زوجة دستويفسكي تقدم للقارئ كل ما له وما عليه

مذكراتها تكشف الوجه الآخر لصاحب «الجريمة والعقاب»

فيودور دستويفسكي
فيودور دستويفسكي
TT

زوجة دستويفسكي تقدم للقارئ كل ما له وما عليه

فيودور دستويفسكي
فيودور دستويفسكي

يكشف هذا الكتاب «مذكرات زوجة دستويفسكي» عن الوجه الآخر لأديب روسيا الأشهر أحد أهم الكتاب الأكثر تأثيراً في الأدب الإنساني.
الكتاب صدر حديثاً عن «المركز القومي للترجمة» بمصر، وهو طبعة ثانية، ويقع في 634 صفحة من القطع الكبير، وقد ترجمه عن الروسية أنور محمد إبراهيم الذي لفت في مقدمته إلى أن «آنا جريجورفنا» لم تكن مجرد زوجة ثانية لدستويفسكي، بل كانت عاشقة عطوف، منحت دستويفسكي السعادة، وساعدته على تجاوز أعباء مرضه.

- الشرارة الأولى
ولدت جريجورفنا في 30 أغسطس (آب) عام 1846 لأسرة بسيطة من بطرسبورغ. وكان أبوها ودوداً ذا طبيعة محبة للحياة، وكان في شبابه مولعاً بالمسرح والأدب، إلى جانب أنه كان من أشد المعجبين بأعمال دستويفسكي. وقد سمعت «آنا» هذا الاسم للمرة الأولى في حياتها وهي في السادسة عشر من عمرها، حين أدت امتحاناً في قصة «نيتوتشكا نيزفانوفا» لدستويفسكي. ومن فرط تأثرها بالقصة، أصبحت الأسرة تطلق عليها آنذاك اسم «نيتوتشكا». كما بكت كثيراً وهي تقرأ «مذكرات من بيت الموتى» التي تتناول معاناة شخص معتقل في سهول سيبيريا، حيث درجة الحرارة تحت الصفر. هكذا، أصبح دستويفسكي كاتبها المفضل منذ الطفولة.
وكانت آنا تجيد الكتابة على الآلة الكاتبة. وبعد وفاة والدها وتغير أحوال الأسرة، ساعدتها هذه المهنة في التحرر من التبعية المادية لأمها. وصادف أن أوصى أحدهم دستويفسكي بأن تعمل لديه. وفي الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1866، تم التعارف بينهما.
طلب دستويفسكي يدها للزواج، فوافقت على الفور، فقد كانت مستعدة لذلك منذ فترة، ولم تأبه بنصائح أقاربها واعتراضهم على زواج غير متكافئ، فقد كان بضعف عمرها، وهو أرمل مثقل بديون ثقيلة.
تحكى صاحبة المذكرات واقعة طريفة في هذا السياق، فقد طلب منها أن تسمح له بزيارة عائلتها بعدما أنهى كتابة روايته «المقامر»، وكانت علاقة العمل معه على وشك الانقطاع، لولا أن دعاها لتكتب معه الجزء الأخير من رواية «الجريمة والعقاب»، فوافقت «آنا» لأنه كما وصفته كان «جذاباً للغاية». وخلال العمل، دعاها ذات ليلة لتشاركه حبكة رواية جديدة تخيلية يود كتابتها، وأقنعها بأنه يحتاج إلى نصحها في فهم نفسية الأنثى.
وفي تلك الرواية المتخيلة، كان البطل رساماً كبيراً في السن يتقدم لخطبة فتاة صغيرة كان اسمها آنيا. وهنا، سألها دستويفسكي عما إذا كان من الممكن لفتاة صغيرة في السن مختلفة في الشخصية أن تقع في حب رسام، فأجابت «آنا» إن ذلك ممكن جداً، فقال لها مباشرة: «ضعي نفسكِ في مكانها للحظة. تخيلي أنني أنا الرسام، أنا أعترف وأطلب منك أن تكوني زوجتي، ماذا سيكون جوابك؟»، فأجابت آنا: «سأجيب بأني أحبك، وسأحبك للأبد!».

- الوجه الآخر
هكذا، نجحت اللعبة، وأصبحت عاملة الآلة الكاتبة زوجة لواحد من أعظم الروائيين في العالم! وطوال 14 عاماً، أبدى دائماً حباً جارفاً لها، وغيرة عليها، حتى أن عائلتها تعايشت مع التجربة على الرغم من فارق العمر بين الزوجين. وبفضل هذا الاستقرار العائلي، تراجعت نوبات الصرع التي كان يعاني منها، كما قل إدمانه الشديد للقمار.
وتحكي المؤلفة كيف كان دستويفسكي في أغلب الأحيان حزيناً، غير راضٍ عن رواياته، لأنه كان يكتب أجزاء كبيرة منها تحت وطأة الديون الثقيلة، وهموم تسديدها. تقول: «كان حين ينتهي من كتابة جزء من رواية ما، يرسله على الفور إلى دار النشر كي تبعث له بدورها مبلغاً من المال يسدد به بعض ديونه، ثم حين يشرع في كتابة الأجزاء الأخرى من الرواية يكتشف خطأ ما في تسلسل الأحداث، فتصيبه الكآبة لأنه لن يستطيع التعديل على الجزء الأول الذي قد صار مطبوعاً منشوراً في المجلات والصحف. لو قُدر للعظيم دستويفسكي أن تكون ظروفه المادية أفضل، لكانت أعماله أكثر جمالاً وروعة مما هي عليه!».
وتستمر المذكرات في رسم ملامح الوجه الآخر للأديب الأشهر، فتروي كيف ذات مرة خسر جميع أمواله في لعب «الروليت»، لذلك قررت أن تتولى إدارة جميع المسائل المالية، وإدارة أموره مع الناشرين، ونجحت بعدها في تحرير زوجها من ديونه، واستطاع في عام 1871 أن يتخلص فيودور دستويفسكي من إدمانه للقمار.
ولم تكن الأشهر الأولى من ذلك الزواج المتواضع الهادئ بالسلاسة المتوقعة، حيث صعوبة التأقلم مع شخص مصاب بالصرع. تقول جريجورفنا: «كان حبي عقلياً خالصاً مثالياً؛ كان على الأصح عبادة، انحناء أمام إنسان موهوب إلى أبعد حد، إنسان يمتلك الخصال النفسية الرفيعة، فكانت روحي تتملكها الشفقة نحو هذا الرجل الذي عانى كثيراً، ولم يعرف السعادة ولا السرور قط. لقد أحببته حقاً بحرارة، على أن كبريائي لم يكن يسمح لي أن أبقى معه لو تأكد لي أنه لم يعد يحبني».

- في مرآة معاصريه
وتفرد المذكرات مساحة كبيرة للحديث عن علاقة دستويفسكي بمعاصريه من الكتاب والصحافيين والعلماء والشخصيات العامة، تلك العلاقة التي شابها التعقيد تارة، والالتباس والتناقض تارة أخرى، مثل نكراسوف وتورجنييف وأوجاريف ومايكوف وستراخوف، فقد كان ينتقد نكراسوف على سبيل المثال، ولا يبدو شديد الحماس له على المستوى الإنساني، لكن حين مرض الأخير فزع بشدة، وكان يداوم على زيارته، وإذا وجده نائماً يطلب من عائلته ألا توقظه، وأن تكتفي بإبلاغه تحياته.
وفي واحد من خطاباته المبكرة 1867، كتب دستويفسكي إلى زوجته يقول: «عادة ما تشاهدينني عبوساً كئيباً نزقاً، ليس هذا سوى أمر ظاهري، ولعلي دائماً ما كنت أبدو على هذا النحو خائر العزم سيئ الحظ، أما باطني فشيء آخر، صدقيني!». إن هذا الشيء «الباطني الحقيقي» هو ما كانت آنا جريجورفنا تقدره وتحبه على نحو خاص في دستويفسكي، وهو ما أحست به منذ لقائهما الأول.
وترسم المذكرات صورة دستويفسكي في نهاية الستينات، في أسوأ أيام هزائمه وفقره وبؤسه، وإن لم يفقد أناقته أو شعوره بكرامته الشخصية. وكما تقول جريجورفنا «هذا هو الرجل صاحب الذوق الرفيع في تقدير الأشياء الجميلة يملأه الشعور بالمتعة إذا ما أتيحت له أدنى فرصة لإسعاد المقربين منه، على الرغم من أنه شخص اختصه القدر بحياة مفعمة بالتقلبات المأساوية، إنسان تأرجح أكثر من مرة على الهاوية، ومع ذلك راح يحتفي بالحياة على نحو أشد قوة، وها هو بصفته رب الأسرة المسؤول عن كثير من أقاربه يمرح في سعادة بكل خلجات قلبه مثل طفل حول شجرة عيد الميلاد يرقص الفالس بنكران للذات».
وتلقي المذكرات الضوء على علاقة دستويفسكي بالأطفال، حيث يكتب إلى أصدقائه متحدثاً عنهم، ويصفهم بأنهم «يضفون على الوجود طابعاً إنسانياً بكل ما في هذه الكلمة من معانٍ؛ هؤلاء تصبح الحياة دونهم بلا غاية».

- اعترافات عاشقة
وتضع جريجورفنا في مذكراتها ما يشبه الاعترافات، قائلة: «لا أتعهد أن تكون مذكراتي شيقة، ولكني أضمن صحتها وحيادها الكاملين، من حيث وصف مواقف بعض الشخصيات، فهذه المذكرات بنيت أساساً على مدونات مؤيدة بخطابات ومقالات من الصحف والمجالات. وأعترف صراحة أن مذكراتي تحتوي على أخطاء أدبية، كالإطالة في السرد والتباين في حجم الفصول والأسلوب القديم، ولكن يصعب على المرء وقد بلغ السبعين من العمر أن يتعلم أشياء جديدة، وإنما يغفر لي هذه الزلات إخلاصي ورغبتي القلبية في أن أقدم للقارئ فيودور دستويفسكي بكل ما له وما عليه، وأن أضع الصورة التي كان عليها في حياته الشخصية والعائلية».
وتضيف: «كنت أنا وزوجي نعد أنفسنا أناساً لهم مزاج مختلف تماماً، ولهم طابع آخر ورؤى أخرى، لكننا بقينا على سجيتنا دائماً، ولم يتدخل أحدنا في شؤون الآخر؛ كنا نشعر بحرية أرواحنا. كان فيودور يفكر كثيراً وحده في الأسئلة العميقة للنفس البشرية، وكان يقدر لي عدم تدخلي في حياته النفسية والعقلية، ولهذا كان كثيراً ما يقول لي: أنت المرأة الوحيدة التي فهمتني! وهذا ما كان يمثل أكثر الأشياء أهمية له، حيث كانت علاقته بي تمثل جداراً متيناً باستطاعته أن يستند إليه ويشعر بالدفء. وهذا ما يفسر، من وجهة نظري، هذه الثقة المدهشة التي كان زوجي الطيب يوليها لي ولكل تصرفاتي، على الرغم من أن كل ما فعلته لم يكن يتجاوز إطلاقاً حدود المألوف. إن هذه العلاقة من طرفيها أعطتنا إمكانية أن نواصل حياتنا الزوجية على مدى أربعة عشر عاماً في سعادة أرضية متاحة لمن أراد من الناس».
ويبدو بالفعل أنها كانت أهلاً لهذه الثقة في حياته ومماته أيضاً. فبعد وفاته، كانت «آنا» في الـ35 من عمرها، وقد كرست كل جهودها لحماية إرثه الأدبي وصيانته، حيث قامت بجمع مخطوطاته ورسائله ووثائقه وصوره، وأسست عام 1906 غرفة مخصصة لفيودور دستويفسكي في متحف الدولة التاريخي.



وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».