مائة عام من السرد... مائة عام من المفارقات العراقية المربكة

في 1921 نشر محمود أحمد السيد روايته الأولى بالتزامن مع ولادة الدولة الحديثة

محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»
محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»
TT

مائة عام من السرد... مائة عام من المفارقات العراقية المربكة

محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»
محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»

غالباً ما كانت المفارقات صانعة للحكايات الكبرى في عراق اليوم، كما في عراق يخرج للتو من ظلمة القرن التاسع عشر. مفارقة البداية/ الولادة عام 1903 بماذا تختلف، مثلاً، عن عام البدايات عام 2003... ثمة قرن كامل، مائة عام بالتمام والكمال، تفصل بين زمنين لعراق لم ينجح سوى بصنع المصائر التعيسة له ولأبنائه. محمود أحمد السيد، رائد القصة العراقية، الذي ولد يوم 14/ 3/ 1903، مثلما يذكر أغلب مؤرخي أدب السيد وكاتبي سيرته، ومنهم جامعا قصصه علي جواد الطاهر وعبد الإله أحمد، كان على موعد متفرد مع المفارقات العراقية؛ فقد ولد لأب هو إمام جامع عبد القادر الكيلاني، ومدرس في جامع الحيدرخانة بشارع الرشيد، فكانت هذه جوهر المفارقة العراقية الأولى، أن سمح الأب - إمام الجامع الشهير لابنه أن يُفيد من إحدى غرف الجامع ويستقبل أصدقائه، ومنهم الشخصية العراقية الشهيرة حسين الرحال وعوني بكر صدقي، فكان ذلك التجمع أولى حلقات الماركسيين العراقيين. ومن تلك الغرفة، في ذلك الجامع الشهير بدأت حكاية جريدة «الصحيفة» (صدر عددها الأول في 18/ 11/ 1924)، فكانت أول معارضة حقيقية، كما يكتب كثيرون، لدولة عراقية تتشكَّل للتو. فهل كانت تلك المفارقة هي البداية؟
واقع الحال، إن سيرة السيد هي ذاتها سيرة المفارقات العراقية المربكة؛ فإذا كان قد ولد في بيت دين، وتلقى تعليماً متصلاً بمكتبة والده إمام الجامع ثم دراسته في المدارس العثمانية آنذاك، فإنه كان على موعد مفارق مع الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917 ومشهد بغداد بصفتها ملعباً للجيوش المحتلة، فكانت رحلة السيد إلى الهند هرباً من مشهد مدينته المستباحة وطلباً لحياة بديلة، ولم يكن قد أدرك العشرين بعد. ولكن لماذا الهند تحديداً؟ ثمة من يتحدث عن رغبته بالسفر إلى الحجاز، وليست لدينا تفصيلات مفيدة عن تلك الرحلة، وأغلب الظن أن السيد ربما كان يحاكي رحلة مماثلة قام بها سليمان فيضي، فكانت نتيجتها كتابه «التحفة الإيقاظية في الرحلة الحجازية/ 1919»، وهي مما عُرف عندنا اختصاراً بـ«الرواية الإيقاظية». ذهب السيد إلى الهند، إلى درة التاج البريطاني، مخالفاً منطق الرحلات العربية نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وهو ما فعله الشوام والمصريون عندما قصدوا أوروبا أو أميركا الشمالية.

سيرة اسم

لا أحد يشبه محمود أحمد السيد سوى قصصه ورواياته ومقالاته. بهذه الخلاصة المركزة تختم فاطمة المحسن سيرتها المقترحة لحياة رائد القصة والرواية في العراق. ولكننا نعثر في هذا المقام على ثلاث سير تتداخل وتتقاطع فيما بينها: سيرة الكاتب محمود أحمد السيد، وسيرة بطل قصته المطوَّلة «جلال خالد»، وهناك سيرة صديقه حسين الرحّال. بعض مؤرخي أدب السيد لا يترددون عن الخلط بينهما، حتى كأننا إزاء سيرة واحدة. ولا بأس، لكن ماذا بشأن اسم محمود أحمد السيد نفسه؟ تقول أغلفة كتبه إنه قد بدأ النشر باسم «محمود آل المدرِّس/ في سبيل الزواج: 1921»، ثم صار ينشر باسم «السيد محمود أحمد البغدادي/ مصير الضعفاء: 1922». واستخدم الاسم ذاته في مجموعته «النكبات: 1922». ثمَّ رحَّل كلمة «السيد» إلى خاتم اسمه، فصار ينشر باسم «محمود أحمد السيد» كما في كتابه المشترك مع صديقه عوني بكر صدقي «السهام المتقابلة: 1922». ثمَّ نجده يرفع كلمة السيد من اسمه، وينشر باسم «محمود أحمد»، وهو شأن اسمه على غلاف كتابيه/ كراستيه «هياكل الجهل» و«القلم المكسور». ثمَّ نجده يستعيد لقب «السيد»، فينشر قصته المطوَّلة «جلال خالد: 1927» باسم «محمود أحمد السيد المدرِّس». ثمَّ يعود إلى اختصار اسمه فينشر مجموعته «الطلائع صور وأحاديث: 1929» باسم «محمود أحمد». ثم يعمد إلى صيغة جديدة فينشر مجموعته القصصية «في ساع من الزمن: 1935» باسم «محمود أ. السيد»، وبعدها استقر اسمه المعروف «محمود أحمد السيد» حسب صيغته الأخيرة لدى نقاده وكتاب سيرته، وفي الحقيقة، إن اضطراب اسم «السيد» يقدِّم صياغة مبكرة لعرف عراقي، ربما لا نجد مثيلاً له في البلاد العربية المجاورة، أن يستخدم الكاتب اسماً ثم يعدل عنه. لكنها تختصر لنا، في حالة السيد، جوانب رئيسية من كفاحه لأجل كتابة «قصة عراقية موجزة». كما أنها تعيد صياغة الجدل النقدي عن مرحلتي الكتابة والنشر عنده، فتحول عبر اسمه من كتابة الروايات الغرامية إلى كتابة القصص العراقية، وكأن السيد، في مرحلته الثانية قد استقر على اسمه المعروف والمتداول عندنا في كتب الأدب والدراسات المتصلة بأدبه، وهو استقرار يوازي تحوله للكتابة العارفة، إلى حد ما، بأسرار القصة بوصفتها جنساً أدبياً له أصوله وتقنياته.

مأثرة القص

اختار السيد القصة جنساً «أدبياً» في الكتابة، فكان خياره مغامرة كبرى في سياق أدب عربي لم يعرف، من قبل، هذا النوع من الأدب، لا سيّما ما يتصل بأصوله وتقنياته الأوروبية المعروفة، وازدادت المغامرة خطورة لأنها تحصل في بلاد مثل العراق تعلَّق تاريخه الأدبي وارتبط بالشعر. وفي هذا السياق، نقف عند نقطتين مهمتين. تتصل الأولى بالتحول بالكتابة العربية النثرية من صيغة «المقامات» ذات الصياغات العربية المتكلِّفة إلى صيغة القص النثري ذي الاستخدامات والصياغات العربية النثرية الجديدة. نعثر على هذا التحول الذي أسهم السيد في ترسيخه في كل ما كتب ونشر. والثانية، وهي الأهم عندنا، وتتعلَّق بنجاح السيد في اختيار لحظة القص الأثيرة، وهي كل ما يتصل بقصة الضعيف الخاسر؛ إذ إن لا قصة سوى قصة الخاسر. نعم، إنها سرديات الأعزل كما كتبها صاحب «الشيخ والبحر»، وهي ذاتها قصة دون كيشوت في صراعه الخاسر مع طواحين الهواء. وفي تصورنا أن «الخسران» هو منطق السرد الأول، هو جوهر كل قصة ورواية وناجحة. وفي هذا السياق فقد بالغ نقاد السيد ودارسو أدبه في التعويل على نزعة التشاؤم والتدين في أدب السيد؛ ظناً منهم أنها تفسر لهم المصائر التعيسة لأبطاله، ولم ينتبهوا إلى أن منطق الخاسر هو منطق القصة الأهم. وما كان لأحدهم أن يسأل نفسه: لنتخيل أن الرابح يكتب قصته؛ فما الداعي؛ إذن، لكتابة القصة؟!

خسارة السيد المبكرة

لم يخطئ أبداً من جعل السيد رائداً للقصة، ليس في العراق وحده، إنما هو أحد رواد القصة في العالم العربي برمته، وهو مساهم أساسي في تطويرها لأجل كتابة قصة عربية بمواصفات فنية ممتازة؛ فقد بدأ كتابة القصة والنشر في وقت مقارب مع بداية الكاتب المصري الشهير محمود تيمور «1894 - 1973م». وفي قصته المطوَّلة ثم في مجموعته القصصية الأخيرة «في ساع من الزمن» تتجلى مساهمة السيد وريادته المختلفة، ومن ثم، نضجه في كتابة القصة. لنأخذ قصته «جلال خالد» ونجد في مقدمتها قضيتين مهمتين: الأولى تخص استخداماً مبكراً جداً في تاريخ القصة والرواية لنظام المخطوطة؛ فالسيد يتحدث عن مذكرات «جلال خالد» التي سلّمها للسيد، وطلب السيد منه أن يثبت بعض رسائله في الجزء الثاني من القصة. وهذه هي الصيغة المتكرِّرة للمخطوطة في الرواية العراقية والعربية. ومن المؤسف أننا لا نجد، بحدود ما قرأنا، من يشير إلى هذه القضية الرئيسية المتصلة باستخدام المخطوطة في كتابة قصة جلال خالد. ثمة من يشير إلى محاولات مماثلة للإيهام بالواقع، وعندنا أن السيد قصد الأمر قصداً؛ بدليل ذكره للتماثل بين سيرته وسيرة جلال خالد. القضية الثانية تخص وعي السيد نفسه، وهو يكتب أنه بصدد كتابة قصة موجزة «نوفل»، ولقد وعد قراءه بأن يعود فيكتب «قصة مطوَّلة وافية»، وهي عنده «رومان». هذا التمييز يعيدنا إلى صياغات السيد لعناوين رواياته الغرامية ومجاميع قصصه. فقد كانت «في سبيل الزواج» هندية خالصة، ولم يكتب السيد على غلافها عنواناً فرعياً كما سنجده يفعل في كتبه اللاحقة. وسنجده في عنوان روايته الغرامية الثانية «مصير الضعفاء» ما يشير إلى أنه قد عثر على قصته العراقية، فيكتب عنواناً فرعياً: «رواية غرامية اجتماعية عراقية». ولا نجد في مجموعته القصصية الأولى سوى العنوان الرئيسي: «النكبات». ثم يعود السيد لكتابة القصة بعد توقف سنوات فينشر قصته المطوَّلة «جلال خالد» ويضع لها عنواناً فرعياً: «قصة عراقية موجزة». ويرسخ هذا التوجه بعنوان مجموعته «الطلائع: صور وأحاديث»، فيضع لها عنواناً فرعياً: «عراقية وغيرها»، ويسبق هذا العنوان بكلمة دالة هي «موجزة». وفي مجموعته الأخيرة «في ساع من الزمن» يكتب عنواناً فرعياً: «صور عراقية». وفي استقرار السيد على توصيف كتاباته القصصية بـ«عراقية» إشارات مفيدة عن معنى كتابة قصة عراقية. ولا نستطيع القول إن السيد كان متأثراً بالعنوان الشهير لرواية «زينب: مناظر وأخلاق ريفية» للكاتب المصري المؤسس محمد حسين هيكل؛ إذ لا دليل يُفيد بأن السيد قد قرأ رواية هيكل.
وبعد... فأي خسارة كبرى حلت بالقصة العراقية الناشئة، وقتذاك، برحيل السيد المبكر، إذ «تُوفي عن أربعة وثلاثين عاماً، في القاهرة صباح العاشر من يناير (كانون الأول) 1937»؛ وكانت القصة عنده قد بدأت آنذاك تتلمس طريقها نحو الكتابة الناضجة! نلمس هذا البداية المبكرة في قصص مجموعته الأخيرة «في ساع من الزمن»، حيث يعثر القارئ على الاستخدامات الناضجة والمفيدة لتقنيات القص.
إن الاحتفاء بالرائد محمود أحمد السيد، لا سيّما هذا العام، يكتسب بعداً «وطنياً» مهماً للعراق والمنطقة برمتها؛ ففي عام 1921 نشر السيد روايته الغرامية الأولى «في سبيل الزواج»، وكان العراق وقتها يشهد ولادة دولته الحديثة، ويا للمفارقة؛ فقد تأسست الدولة العراقية في مارس (آذار) عام 1921، وفي أول مارس كما كتب السيد نفسه في خاتمة إهدائه ظهرت روايته، أو في الأقل إنه تاريخ الانتهاء منها. وها نحن، بعد مائة عام، بلد بلا دولة، وهذه مفارقة لم يشهدها السيد، نحن شهودها الأحياء. ولا تنتهي المفارقات في بلاد المصائر التعيسة؛ ففي يوم 14/ 3/ 2006، بعد أقل من ثلاث سنوات على احتلال البلاد مجدداً يرحل أحد خلفاء السيد، إنه القاص والروائي المجيد مهدي عيسى الصقر. وما بين الولادة والوفاة أرشيف لا ينتهي من الخسارات.
* ناقد وأكاديمي من العراق



«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس «ناسا»، اليوم الثلاثاء، أن وكالة الفضاء الأميركية ستستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية المعروفة باسم «غايتواي».

وقال جاريد إيزاكمان في بيان أدلى به خلال فعالية استمرت ليوم كامل في مقر وكالة «ناسا» بواشنطن: «تعتزم الوكالة إيقاف مشروع (غايتواي) بشكله الحالي، والتركيز بدلاً من ذلك على البنية التحتية التي تُمكّن من استدامة العمليات على سطح القمر».

وأضاف: «على الرغم من التحديات التي تعترض عمل بعض المعدات الحالية، ستعيد الوكالة توظيف المعدات المناسبة وستستفيد من التزامات الشركاء الدوليين لدعم هذه الأهداف».

وكانت وكالة الفضاء الأوروبية، إلى جانب منظمات دولية أخرى، من بين الشركاء في مشروع «غايتواي».

يأتي هذا التغيير الأخير لخطط «ناسا» بعد تعديلات طرأت على برنامج «أرتيميس» الذي يهدف إلى إعادة رواد فضاء أميركيين إلى القمر، والتأسيس لوجود طويل الأمد هناك، تمهيداً لبعثات مستقبلية إلى المريخ.

وكان من المُفترض أن تكون محطة «غايتواي» المدارية القمرية بمثابة نقطة عبور لرواد الفضاء المتجهين إلى القمر، ومنصة للأبحاث.

لم يكن تعليق المبادرة مفاجئاً، إذ انتقدها البعض باعتبارها تهديداً للموارد أو تشتيتاً للانتباه عن طموحات أخرى متعلقة بالمهام إلى القمر.

وقال إيزاكمان إن «ناسا» تخطط حالياً لإنفاق 20 مليار دولار على مدى السنوات السبع المقبلة لبناء القاعدة القمرية عبر عشرات المهمات، «بالتعاون مع شركاء تجاريين ودوليين لوضع خطة مدروسة وقابلة للتنفيذ».

وأضاف: «سيكون هناك مسار تدريجي لبناء أول قاعدة دائمة للبشرية خارج كوكب الأرض، وسنأخذ العالم معنا في هذه الرحلة».

«أرتيميس 2»

أعلن إيزاكمان الذي تولى قيادة «ناسا» أواخر العام الماضي، على نحو مفاجئ قبل أقل من شهر، إعادة هيكلة برنامج «أرتيميس» الذي شهد تأجيلات متكررة في السنوات الأخيرة، وذلك بهدف ضمان عودة الأميركيين إلى سطح القمر بحلول عام 2028.

وأوضح إيزاكمان أن هذا الهدف لا يزال قائماً، لكن وكالة الفضاء الأميركية تُجري تعديلات على برنامج رحلاتها ليشمل مهمة تجريبية قبل الهبوط النهائي على سطح القمر، وذلك لتحسين «الخبرة العملية» في عمليات الإطلاق.

جاء هذا التعديل الاستراتيجي بعد تأجيلات متكررة لمهمة «أرتيميس 2» التي كان من المقرر إطلاقها في فبراير (شباط)، ولكنها باتت مرتقبة حالياً في أبريل (نيسان). وتهدف المهمة إلى تحقيق أول تحليق قريب من القمر منذ أكثر من نصف قرن.

خلال ولايته الأولى، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبته في أن تطأ أقدام الأميركيين سطح القمر مجدداً.

وتواصل الصين المضي قدماً في خططها لأول مهمة مأهولة إلى القمر بحلول عام 2030 على أقصى تقدير.

ويعتمد الجهد الأميركي جزئياً على تقدم شركاء «ناسا» من القطاع الخاص.

وقد تعاقدت «ناسا» مع شركتي الفضاء «سبايس إكس» و«بلو أوريجين»، التابعتين للمليارديرين إيلون ماسك وجيف بيزوس، لتطوير مركبات الهبوط القمرية المستخدمة في برنامج «أرتيميس».


القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر، وأكدت الوزارة في بيان، الثلاثاء، أن المقال المنسوب للمدعو فؤاد الهاشم، الصحافي الكويتي، تضمن إساءات إلى مصر وشعبها والقيم الأخلاقية العربية، إضافة إلى ادعاءات تسيء إلى الجوانب الصحية والسياحية في مصر.

وعدّ البيان «وقوع هذا الشخص في مستنقع البذاءات التي استخدمها تجاه مصر وشعبها أمراً مرفوضاً، وانحطاطاً أخلاقياً قبل أن يكون سقوطاً مهنياً وإعلامياً، وهو تصرف لا يمكن التسامح معه أو الصمت إزاءه».

ووجهت الوزارة التحية للأصوات الكويتية ومن سائر دول الخليج العربية من إعلاميين ومثقفين ومسؤولين ومواطنين شرفاء، سارعوا لإدانة ما اقترفه ذلك الشخص تجاه مصر وشعبها، وعبروا عن المشاعر الوطنية والقومية الطبيعية والمتجذرة لدى الشعبين في مصر والكويت، وما تضمنته مقالاتهم وآراؤهم بما يربط البلدين الشقيقين عبر التاريخ القديم والحديث من روابط اجتماعية وسياسية وثقافية.

وأهاب البيان بالإعلاميين والمواطنين المصريين عدم الوقوع في فخ الخلط بين انحراف هذا الشخص عن كل القيم والأعراف والأخلاقيات، وبين الشعب الكويتي الشقيق المحب لمصر بقيادته ومواطنيه ونخبه الثقافية والإعلامية، والحريص دائماً على العلاقات الطيبة مع مصر وقيادتها وشعبها، وعدم الانسياق وراء الفتنة التي أرادها هذا الشخص المسيء فى هذا التوقيت تحديداً للوقيعة بين الشعبين، فكاتب المقال لا يمثل في نظرنا إلا نفسه، ونربأ بإعلام وشعب الكويت أن يكون معبّراً عنهم».

وقال السفير عزت سعد، المدير التنفيذي للمجلس المصر للشؤون الخارجية، إن «العلاقة بين مصر والكويت لن يؤثر فيها سلباً مثل هذه المقالات، لكن من المناسب الرد وتوضيح علاقتنا بالكويت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكويتي يقدرون دور مصر في بناء الكويت الحديثة ودورها في تحرير الكويت بداية التسعينات، ومن ثم يجب عدم الالتفات لمثل هذا الرجل الذي كتب كلاماً لا يستحق القراءة فضلاً عن الرد عليه».

ولفت سعد إلى أن إصدار بيان والتحرك قانوناً في مثل هذه المواقف أمر يعود لتقديرات وزارة الدولة للإعلام، مضيفاً: «في مناسبات سابقة كان هناك دائماً ذوو نفوس ضعيفة يكتبون مثل هذه الكلمات غير المسؤولة والتي تحتاج إلى دليل ملموس يدعمها، وهي صغائر لا تستحق الاهتمام».

وأعلنت الوزارة عن إجراءات تم اتخاذها تجاه الموضوع بالتنسيق بين وزارتي الخارجية في مصر والكويت، وإحالة الموضوع برمته إلى النائب العام في الكويت الشقيقة لاتخاذ ما يلزم قانوناً إزاءه، كما قام وزير الدولة للإعلام بمصر بالاتصال هاتفياً بوزير الإعلام بدولة الكويت، للتعبير عن الرفض التام لهذا المقال الذي نُشر في إصدار إعلامي كويتي، وهو تصرف غير مقبول، ويسيء للعلاقات الوطيدة بين البلدين، معرباً عن ثقته بأن الجانب الكويتي لن يتهاون إزاء هذا السلوك.

ويرى العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، الدكتور حسن عماد مكاوي، أن «المقال المسيء صدر عن شخص ليس له حيثية، وليس له ثقل في المجتمع الكويتي، فهو شخص بلا جنسية (بدون)، وهو كاتب صحافي غير معروف ومحدود القيمة، ولا يستحق الرد على ما قاله من تفاهات وعبث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «العلاقات بين مصر والكويت أكبر من هذا الأمر، ومثل هذه الكتابات سواء صدرت عن شخص كويتي أو شخص مصري يجب ألا يُعتد بها؛ لأنها لا يمكن أن تؤثر في علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية عبر عشرات السنين الماضية».

وفي الوقت نفسه، جدد وزير الدولة للإعلام خلال الاتصال الهاتفي التأكيد على دعم مصر حكومة وشعباً لدولة الكويت الشقيقة في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات إيرانية غير مبررة. وأكد البيان أنه يتم التنسيق حالياً بين وزارتي الخارجية فى مصر والكويت بشأن ما يمكن اتخاذه من إجراءات قضائية وفق القوانين الكويتية تجاه الشخص المذكور.

وجددت الوزارة عزمها وكل الجهات المصرية المختصة، على إخضاع أي تجاوزات تضر بالمصالح الوطنية، وتسيء للعلاقات مع الدول العربية الشقيقة، للقوانين واللوائح المصرية، وهو الأمر الذي تناشد الجهات المعنية في الدول العربية الشقيقة، القيام به تجاه المتجاوزين في حق مصر وشعبها والساعين إلى الإضرار بعلاقات دولهم الشقيقة معها، وذلك وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها.

ووصفت المتخصصة في الإعلام والدعاية بجامعة القاهرة، الدكتورة سارة فوزي، البيان الصادر عن وزارة الدولة للإعلام في مصر بأنه «متوازن جداً»، وثمنت خطوات الوزارة في سرعة الرد على كل ما يتم نشره دولياً ومحلياً وما يتم تداوله من شائعات.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أهم ما يميز البيان التفرقة بين الآراء الفردية، والروابط القوية بين الكويت ومصر وغيرها من دول الخليج خصوصاً في وقت الأزمات والحروب».

ولفتت إلى أن «التحرك القضائي وتصعيد الأمر ضد أي شخص يتجاوز أمر مهم جداً، حتى لا نرى كتّاباً آخرين يحاولون التطاول على مصر»، وأكدت أنه «إلى جانب قوة مصر الناعمة يجب أن يعرف المتجاوزون أن مصر يمكنها أن تضرب بيد من حديد على المسيئين والمتجاوزين حتى لا يتكرر الأمر».

وأشارت سارة إلى حوادث عالمية كثيرة تم التحرك فيها قضائياً من قبل الدول ضد مقالات نشرت في دول أخرى تنال من هيبة الدولة المتضررة، وتسيء لها أو لأحد رموزها أو تطلق اتهامات جزافية ضدها.

وكان المقال المنشور في إحدى الصحف الكويتية قد أثار ضجة كبيرة في مصر، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت ابنة كاتب المقال وهي المخرجة السينمائية فرح الهاشم بياناً ورسالة موجهة للرئيس المصري على صفحتها بموقع «فيسبوك» تنفي فيه علاقتها بما يصدر عن هذا الشخص الذي وصفته بأنه «والدها البيولوجي»، وقالت في منشورها إن علاقتها به منقطعة منذ أعوام طويلة، وأنها تختلف تماماً مع آرائه، مؤكدة محبتها وتقديرها لمصر وشعبها.


مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان، بجانب تطور النسق المعماري عبر عصور مختلفة.

وأعلنت البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين «المجلس الأعلى للآثار» و«كلية الآثار بجامعة القاهرة»، الثلاثاء، عن اكتشاف بقايا مبنى دير أثري يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي، بمنطقة الأديرة المطمورة بوادي النطرون بمحافظة البحيرة، والتي تُعد من أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والأثار المصرية، «يمثل هذا الكشف مرحلة هامة في تطور الحياة الرهبانية المبكرة، حيث يلقي الضوء على التخطيط المعماري للأديرة الأولى في هذه المنطقة ذات القيمة الدينية والتاريخية الكبيرة».

وتبلغ مساحة المبنى المكتشف نحو 2000 متر مربع، وهو مشيَّد من الطوب اللبن، حيث يصل سُمك الجدران الخارجية إلى متر كامل، بينما يتراوح سُمك الجدران الداخلية ما بين 60 و70 سم، ويتراوح ارتفاعها بين 1.80 و2.20 متر.

ويضم المبنى فناءً مركزياً مكشوفاً يتوسط التخطيط العام، تحيط به مجموعة من الوحدات المعمارية التي تشمل أفنية فرعية تفتح عليها قلالي (حجرات الرهبان) بأشكال ومساحات متنوعة، ما بين المربع والمستطيل. كما تم الكشف عن مجموعة من الملحقات الخدمية في الجزء الغربي من المبنى، تضم مطابخ متكاملة وأفراناً وأماكن لتخزين المؤن.

المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور فنون العمارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي أن الاكتشاف يمثل «إضافة نوعية لفهمنا لبدايات الرهبنة في مصر، والتي انطلقت من أرض مصر لتنتشر في مختلف أنحاء العالم»، وأضاف في إفادة رسمية أن «وادي النطرون يُعد أحد أهم المراكز الروحية والتاريخية في مصر، وهذا الاكتشاف يعزز من مكانته على خريطة السياحة الدينية والثقافية الدولية».

وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف عدد من أماكن الدفن داخل المبنى، تحتوي على بقايا عظام بشرية يُرجح أنها تعود لرهبان الدير، في دلالة على الطابع الجنائزي المرتبط بالحياة الرهبانية في تلك الفترة.

ويرى أستاذ الآثار بجامعة القاهرة الدكتور جمال عبد الرحيم أن «الاكتشاف يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات العلمية حول حياة الرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الآثار المكتشفة ستسهم في تسليط الضوء على الحياة الاجتماعية واليومية للرهبان، بشكل مغاير وأكثر عمقاً مما ورد في كتب التاريخ، حيث تقدم الحفريات تفاصيل مختلفة عن الروايات التاريخية»، مؤكداً أن «الدير المكتشف يبرز تطوراً كبيراً في العناصر المعمارية الخاصة بالأديرة».

يحتوي على عناصر معمارية فريدة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتضمن الكشف الأثري الجديد تفاصيل معمارية وفنية عدة، حيث تم العثور على عدد من النقوش بالخط القبطي، تتضمن أسماء رهبان أقاموا بالدير، إلى جانب كتابات دينية تتضرع بالرحمة والمغفرة، وهو ما عدته البعثة «يسهم في تأريخ المبنى، وتوثيق الحياة اليومية للرهبان».

ورأى أستاذ الاجتماع بالكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، الدكتور نصيف فهمي أن «اكتشاف الدير الجديد يفتح مجالاً واسعاً لدراسة الحياة الاجتماعية للرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحياة الاجتماعية للرهبان بها تفاصيل غير معروفة للكثيرين، وتوفر الاكتشافات الأثرية معلومات جديدة».

وبحسب وزارة السياحة، أظهرت الدراسات المعمارية استخدام أنظمة تسقيف متنوعة، بمبنى الدير المكتشف، منها الأقبية والقباب المبنية من الطوب اللبن، كما كُسيت الجدران بطبقة من الملاط الأبيض، وزُينت برسومات جدارية تضم عدداً من الصلبان وأشجار النخيل وزخارف نباتية وهندسية متنوعة.

المبنى يعود إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة الدكتور محسن صالح أن «البعثة وضعت خطة متكاملة لتوثيق المبنى المكتشف وصيانته وفقاً لأحدث المعايير العلمية، مع مراعاة طبيعة مواد البناء الطينية وتحقيق مبادئ الاستدامة». بينما أكد رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة السياحة الدكتور ضياء زهران، أن المبنى يعد «نموذجاً متكاملاً لمباني الرهبنة المبكرة، حيث يحتفظ بمعظم عناصره المعمارية»، بينما أوضح رئيس البعثة الأثرية الدكتور ياسر إسماعيل عبد السلام، أن هذا الكشف «يمثل دليلاً مادياً هاماً يؤكد الروايات التاريخية حول نشأة الرهبنة في وادي النطرون»، مشيراً إلى أن «المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور العمارة الرهبانية بين القلالي الفردية والأديرة الكبيرة».