هالة البدري: المبدعة العربية تدفع ثمن مواقفها مقدماً

الروائية المصرية صاحبة «مطر على بغداد» تقول إن استمتاعها بالكتابة يكفيها

هالة البدري
هالة البدري
TT

هالة البدري: المبدعة العربية تدفع ثمن مواقفها مقدماً

هالة البدري
هالة البدري

تعلمت هالة البدري من خبرتها كبطلة سباحة سابقة سياسة النفس الطويل، وأن الحياة حزمة من الأشواط وتدريب على الوصول إلى شط الحقيقة. بهذه الروح أبحرت في عالم الرواية، واستطاعت أن تكون لها خصوصيتها، منذ روايتها الأولى «السباحة في قمقم». وعلى مدار نحو أربعين عاماً وحتى روايتها «نساء في بيتي».
هنا حوار معها حول عالمها الروائي وأهم المحطات الفارقة فيه، ورؤيتها لواقع الثقافة العربية.

> اشتغلتِ على عالم القرية المصرية وفضاء الطفولة في أعمالك الأولى، ثم اتسعت التجربة أكثر حين انشغلت بالمدينة بزحامها وضجيجها... كيف ترين هذه الثنائية؟
- ارتكزت روايتي الأولى «السباحة في قمقم» على الطفولة حين اخترت أن أكتب عن عالم فريق سباحة يعكس حالة المجتمع المصري أثناء أزمة 1967 وحتى حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، في محاولة للإجابة عن سؤال معنى البطولة بالمقارنة بين بطولة رياضية مصنوعة مهما بلغت من سمو، وبطولة حقيقية في الدفاع عن الوطن. كانت هذه هي الرواية العربية الأولى عن وسط رياضي. وكان هو الوسط الوحيد الذي أعرفه ويسهل التعريف به باعتباري بطلة سباحة سابقة، ثم كتبت عن الريف وأنا من مواليد القاهرة وكذلك أبي، لكن أصولي الريفية ساعدتني في فهم عالم القرية التي رمزت إلى مصر في روايتي «منتهى»، التي استقصت روح الثقافة والحضارة التي مر خلالها الإنسان المصري. وفي روايتي «مدن السور» لم تكن المدينة في عمومها حاضرة فحسب بل حضرت مدن العالم ذات الأسوار أيضاً. أعتقد أنها أهم رواياتي وأكثرها حداثة رغم أن «نساء في بيتي» حققت رواجاً أعلى.
> على ذكر روايتك «نساء في بيتي» تشكو الراوية من «القوى الرجعية» التي وجهت شراستها نحو المرأة... ماذا عن مستقبل حواء العربية عموماً في هذا السياق؟
- الرواية تقدم حالة عامة لواقع النساء المبدعات في كل أنحاء العالم وليس في المنطقة العربية وحدها. ورغم أني غير متعصبة للنساء لم أستطع تجاهل الردة التي حصلت مؤخراً لواقع النساء في عالمنا العربي بصعود التيارات السلفية التي أدخلت أنماطاً جديدة لم تكن موجودة بهذه الدرجة في مجتمعاتنا، منها الدعوة لعودة المرأة للبيت ومنعها من مواصلة التعليم طالما هي لا تحتاج إلى العمل، ومحاولات تغيير بعض مكاسب قوانين الأسرة وفرض الحجاب حتى على الطفلات الصغيرات واستخدام مفاهيم جديدة على المجتمع لفرض تغيرات جذرية تحط من مكانة المرأة. هذه حقائق لا يمكن لكاتب أن يتجاهلها في مجتمعه ونظرة واحدة إلى القانون الجديد للأسرة في مصر تجعلك ترين إلى أي حد نحن نتراجع عن كل ما كسبناه في العقد الماضي. ما زال القانون يمنع المرأة من الولاية عن نفسها ويحدد لها ولياً يتخذ القرارات الرئيسية في حياتها بدلاً منها. وهكذا نحن نطالب بالولاية وبمكتسبات حواء ولن تتوقف النساء ولا الرجال المستنيرون عن مواصلة الجهود لتحرير المجتمع من شراسة القوى الرجعية.
> تضم «نساء في بيتي» نماذج للإبداع النسائي في الأدب والفنون... من أقرب هذه النماذج إلى قلبك؟ ولماذا؟
- هن ثلاثة نماذج في واقع الأمر. عاشت «انجبورج باخمان» حياة حافلة بالأحداث وكتبت شعراً رائعاً، عرفتها كشاعرة والصدفة وحدها قادتني للتعرف عليها ككاتبة روائية، حين تقدمت الباحثة المصرية أميرة سعد بطلب دراسة مقارنة بين روايتي «امرأة ما» ورواية باخمان «مالينا»، شدني وجه الشبه بيننا في الكتابة والموقف من العالم.
أيضاً كنت أعرف الرسامة الرائعة «جورجيا أوكيف» مبكراً جداً بسبب التشابه الشديد بين أسلوبها وأسلوب الفنان التشكيلي عدلي رزق الله، وقد عشقت لوحاتها وصور زوجها المصور العالمي الفريد ستجلز لها وتفاصيل حياتها وموقفها من الدنيا. هناك أيضاً نموذج «قوت القلوب» قصة من أعجب القصص لم نسمع عنها مطلقاً إلا أنها واهبة أول جائزة لنجيب محفوظ من خلال صالونها الأدبي، ثم قدم المترجم دسوقي سعيد روايتها عن الألمانية وتعرفت عليها ودافعت عن حقها في ريادة الكتابة الروائية وحق صالونها الذي كان يحضره ثلاثمائة كاتب. ثم حين فكرت في كتابة الرواية أدخلتها لتحتل ركناً مهماً منها وقرأت الأعمال التي أتيحت لي عنها بلغات متعددة لأنه لا توجد أي معلومات عنها بالعربية على الإطلاق إلا النذر اليسير للغاية.
> تعرضت بطلة الرواية، التي يبدو أنها تشير إلى هالة البدري نفسها، لمشاكل عديدة على المستويين العائلي والاجتماعي بسبب عدم ارتدائها الحجاب. إلى أي حد تدفع المثقفة العربية ثمن خياراتها في مجتمع ذكوري؟
- الكاتبة وكل من تعمل بالعمل العام تعرف أن ثمناً باهظاً عليها أن تدفعه للحفاظ على موقفها من المجتمع وقضيتها وتوازنها النفسي والاجتماعي. هؤلاء النسوة يملكن صلابة داخلية وقوة حقيقية للتعبير عن آرائهن ومواقفهن، ولا تستطيع امرأة هشة القيام بدور مهم في العمل العام أو الإبداع لأنها ستنهار عند أول موقف صعب تواجهه. الثمن مدفوع مقدماً ومستمر الدفع مع كل طلة شمس لأن المرأة المبدعة مزعجة جداً للأشخاص المتزمتين وتذكرهم باستمرار أن النموذج الذي يقدمونه فاشل، وأنها نموذج مختلف يعكس المضاد لأفكارهم. وقد واجهت في عائلة أمي مشاكل كبرى للضغط من أجل ارتداء الحجاب واتهمني البعض بتحريض البنات رغم أني لم أوجه كلمة واحدة تطالب إحداهن بخلع الحجاب، لكن نجاحي كصحافية وكاتبة ونجاح دوري كزوجة وأم كان يزعجهم، فهم يعتبرونني غير ملتزمة، فكيف ينجح شخص غير ملتزم من وجهة نظرهم ونظر من يؤثرون عليهم، لكني لم أنظر ورائي أبداً ومشيت في طريقي الذي خططت له بإصرار بمساعدات قوية من أبي وزوجي.
> يشغل العراق موقعاً مركزياً في مجمل تجربتك فقد سبق وعملت مراسلة صحفية لمجلة «روز اليوسف» في بغداد، كما صدر لك أكثر من عمل عن بلاد الرافدين مثل «المرأة العراقية» و«مطر على بغداد»... كيف تستعيدين هذه التجربة الآن؟
- لم يغب العراق أبداً عن حياتي سواء بحضارته المتعاقبة أو بواقعه المعاصر تحت نيران الحرب ومحاولات التفكيك. ما يجري في دولة العراق جزء لا يتجزأ من الضغوط الدولية الاستعمارية التي تقع على المحيط العربي من أجل تدميره وتفتيت جيشه كأحد تجليات تغيير خريطة المنطقة العربية. وروايتي «مطر على بغداد» رغم أنها كتبت بهدف تذكيرنا بهذه الحضارة العظيمة فإنها قدمت تجربة صعود حزب البعث في مواجهة باقي الأحزاب العراقية وصراعات المنطقة وفسرت جذور ما يمر به العالم العربي الآن من خلال ما مر بالعراق والمنطقة الحرب على العراق حرب اجتثاث، حرب الأرض المحروقة وتدمير الإمكانات الكبيرة لهذا البلد حتى لا تتكون قوة كبيرة في المنطقة تواجه الأطماع الإقليمية لدى الآخرين.
> من أعمالك التي ترجمت إلى الإنجليزية «امرأة ما»، و«مطر على بغداد» فيما ترجمت روايتك «منتهى» إلى اليونانية كذلك، ترى لماذا تأخر إبداعنا في الوصول إلى الآخر؟
- بلغت ترجمات أعمال الكاتبة الراحلة نوال السعداوي أضعاف ترجمات نجيب محفوظ حتى حصوله على نوبل. ثم حدثت طفرة كبيرة واهتمام شديد وتركيز على أدبنا العربي بعد نوبل محفوظ، ولاحظت اهتماماً سياسياً بترجمة أدب الشباب خصوصاً جيل التسعينات الذي كتب سيراً ذاتية واهتم بالحياة اليومية، لكن الترجمة عمل شاق ويحتاج مهارة وتكاليف كبيرة خصوصاً من اللغات التي لم تخرج من اللاتينية. ونحن كعرب لا نقوم بدورنا المؤسسي في تقديم أدبنا للعالم وقد فشل مشروع الهيئة المصرية العامة للكتاب في هذا السياق رغم وجاهته، وأظن أنه لا بد من تدخل المركز القومي للترجمة لترجمة مختارات باستمرار إلى اللغات المختلفة بالتوازي مع الترجمة من الآداب العالمية بالعربية، ولأن الترجمة تحتاج إلى إعداد كوادر على أعلى درجة من العلم والمهارة والتدريب وأيضاً إنصافهم مادياً لتشجيع الشباب على دخول هذا المجال.
> لكن اللهاث وراء الترجمة جعل بعض الأدباء العرب يتعمدون مناقشة قضايا بعينها تجسد صورة «الشرق المتخلف» على أمل إثارة اهتمام الغرب... كيف ترين هذا الأمر؟
- التجارة موجودة في كل مكان وقد تأخرت كثيراً ترجمة أعمالي بسبب انصراف المترجمين حين يسألون عن قضايا معينة فأرفض تزييف الواقع وأقول لهم: لا يوجد ختان ولا نساء ضعيفات ولا بكاء على الظلم الواقع على المرأة ولا صورة ألف ليلة وليلة، ولا غيرها من الصورة الذهنية النمطية التي يسعى البعض لتثبتيها في الذهنية الغربية! كان هذا هو الأمر حتى صادفتني جهة تحترم الأدب العربي فوافقت على الترجمة ضمن مشروع دار نشر الجامعة الأميركية الذي اعتمد على استثمار جزء من عائد بيع كتب نجيب محفوظ لتقديم ترجمات للكتاب المصريين والعرب. بالإضافة إلى مشروع آخر للتعاون بين الهيئة المصرية للكتاب ودار يونانية فصدرت «منتهى» باليونانية، فضلاً عن عشرات القصص التي تطلبها صحف وجامعات وهيئات من مختلف أنحاء العالم والتي بلغت تسعة لغات حتى الآن.
> حصلتِ على جائزة الدولة للتفوق في مصر... كيف ترين واقع الجوائز في المشهد الثقافي العربي الآن؟ ولماذا تثير كل هذا الجدل؟
- الجوائز العربية مشكلة كبيرة، يجب أن تكون لكل جائزة معايير فنية موضوعية قائمة على النزاهة وليس على الوضع السياسي أو الاجتماعي للكاتب أو علاقته بثلة معينة. شاركت في تحكيم عدة جوائز وخضت معارك من أجل الحفاظ على المعايير الموضوعية ولكن في مصر ظاهرة تستحق الوقوف أمامها وتحتاج إلى حل فقد وجدت بمراجعة إحصاء جوائز الدولة المصرية أن النساء لا يحصلن على الجوائز التي تشترط ترشيح هيئات جامعية أو أدبية لأنهم لا يرشحونهن من الأساس، وبالتالي هي محرومة من المنافسة في نوعية هذه الجوائز، ما عدا التي التي تسمح شروطها بالتقدم إليها بنفسها، وأن نسبة حصول النساء على جوائز الدولة 10 في المائة فقط معظمها من النوع الثاني. كما أن المرأة المبدعة لا ترشح لتمثيل بلدها إلا فيما ندر.
> بعد أربعين عاماً في حقل الإبداع... هل تعتقدين أن تجربتك الأدبية نالت ما تستحق من تقدير؟ أم أنك تنظرين خلفك في غضب؟
- عملت بجهد كبير واستمتعت بفعل الكتابة بشدة وحمتني الكتابة من مواجهة عواصف الدنيا. وجدت التقدير من جهات كثيرة ومن دول عديدة ومن جمهور كبير. لا أنظر خلفي في غضب أبداً. ولا أنتظر التقدير من أحد سوى القارئ. كل ما آمله هو الانتهاء من مشاريع كتبي التي لم تكتمل قبل أن أرحل عن الدنيا، خصوصاً أنني في السنوات الأخيرة عملت في تجهيز مشروعات تحتاج إلى وقت طويل لتنفيذها بالتوازي معاً. باختصار سعيدة باستمتاعي بالكتابة وهذا يكفيني.



المطبخ المصري يستعيد تراثه بأكلات العصور القديمة

أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
TT

المطبخ المصري يستعيد تراثه بأكلات العصور القديمة

أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

يتميز المطبخ المصري بمكوناته وأكلاته ووصفاته التي تحمل أبعاداً تراثية بعضها يعود للعصور القديمة. وقد نظمت فعاليات وأنشطة حول الطعام المصري بما يمثله من خصوصية تثري الأبعاد السياحية، خصوصاً في مجال السياحة الثقافية بالتركيز على ثقافة الطعام.

وفي هذا الإطار نظمت جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية، الأحد، فعاليات مسابقة «المطبخ المصري تراث وهوية» بين طلاب كليات ومعاهد السياحة والفنادق في مختلف أنحاء مصر، بهدف الحفاظ على الموروث الغذائي المصري، والتعريف بالمطبخ المصري بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية والتراث والثقافة المصرية.

وقدم الطلاب مجموعة متنوعة من الأطباق المصرية المتميزة، التي عكست ثراء وتنوع المطبخ المصري، واختلاف البيئات والثقافات التي شكلت هويته على مر العصور.

و«تنوعت الأطباق المشاركة بين وصفات مستوحاة من التراث المصري القديم، وأطباق من المطبخ البدوي، إلى جانب عدد من أشهر الأكلات التي ارتبطت بالمائدة المصرية، ومن بينها (أم علي)، و(المندي)، و(الفتة المصرية)، و(المسقعة)، و(محشي الكرنب)، و(البامية باللحمة)، وغيرها من الأطباق التراثية»، وفق بيان لجمعية الحفاظ على السياحة الثقافية.

وضمت لجنة التحكيم نخبة من المتخصصين في مجال الطهي والضيافة، من بينهم الشيف حسام سليمان، رئيس مجلس إدارة جمعية الطهاة المصريين.

وحضر الفعاليات التي أقيمت في المعهد العالي للدراسات النوعية بميدان الحجاز، الدكتور خالد سعد، الخبير الأثري والمشرف على الطبق الفرعوني، وعدد من قيادات وأعضاء جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية، من بينهم محمد الحسانين، رئيس مجلس الإدارة، ومحمد المنتصر، الأمين العام.

جانب من تحكيم المسابقة حول الطعام المصري (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

وأكدت الجمعية أن «المسابقة تأتي في إطار رؤيتها للحفاظ على عناصر التراث المصري، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة، مع ربط الموروث الغذائي بصناعة السياحة، كون الطعام أحد المكونات المهمة للهوية الثقافية، وأحد عناصر التجربة السياحية».

واستهدفت المسابقة «منح طلاب السياحة والفنادق فرصة عملية للتعرف على قيمة الأكلات المصرية التراثية، وتشجيعهم على تطوير طرق تقديمها والحفاظ على وصفاتها وذاكرتها المرتبطة بالبيئات والمناطق المختلفة في مصر»، وفق البيان.

وتتضمن الفعاليات التي تمتد إلى يوم 24 سبتمبر (أيلول) الحالي جلسة حوارية تتناول أهمية التراث المصري والحفاظ عليه، ودور المطبخ المصري بصفته أحد عناصر التراث والهوية، وكيفية توظيف هذا التراث في دعم السياحة والثقافة المصرية.

المطبخ المصري يضم أكلات تراثية متنوعة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

ويأتي مشروع «المطبخ المصري تراث وهوية» ضمن جهود جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية لتوثيق الموروث الغذائي المصري والتعريف بأكلاته من مختلف مناطق مصر، وربط هذا التراث بصناعة السياحة والثقافة والهوية المصرية، بما يسهم في تقديم المطبخ المصري كأحد عناصر التجربة السياحية المصرية.

وتحرص مصر على تقديم أنماط متنوعة من السياحة، من بينها السياحة الثقافية والترفيهية والبيئية والعلاجية والرياضية وسياحة السفاري والمؤتمرات، وأطلقت وزارة السياحة والآثار برنامجاً ترويجياً في هذا الإطار بعنوان «مصر... تنوع لا يُضاهى».

وكان المتحف القومي للحضارة المصرية قد استضاف من قبل فعاليات حول الأكلات المصرية الشعبية والتراثية ضمن مبادرة «طبلية مصر»، وتقدمت مصر بملف لـ«اليونيسكو» لتسجيل الكشري المصري ضمن الأكلات المصرية الأصيلة، وبالفعل تم تسجيل «الكشري المصري» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي بـ«اليونيسكو» عام 2025.


خمسة أجيال من عائلة واحدة... وعيد ميلاد واحد

خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
TT

خمسة أجيال من عائلة واحدة... وعيد ميلاد واحد

خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)

في عائلة هارلو لا يقتصر الاحتفال بعيد الميلاد على مناسبة شخصية لكل فرد، بل يجتمع خمسة أجيال في اليوم نفسه من كل عام. فقد وُلد أفراد خمسة أجيال متتالية من العائلة في 14 سبتمبر (أيلول)، في مصادفة نادرة تحولت إلى رقم قياسي عالمي موثّق في موسوعة «غينيس».

وتضم السلسلة ويلبر، ثم ابنته آدي، وحفيدها فريد هارلو، وابنته إيما بيل، وصولاً إلى حفيده آرثر، الذي جاء إلى الدنيا في التاريخ نفسه، ليكمل سلسلة من خمسة أجيال تشترك في يوم الميلاد ذاته، وفقاً لشبكة «سي تي في» الكندية.

ويقول فريد إن العائلة لطالما عدّت هذا التزامن أمراً مميزاً، لكنها لم تتخيل أنه قد يتحول يوماً إلى رقم قياسي عالمي. ويضيف: «عندما تُرزق بأطفال، فإنهم هدية، وهذه هدية فريدة جداً. كنا دائماً نرى الأمر شيئاً رائعاً، لكنني لم أفكر يوماً في أنه قد يجعلنا أصحاب رقم قياسي. كنت أعتقد ببساطة أن كل شيء يحدث لسبب».

ولم تبدأ العائلة التفكير جدياً في توثيق الرقم إلا في الآونة الأخيرة. وتقول إيما إن أفراد الأسرة كانوا يمزحون دائماً بشأن الأمر، خصوصاً بعد أن أصبح لديهم أربعة أجيال يتشاركون اليوم نفسه.

وتوضح: «كنا نقول دائماً: لدينا أربعة أجيال، ولا بد أن يكون ذلك رقماً قياسياً عالمياً».

واكتشفت إيما لاحقاً أن أربع عائلات أخرى كانت تتقاسم رقماً قياسياً مماثلاً، مع أربعة أجيال مولودة في اليوم نفسه. لكن الفكرة لم تتحول إلى إجراءات رسمية إلا بعد وفاة جدتها آدي، حين اكتشفت إيما أنها حامل بطفلها الثاني، وأن موعد ولادته المتوقع يصادف 14 سبتمبر.

وتقول إيما إن جدتها كانت تكرر عليها منذ طفولتها أمنية طريفة: «يجب أن يكون لديك ولد في 14 سبتمبر»، مضيفة أنها كانت تسمع هذه العبارة منها كل عام.

وكانت إيما قد أنجبت طفلها الأول قبل موعده، لذلك، عندما حملت بطفلها الثاني، كانت تأمل أن يصل هذه المرة في الموعد المنتظر. وبالفعل، وُلد آرثر في 14 سبتمبر، ليصبح بذلك الحلقة الخامسة في السلسلة العائلية، ويمنح أسرته رقماً قياسياً جديداً.

ويقول فريد، في تعليق على وصول أصغر أفراد العائلة: «وها هو ذا، لقد أصبح صاحب رقم قياسي».

ورغم أن آدي تُوفيت قبل ولادة آرثر، فإن أفراد العائلة يتخيلون مدى سعادتها بهذا الإنجاز. وتقول إيما: «أعتقد أنها كانت ستشعر بالفخر والإعجاب، لأننا نجحنا بالفعل في تحقيق ذلك، وأن المولود كان ولداً في يوم 14».

ولا تتوقف المصادفة عند التاريخ، إذ يلفت أفراد العائلة إلى نمط آخر رافق الأجيال الخمسة؛ فالتسلسل جاء بالتناوب بين الذكور والإناث: ولد، ثم بنت، ثم ولد، ثم بنت، ثم ولد.

وتقول إيما: «بدأ الأمر مع ويلبر، ولذلك يأتي التسلسل: ولد ثم بنت ثم ولد ثم بنت ثم ولد».

ومع ذلك، لا تنوي العائلة تحويل هذا الرقم القياسي إلى تقليد يتعين على الأجيال المقبلة الحفاظ عليه. وفي الوقت الحالي، يكفي أفراد هارلو أن يجتمعوا كل عام للاحتفال بأعياد ميلادهم معاً، بعدما منحتهم مصادفة عائلية نادرة مناسبة إضافية للاحتفال.

ويختصر فريد الحكاية قائلاً: «إنه أمر مذهل حقاً».

أما إيما فتكتفي بوصف التجربة بكلمتين: «لقد كان الأمر ممتعاً».


نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
TT

نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

لم يكن جو ماكين يخطط لبناء مدينة، ولم يكن يتوقع أن تتحول هوايته التي بدأها في قبو منزله إلى عمل فني يستقطب زوار المتحف. كل ما أراده، على ما يبدو، كان أن يستعيد شيئاً من نيويورك التي تركها خلفه.

على مدى أكثر من 20 عاماً، أمضى سائق الشاحنة المولود في كوينز أوقات فراغه في بناء نيويورك مصغّرة من أخشاب البلسا وألواح الفوم. مبنى تلو آخر، وشارعاً بعد آخر، كبرت المدينة على طاولة العمل، حتى أصبحت تضم أكثر من 800 ألف مبنى ومنشأة، وتمتد على أكثر من 300 لوح كبير.

مجسم كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

وحين انتهى ماكين من مشروعه، أقنعته ابنته بتصويره ونشره على تطبيق «تيك توك». لم يتوقع الأب أن تحظى المقاطع بهذا الاهتمام، لكن أكثر من 10 ملايين شخص شاهدوها خلال أسبوع واحد، قبل أن يصل صدى المدينة الصغيرة إلى متحف مدينة نيويورك. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وهكذا خرجت نيويورك من قبو منزل ماكين إلى قاعة متحف، ضمن معرض «He Built This City»، الذي يستمر حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول).

يبلغ طول المجسّم نحو 15 متراً وعرضه نحو 9 أمتار، ويضم تفاصيل من الأحياء الخمسة للمدينة، إضافة إلى أجزاء من نيوجيرسي ولونغ آيلاند. ويمكن للزائر أن يجد فيه كل شيء تقريباً؛ من ناطحات السحاب في مانهاتن إلى المنازل المتواضعة في كوينز، ومن جسر بروكلين إلى تمثال الحرية واستاد يانكي.

زائر لمتحف مدينة نيويورك يتأمل مجسماً لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في نيويورك (أ.ب)

لكن ماكين لم يبنِ مدينة مثالية، بل بنى المدينة كما يتذكرها.

تعود الفكرة إلى طفولته، عندما شاهد خلال رحلة مدرسية «بانوراما مدينة نيويورك» في متحف كوينز، وهو مجسّم ضخم للمدينة أثار إعجابه. وبعد سنوات، وعندما انتقل مع زوجته وأطفاله من لونغ آيلاند إلى ألباني، بدأ هو ببناء نسخته الخاصة.

ويقول ماكين إنه ربما كان «يفتقد نيويورك، من دون أن يدرك ذلك تماماً».

بدأ من مركز روكفلر وبرج «30 روك»، ثم احتاج إلى نحو عشر سنوات لبناء وسط مانهاتن. وكان مبنى إمباير ستيت من أصعب الأجزاء، خصوصاً أنه لم يكن يملك أي خبرة في صناعة المجسّمات أو الهندسة. لكنه تعلّم مع الوقت، وأصبح بناء أحد المباني بالنسبة إليه أسرع بكثير مما كان عليه في البداية.

يظهر تمثال الحرية على مجسم كبير لمدينة نيويورك — صنعه جو ماكين — في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

حتى إن المشروع بدأ يزاحم بقية تفاصيل حياته. كان يحمل مواد البناء معه في رحلات العائلة، ويستغل فترات التوقف أثناء العمل لمواصلة البناء. وفي بعض الليالي، كان يجلس أمام المجسّم وهو يشعر بالتعب، ثم يبقى هناك ساعات إضافية، وأحياناً يغفو فوق طاولة العمل.

ولأنها نيويورك الخاصة به، لم يهتم ماكين دائماً بأن تكون مطابقة للمدينة الحالية. أبقى على مطعمه المفضل من طفولته رغم تغير المكان، واحتفظ بجسر كوشيوشكو القديم، كما أبقى برجي مركز التجارة العالمي قائمين إلى جانب المباني التي ظهرت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول).

ويقول: «احتفظت بالكثير من الأجزاء التي تمثل نيويورك بالنسبة إليّ... من أجلي أنا فقط».

وربما لهذا السبب يبحث زوار المعرض عن شيء أكثر من مجرد مبانٍ صغيرة. فكل واحد منهم يحاول العثور على نيويوركه الخاصة؛ منزل قديم، شارع يعرفه، مدرسة، جسر أو مكان ارتبط بذكرى.

أما ماكين فلا يبدو مستعداً للتوقف. بعد انتهاء المعرض، يأمل في أن تنتقل مدينته إلى أماكن أخرى، بينما يخطط هو لإضافة أكثر من 50 مبنى جديداً.

فالمدينة التي بناها بيديه لم تنتهِ بعد، وربما لا يريد لها أن تنتهي.