز أعباء مرضه.

- الشرارة الأولى
ولدت جريجورفنا في 30 أغسطس (آب) عام 1846 لأسرة بسيطة من بطرسبورغ. وكان أبوها ودوداً ذا طبيعة محبة للحياة، وكان في شبابه مولعاً بالمسرح والأدب، إلى جانب أنه كان من أشد المعجبين بأعمال دستويفسكي. وقد سمعت «آنا» هذا الاسم للمرة الأولى في حياتها وهي في السادسة عشر من عمرها، حين أدت امتحاناً في قصة «نيتوتشكا نيزفانوفا» لدستويفسكي. ومن فرط تأثرها بالقصة، أصبحت الأسرة تطلق عليها آنذاك اسم «نيتوتشكا». كما بكت كثيراً وهي تقرأ «مذكرات من بيت الموتى» التي تتناول معاناة شخص معتقل في سهول سيبيريا، حيث درجة الحرارة تحت الصفر. هكذا، أصبح دستويفسكي كاتبها المفضل منذ الطفولة.
وكانت آنا تجيد الكتابة على الآلة الكاتبة. وبعد وفاة والدها وتغير أحوال الأسرة، ساعدتها هذه المهنة في التحرر من التبعية المادية لأمها. وصادف أن أوصى أحدهم دستويفسكي بأن تعمل لديه. وفي الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1866، تم التعارف بينهما.
طلب دستويفسكي يدها للزواج، فوافقت على الفور، فقد كانت مستعدة لذلك منذ فترة، ولم تأبه بنصائح أقاربها واعتراضهم على زواج غير متكافئ، فقد كان بضعف عمرها، وهو أرمل مثقل بديون ثقيلة.
تحكى صاحبة المذكرات واقعة طريفة في هذا السياق، فقد طلب منها أن تسمح له بزيارة عائلتها بعدما أنهى كتابة روايته «المقامر»، وكانت علاقة العمل معه على وشك الانقطاع، لولا أن دعاها لتكتب معه الجزء الأخير من رواية «الجريمة والعقاب»، فوافقت «آنا» لأنه كما وصفته كان «جذاباً للغاية». وخلال العمل، دعاها ذات ليلة لتشاركه حبكة رواية جديدة تخيلية يود كتابتها، وأقنعها بأنه يحتاج إلى نصحها في فهم نفسية الأنثى.
وفي تلك الرواية المتخيلة، كان البطل رساماً كبيراً في السن يتقدم لخطبة فتاة صغيرة كان اسمها آنيا. وهنا، سألها دستويفسكي عما إذا كان من الممكن لفتاة صغيرة في السن مختلفة في الشخصية أن تقع في حب رسام، فأجابت «آنا» إن ذلك ممكن جداً، فقال لها مباشرة: «ضعي نفسكِ في مكانها للحظة. تخيلي أنني أنا الرسام، أنا أعترف وأطلب منك أن تكوني زوجتي، ماذا سيكون جوابك؟»، فأجابت آنا: «سأجيب بأني أحبك، وسأحبك للأبد!».

- الوجه الآخر
هكذا، نجحت اللعبة، وأصبحت عاملة الآلة الكاتبة زوجة لواحد من أعظم الروائيين في العالم! وطوال 14 عاماً، أبدى دائماً حباً جارفاً لها، وغيرة عليها، حتى أن عائلتها تعايشت مع التجربة على الرغم من فارق العمر بين الزوجين. وبفضل هذا الاستقرار العائلي، تراجعت نوبات الصرع التي كان يعاني منها، كما قل إدمانه الشديد للقمار.
وتحكي المؤلفة كيف كان دستويفسكي في أغلب الأحيان حزيناً، غير راضٍ عن رواياته، لأنه كان يكتب أجزاء كبيرة منها تحت وطأة الديون الثقيلة، وهموم تسديدها. تقول: «كان حين ينتهي من كتابة جزء من رواية ما، يرسله على الفور إلى دار النشر كي تبعث له بدورها مبلغاً من المال يسدد به بعض ديونه، ثم حين يشرع في كتابة الأجزاء الأخرى من الرواية يكتشف خطأ ما في تسلسل الأحداث، فتصيبه الكآبة لأنه لن يستطيع التعديل على الجزء الأول الذي قد صار مطبوعاً منشوراً في المجلات والصحف. لو قُدر للعظيم دستويفسكي أن تكون ظروفه المادية أفضل، لكانت أعماله أكثر جمالاً وروعة مما هي عليه!».
وتستمر المذكرات في رسم ملامح الوجه الآخر للأديب الأشهر، فتروي كيف ذات مرة خسر جميع أمواله في لعب «الروليت»، لذلك قررت أن تتولى إدارة جميع المسائل المالية، وإدارة أموره مع الناشرين، ونجحت بعدها في تحرير زوجها من ديونه، واستطاع في عام 1871 أن يتخلص فيودور دستويفسكي من إدمانه للقمار.
ولم تكن الأشهر الأولى من ذلك الزواج المتواضع الهادئ بالسلاسة المتوقعة، حيث صعوبة التأقلم مع شخص مصاب بالصرع. تقول جريجورفنا: «كان حبي عقلياً خالصاً مثالياً؛ كان على الأصح عبادة، انحناء أمام إنسان موهوب إلى أبعد حد، إنسان يمتلك الخصال النفسية الرفيعة، فكانت روحي تتملكها الشفقة نحو هذا الرجل الذي عانى كثيراً، ولم يعرف السعادة ولا السرور قط. لقد أحببته حقاً بحرارة، على أن كبريائي لم يكن يسمح لي أن أبقى معه لو تأكد لي أنه لم يعد يحبني».

- في مرآة معاصريه
وتفرد المذكرات مساحة كبيرة للحديث عن علاقة دستويفسكي بمعاصريه من الكتاب والصحافيين والعلماء والشخصيات العامة، تلك العلاقة التي شابها التعقيد تارة، والالتباس والتناقض تارة أخرى، مثل نكراسوف وتورجنييف وأوجاريف ومايكوف وستراخوف، فقد كان ينتقد نكراسوف على سبيل المثال، ولا يبدو شديد الحماس له على المستوى الإنساني، لكن حين مرض الأخير فزع بشدة، وكان يداوم على زيارته، وإذا وجده نائماً يطلب من عائلته ألا توقظه، وأن تكتفي بإبلاغه تحياته.
وفي واحد من خطاباته المبكرة 1867، كتب دستويفسكي إلى زوجته يقول: «عادة ما تشاهدينني عبوساً كئيباً نزقاً، ليس هذا سوى أمر ظاهري، ولعلي دائماً ما كنت أبدو على هذا النحو خائر العزم سيئ الحظ، أما باطني فشيء آخر، صدقيني!». إن هذا الشيء «الباطني الحقيقي» هو ما كانت آنا جريجورفنا تقدره وتحبه على نحو خاص في دستويفسكي، وهو ما أحست به منذ لقائهما الأول.
وترسم المذكرات صورة دستويفسكي في نهاية الستينات، في أسوأ أيام هزائمه وفقره وبؤسه، وإن لم يفقد أناقته أو شعوره بكرامته الشخصية. وكما تقول جريجورفنا «هذا هو الرجل صاحب الذوق الرفيع في تقدير الأشياء الجميلة يملأه الشعور بالمتعة إذا ما أتيحت له أدنى فرصة لإسعاد المقربين منه، على الرغم من أنه شخص اختصه القدر بحياة مفعمة بالتقلبات المأساوية، إنسان تأرجح أكثر من مرة على الهاوية، ومع ذلك راح يحتفي بالحياة على نحو أشد قوة، وها هو بصفته رب الأسرة المسؤول عن كثير من أقاربه يمرح في سعادة بكل خلجات قلبه مثل طفل حول شجرة عيد الميلاد يرقص الفالس بنكران للذات».
وتلقي المذكرات الضوء على علاقة دستويفسكي بالأطفال، حيث يكتب إلى أصدقائه متحدثاً عنهم، ويصفهم بأنهم «يضفون على الوجود طابعاً إنسانياً بكل ما في هذه الكلمة من معانٍ؛ هؤلاء تصبح الحياة دونهم بلا غاية».

- اعترافات عاشقة
وتضع جريجورفنا في مذكراتها ما يشبه الاعترافات، قائلة: «لا أتعهد أن تكون مذكراتي شيقة، ولكني أضمن صحتها وحيادها الكاملين، من حيث وصف مواقف بعض الشخصيات، فهذه المذكرات بنيت أساساً على مدونات مؤيدة بخطابات ومقالات من الصحف والمجالات. وأعترف صراحة أن مذكراتي تحتوي على أخطاء أدبية، كالإطالة في السرد والتباين في حجم الفصول والأسلوب القديم، ولكن يصعب على المرء وقد بلغ السبعين من العمر أن يتعلم أشياء جديدة، وإنما يغفر لي هذه الزلات إخلاصي ورغبتي القلبية في أن أقدم للقارئ فيودور دستويفسكي بكل ما له وما عليه، وأن أضع الصورة التي كان عليها في حياته الشخصية والعائلية».
وتضيف: «كنت أنا وزوجي نعد أنفسنا أناساً لهم مزاج مختلف تماماً، ولهم طابع آخر ورؤى أخرى، لكننا بقينا على سجيتنا دائماً، ولم يتدخل أحدنا في شؤون الآخر؛ كنا نشعر بحرية أرواحنا. كان فيودور يفكر كثيراً وحده في الأسئلة العميقة للنفس البشرية، وكان يقدر لي عدم تدخلي في حياته النفسية والعقلية، ولهذا كان كثيراً ما يقول لي: أنت المرأة الوحيدة التي فهمتني! وهذا ما كان يمثل أكثر الأشياء أهمية له، حيث كانت علاقته بي تمثل جداراً متيناً باستطاعته أن يستند إليه ويشعر بالدفء. وهذا ما يفسر، من وجهة نظري، هذه الثقة المدهشة التي كان زوجي الطيب يوليها لي ولكل تصرفاتي، على الرغم من أن كل ما فعلته لم يكن يتجاوز إطلاقاً حدود المألوف. إن هذه العلاقة من طرفيها أعطتنا إمكانية أن نواصل حياتنا الزوجية على مدى أربعة عشر عاماً في سعادة أرضية متاحة لمن أراد من الناس».
ويبدو بالفعل أنها كانت أهلاً لهذه الثقة في حياته ومماته أيضاً. فبعد وفاته، كانت «آنا» في الـ35 من عمرها، وقد كرست كل جهودها لحماية إرثه الأدبي وصيانته، حيث قامت بجمع مخطوطاته ورسائله ووثائقه وصوره، وأسست عام 1906 غرفة مخصصة لفيودور دستويفسكي في متحف الدولة التاريخي.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended