مائة عام من السرد... مائة عام من المفارقات العراقية المربكة

في 1921 نشر محمود أحمد السيد روايته الأولى بالتزامن مع ولادة الدولة الحديثة

محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»
محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»
TT

مائة عام من السرد... مائة عام من المفارقات العراقية المربكة

محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»
محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»

غالباً ما كانت المفارقات صانعة للحكايات الكبرى في عراق اليوم، كما في عراق يخرج للتو من ظلمة القرن التاسع عشر. مفارقة البداية/ الولادة عام 1903 بماذا تختلف، مثلاً، عن عام البدايات عام 2003... ثمة قرن كامل، مائة عام بالتمام والكمال، تفصل بين زمنين لعراق لم ينجح سوى بصنع المصائر التعيسة له ولأبنائه. محمود أحمد السيد، رائد القصة العراقية، الذي ولد يوم 14/ 3/ 1903، مثلما يذكر أغلب مؤرخي أدب السيد وكاتبي سيرته، ومنهم جامعا قصصه علي جواد الطاهر وعبد الإله أحمد، كان على موعد متفرد مع المفارقات العراقية؛ فقد ولد لأب هو إمام جامع عبد القادر الكيلاني، ومدرس في جامع الحيدرخانة بشارع الرشيد، فكانت هذه جوهر المفارقة العراقية الأولى، أن سمح الأب - إمام الجامع الشهير لابنه أن يُفيد من إحدى غرف الجامع ويستقبل أصدقائه، ومنهم الشخصية العراقية الشهيرة حسين الرحال وعوني بكر صدقي، فكان ذلك التجمع أولى حلقات الماركسيين العراقيين. ومن تلك الغرفة، في ذلك الجامع الشهير بدأت حكاية جريدة «الصحيفة» (صدر عددها الأول في 18/ 11/ 1924)، فكانت أول معارضة حقيقية، كما يكتب كثيرون، لدولة عراقية تتشكَّل للتو. فهل كانت تلك المفارقة هي البداية؟
واقع الحال، إن سيرة السيد هي ذاتها سيرة المفارقات العراقية المربكة؛ فإذا كان قد ولد في بيت دين، وتلقى تعليماً متصلاً بمكتبة والده إمام الجامع ثم دراسته في المدارس العثمانية آنذاك، فإنه كان على موعد مفارق مع الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917 ومشهد بغداد بصفتها ملعباً للجيوش المحتلة، فكانت رحلة السيد إلى الهند هرباً من مشهد مدينته المستباحة وطلباً لحياة بديلة، ولم يكن قد أدرك العشرين بعد. ولكن لماذا الهند تحديداً؟ ثمة من يتحدث عن رغبته بالسفر إلى الحجاز، وليست لدينا تفصيلات مفيدة عن تلك الرحلة، وأغلب الظن أن السيد ربما كان يحاكي رحلة مماثلة قام بها سليمان فيضي، فكانت نتيجتها كتابه «التحفة الإيقاظية في الرحلة الحجازية/ 1919»، وهي مما عُرف عندنا اختصاراً بـ«الرواية الإيقاظية». ذهب السيد إلى الهند، إلى درة التاج البريطاني، مخالفاً منطق الرحلات العربية نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وهو ما فعله الشوام والمصريون عندما قصدوا أوروبا أو أميركا الشمالية.

سيرة اسم

لا أحد يشبه محمود أحمد السيد سوى قصصه ورواياته ومقالاته. بهذه الخلاصة المركزة تختم فاطمة المحسن سيرتها المقترحة لحياة رائد القصة والرواية في العراق. ولكننا نعثر في هذا المقام على ثلاث سير تتداخل وتتقاطع فيما بينها: سيرة الكاتب محمود أحمد السيد، وسيرة بطل قصته المطوَّلة «جلال خالد»، وهناك سيرة صديقه حسين الرحّال. بعض مؤرخي أدب السيد لا يترددون عن الخلط بينهما، حتى كأننا إزاء سيرة واحدة. ولا بأس، لكن ماذا بشأن اسم محمود أحمد السيد نفسه؟ تقول أغلفة كتبه إنه قد بدأ النشر باسم «محمود آل المدرِّس/ في سبيل الزواج: 1921»، ثم صار ينشر باسم «السيد محمود أحمد البغدادي/ مصير الضعفاء: 1922». واستخدم الاسم ذاته في مجموعته «النكبات: 1922». ثمَّ رحَّل كلمة «السيد» إلى خاتم اسمه، فصار ينشر باسم «محمود أحمد السيد» كما في كتابه المشترك مع صديقه عوني بكر صدقي «السهام المتقابلة: 1922». ثمَّ نجده يرفع كلمة السيد من اسمه، وينشر باسم «محمود أحمد»، وهو شأن اسمه على غلاف كتابيه/ كراستيه «هياكل الجهل» و«القلم المكسور». ثمَّ نجده يستعيد لقب «السيد»، فينشر قصته المطوَّلة «جلال خالد: 1927» باسم «محمود أحمد السيد المدرِّس». ثمَّ يعود إلى اختصار اسمه فينشر مجموعته «الطلائع صور وأحاديث: 1929» باسم «محمود أحمد». ثم يعمد إلى صيغة جديدة فينشر مجموعته القصصية «في ساع من الزمن: 1935» باسم «محمود أ. السيد»، وبعدها استقر اسمه المعروف «محمود أحمد السيد» حسب صيغته الأخيرة لدى نقاده وكتاب سيرته، وفي الحقيقة، إن اضطراب اسم «السيد» يقدِّم صياغة مبكرة لعرف عراقي، ربما لا نجد مثيلاً له في البلاد العربية المجاورة، أن يستخدم الكاتب اسماً ثم يعدل عنه. لكنها تختصر لنا، في حالة السيد، جوانب رئيسية من كفاحه لأجل كتابة «قصة عراقية موجزة». كما أنها تعيد صياغة الجدل النقدي عن مرحلتي الكتابة والنشر عنده، فتحول عبر اسمه من كتابة الروايات الغرامية إلى كتابة القصص العراقية، وكأن السيد، في مرحلته الثانية قد استقر على اسمه المعروف والمتداول عندنا في كتب الأدب والدراسات المتصلة بأدبه، وهو استقرار يوازي تحوله للكتابة العارفة، إلى حد ما، بأسرار القصة بوصفتها جنساً أدبياً له أصوله وتقنياته.

مأثرة القص

اختار السيد القصة جنساً «أدبياً» في الكتابة، فكان خياره مغامرة كبرى في سياق أدب عربي لم يعرف، من قبل، هذا النوع من الأدب، لا سيّما ما يتصل بأصوله وتقنياته الأوروبية المعروفة، وازدادت المغامرة خطورة لأنها تحصل في بلاد مثل العراق تعلَّق تاريخه الأدبي وارتبط بالشعر. وفي هذا السياق، نقف عند نقطتين مهمتين. تتصل الأولى بالتحول بالكتابة العربية النثرية من صيغة «المقامات» ذات الصياغات العربية المتكلِّفة إلى صيغة القص النثري ذي الاستخدامات والصياغات العربية النثرية الجديدة. نعثر على هذا التحول الذي أسهم السيد في ترسيخه في كل ما كتب ونشر. والثانية، وهي الأهم عندنا، وتتعلَّق بنجاح السيد في اختيار لحظة القص الأثيرة، وهي كل ما يتصل بقصة الضعيف الخاسر؛ إذ إن لا قصة سوى قصة الخاسر. نعم، إنها سرديات الأعزل كما كتبها صاحب «الشيخ والبحر»، وهي ذاتها قصة دون كيشوت في صراعه الخاسر مع طواحين الهواء. وفي تصورنا أن «الخسران» هو منطق السرد الأول، هو جوهر كل قصة ورواية وناجحة. وفي هذا السياق فقد بالغ نقاد السيد ودارسو أدبه في التعويل على نزعة التشاؤم والتدين في أدب السيد؛ ظناً منهم أنها تفسر لهم المصائر التعيسة لأبطاله، ولم ينتبهوا إلى أن منطق الخاسر هو منطق القصة الأهم. وما كان لأحدهم أن يسأل نفسه: لنتخيل أن الرابح يكتب قصته؛ فما الداعي؛ إذن، لكتابة القصة؟!

خسارة السيد المبكرة

لم يخطئ أبداً من جعل السيد رائداً للقصة، ليس في العراق وحده، إنما هو أحد رواد القصة في العالم العربي برمته، وهو مساهم أساسي في تطويرها لأجل كتابة قصة عربية بمواصفات فنية ممتازة؛ فقد بدأ كتابة القصة والنشر في وقت مقارب مع بداية الكاتب المصري الشهير محمود تيمور «1894 - 1973م». وفي قصته المطوَّلة ثم في مجموعته القصصية الأخيرة «في ساع من الزمن» تتجلى مساهمة السيد وريادته المختلفة، ومن ثم، نضجه في كتابة القصة. لنأخذ قصته «جلال خالد» ونجد في مقدمتها قضيتين مهمتين: الأولى تخص استخداماً مبكراً جداً في تاريخ القصة والرواية لنظام المخطوطة؛ فالسيد يتحدث عن مذكرات «جلال خالد» التي سلّمها للسيد، وطلب السيد منه أن يثبت بعض رسائله في الجزء الثاني من القصة. وهذه هي الصيغة المتكرِّرة للمخطوطة في الرواية العراقية والعربية. ومن المؤسف أننا لا نجد، بحدود ما قرأنا، من يشير إلى هذه القضية الرئيسية المتصلة باستخدام المخطوطة في كتابة قصة جلال خالد. ثمة من يشير إلى محاولات مماثلة للإيهام بالواقع، وعندنا أن السيد قصد الأمر قصداً؛ بدليل ذكره للتماثل بين سيرته وسيرة جلال خالد. القضية الثانية تخص وعي السيد نفسه، وهو يكتب أنه بصدد كتابة قصة موجزة «نوفل»، ولقد وعد قراءه بأن يعود فيكتب «قصة مطوَّلة وافية»، وهي عنده «رومان». هذا التمييز يعيدنا إلى صياغات السيد لعناوين رواياته الغرامية ومجاميع قصصه. فقد كانت «في سبيل الزواج» هندية خالصة، ولم يكتب السيد على غلافها عنواناً فرعياً كما سنجده يفعل في كتبه اللاحقة. وسنجده في عنوان روايته الغرامية الثانية «مصير الضعفاء» ما يشير إلى أنه قد عثر على قصته العراقية، فيكتب عنواناً فرعياً: «رواية غرامية اجتماعية عراقية». ولا نجد في مجموعته القصصية الأولى سوى العنوان الرئيسي: «النكبات». ثم يعود السيد لكتابة القصة بعد توقف سنوات فينشر قصته المطوَّلة «جلال خالد» ويضع لها عنواناً فرعياً: «قصة عراقية موجزة». ويرسخ هذا التوجه بعنوان مجموعته «الطلائع: صور وأحاديث»، فيضع لها عنواناً فرعياً: «عراقية وغيرها»، ويسبق هذا العنوان بكلمة دالة هي «موجزة». وفي مجموعته الأخيرة «في ساع من الزمن» يكتب عنواناً فرعياً: «صور عراقية». وفي استقرار السيد على توصيف كتاباته القصصية بـ«عراقية» إشارات مفيدة عن معنى كتابة قصة عراقية. ولا نستطيع القول إن السيد كان متأثراً بالعنوان الشهير لرواية «زينب: مناظر وأخلاق ريفية» للكاتب المصري المؤسس محمد حسين هيكل؛ إذ لا دليل يُفيد بأن السيد قد قرأ رواية هيكل.
وبعد... فأي خسارة كبرى حلت بالقصة العراقية الناشئة، وقتذاك، برحيل السيد المبكر، إذ «تُوفي عن أربعة وثلاثين عاماً، في القاهرة صباح العاشر من يناير (كانون الأول) 1937»؛ وكانت القصة عنده قد بدأت آنذاك تتلمس طريقها نحو الكتابة الناضجة! نلمس هذا البداية المبكرة في قصص مجموعته الأخيرة «في ساع من الزمن»، حيث يعثر القارئ على الاستخدامات الناضجة والمفيدة لتقنيات القص.
إن الاحتفاء بالرائد محمود أحمد السيد، لا سيّما هذا العام، يكتسب بعداً «وطنياً» مهماً للعراق والمنطقة برمتها؛ ففي عام 1921 نشر السيد روايته الغرامية الأولى «في سبيل الزواج»، وكان العراق وقتها يشهد ولادة دولته الحديثة، ويا للمفارقة؛ فقد تأسست الدولة العراقية في مارس (آذار) عام 1921، وفي أول مارس كما كتب السيد نفسه في خاتمة إهدائه ظهرت روايته، أو في الأقل إنه تاريخ الانتهاء منها. وها نحن، بعد مائة عام، بلد بلا دولة، وهذه مفارقة لم يشهدها السيد، نحن شهودها الأحياء. ولا تنتهي المفارقات في بلاد المصائر التعيسة؛ ففي يوم 14/ 3/ 2006، بعد أقل من ثلاث سنوات على احتلال البلاد مجدداً يرحل أحد خلفاء السيد، إنه القاص والروائي المجيد مهدي عيسى الصقر. وما بين الولادة والوفاة أرشيف لا ينتهي من الخسارات.
* ناقد وأكاديمي من العراق



المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
TT

المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)

يتوافد آلاف المصريين على محيط مسجد السيدة زينب، وسط القاهرة، لإحياء الليلة الكبيرة، الثلاثاء الموافق 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، قادمين من أماكن متفرقة على مستوى الجمهورية، بعد أسبوع من الاحتفالات التي أقامها زوار المسجد وبعض الطرق الصوفية في محيطه.

اعتاد طارق محمد (42 عاماً)، مهندس كمبيوتر حر، أن يحضر مولد السيدة زينب كل عام مع أصدقائه، حيث يستمتعون بحلقات الذكر والأناشيد الدينية وحلقات الصوفية والسوق المفتوح للسلع المختلفة في محيط المسجد، فضلاً عن الأجواء المبهجة الموجودة في المولد، وفق قوله لـ«الشرق الأوسط»

مضيفاً أنه عادة ما يسعى لحضور المولد للاستمتاع بالأجواء الروحية الموجودة به، وكذلك للاستماع إلى حلقات الذكر والأناشيد والابتهالات المتنوعة التي تقيمها الطرق الصوفية في أماكن متفرقة بمحيط المسجد، كما يحضر أحياناً بعض الألعاب أو الحلوى لأطفاله.

ويُعبر المصريون من فئات متنوعة عن محبتهم للسيدة زينب، حفيدة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، بطرق شتى، وأطلقوا عليها العديد من الألقاب، مثل «رئيسة الديوان» و«أم العواجز» و«المشيرة» و«نصيرة الضعفاء»، يذهبون إلى مولدها في مسجدها الأثري العتيق.

الأضواء تحيط مسجد السيدة زينب في المولد (فيسبوك)

وعدّ الشيخ شهاب الدين الأزهري، المنتمي للطريقة الصوفية الشاذلية، موالد الصالحين وأهل البيت «مظاهرة حب لآل البيت، خصوصاً مولد الحسين ومولد السيدة زينب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها «مناسبة لاجتماع المصريين في مثل هذه الأيام في حلقات الذكر والتسابيح والعبادة والإطعام. والمصريون يتلهفون على الزيارة للعظة، ومن أجل المودة، ومن لا يستطيع زيارة النبي يزوره في أهل بيته، وفي الموالد جمع من العلماء يعلمون الناس كيفية الزيارة، وسيرة المحتفى في المولد».

ولفت الأزهري إلى أن «مصر بها نحو 40 فرداً من آل البيت، على رأسهم السيدة زينب وسيدنا الحسين، وربما يعود الاحتفال الشعبي الكبير في مولد السيدة زينب تحديداً للاعتقاد السائد بأن مصر محروسة ومحفوظة ببركة دعاء آل البيت لها، خصوصاً السيدة زينب التي دعت لمصر دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله، نصرتمونا نصركم الله)».

وتزخر مصر بالعديد من الموالد الشهيرة التي يزورها الآلاف، ووصل العدد في مولد السيد البدوي في طنطا (دلتا مصر) إلى نحو مليوني زائر، وهناك أيضاً مولد الحسين ومولد فاطمة النبوية ومولد السيدة نفيسة من آل البيت.

وترى أستاذة علم الاجتماع، الدكتورة هدى زكريا، أن «الموالد فرصة لتحقق الشخصية المصرية حالة من الذوبان الروحي في هذا الزخم الشعبي، فهذه الاحتفالات لا تأخذ طابعاً دينياً بقدر ما تحمل طابعاً اجتماعياً، ويحضرها المسلمون والمسيحيون، تماماً كما نجد في موالد العذراء مسلمين ومسيحيين جنباً إلى جنب».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «السيدة زينب وحدها حالة خاصة، لأنها عانت بشدة حين قتل جنود يزيد بن معاوية أخويها، وحين خيّرها يزيد أن تسافر إلى أي بلد، اختارت مصر، واحتفى بها جموع المصريين، وقالت فيهم دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله أكرمتمونا أكرمك الله)، وحتى اليوم يعتبر المصريون أنفسهم أخذوا بركة دعاء السيدة زينب».

ولدت السيدة زينب في السنة السادسة للهجرة بالمدينة المنورة، سمّاها النبي (صلى الله عليه وسلم) زينب إحياء لذكرى خالتها زينب التي توفيت في السنة الثانية للهجرة، وقد نشأت في رعاية جدها (صلى الله عليه وسلم) حتى انتقل إلى جوار ربه تعالى، ثم رحلت أمها السيدة فاطمة الزهراء أيضاً بعد 6 أشهر، وقد أوصتها أمها وهي على فراش الموت بأخويها (الحسن والحسين) بأن ترعاهما، فكانت تلقب بعقيلة بني هاشم، وقد أحسنت الوصية فدافعت عن أبناء أخيها الحسين بعد كربلاء، إذا سافرت إلى مصر، وقضت فيها فترة حتى توفيت فيها عام 62 هجرية.

وأشارت أستاذة علم الاجتماع إلى أن «الروح الصوفية المنتشرة في أوساط كثيرة بين المصريين تساعد على إحياء هذه الموالد وبثّ الروح فيها وحالة الذوبان الروحي التي تشهدها، فالطرق الصوفية تعدّ الآلية الدينية الروحية التي جمعت كل الأديان على أرض مصر لتتعايش في سلام ومحبة، وفيها يكمن عمق ونبل ملامح الشخصية المصرية، وهو ما ينعكس بشكل احتفالي في الموالد».


احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
TT

احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)

تنطلق خلال أيام بالقاهرة احتفالات عدة بذكرى مئوية ميلاد المخرج الكبير يوسف شاهين (25 يناير 1926- 27 يوليو 2008) والتي تشهد عرض فيلم وثائقي عنه، وإقامة حفل لموسيقى أفلامه، كما يحتفي به مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية بإصدار طبعة جديدة لكتاب للناقد إبراهيم العريس عنه، وتحتفي به «أفلام مصر العالمية» التي أسسها شاهين، وأنتج من خلالها أفلامه، حيث تقيم احتفالاً بمكتبه في شارع «شامبليون» بوسط القاهرة، كما تواصل ترميم أفلامه وإصدارها في نسخ رقمية جديدة.

وأعلنت قناة «الوثائقية» التابعة للشركة المتحدة عن عرض فيلم وثائقي خلال أيام عبر شاشتها بعنوان «شاهين... ابن النيل» يوثق سيرة يوسف شاهين بصفته أحد أهم صناع السينما في مصر والعالم.

ويستعرض الفيلم رحلة شاهين منذ البدايات الأولى بمدينته الإسكندرية، وشغفه بالفن وسفره لدراسة السينما بأميركا وعودته لمصر لتقديم أول أفلامه «بابا أمين» 1950 الذي انحاز فيه لقيمة الأسرة، ثم فيلمه الثاني «ابن النيل» 1951 الذي حمل رؤية واقعية لأخطار الفيضان على حياة المصريين البسطاء، لتتوالى أفلامه ومن بينها «الناصر صلاح الدين» 1963 كما يتطرق لإصراره بوصفه مفكراً سينمائياً، على مواجهة هزيمة 1967 عبر أفلام «الأرض» 1970، و«العصفور» 1972، كما يتطرق الفيلم لحرص المخرج الراحل على عرض فصول من سيرته الذاتية ومزجها ببعض المحطات التاريخية على غرار «إسكندرية ليه»، و«إسكندرية كمان وكمان»، و«إسكندرية نيويورك»، ويتحدث بالفيلم حشد من رفاق رحلته من صناع السينما ونجوم الفن والنقاد.

بينما اختار معرض القاهرة الدولي للكتاب أن يحتفي بمئوية شاهين في افتتاح دورته 57 بحفل موسيقي كبير يقام 23 يناير (كانون الثاني) الحالي بمسرح المنارة (شرق القاهرة) في افتتاح استثنائي غير معتاد، ويقود الأوركسترا المايسترو نادر عباسي، ويشارك بها كورال الاتحاد الفيلهرموني لتقديم موسيقى وأغاني أفلام المخرج الكبير.

ويقيم مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية دورته الخامسة عشرة 30 مارس (آذار) - 5 أبريل (نيسان) 2026، تحت عنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، وكشف المهرجان عن ملصق دورته الذي يحمل صورة شاهين والمستوحى من شخصيته وعالمه الديناميكي، حيث يتنقل شاهين في فضاء بصري يجمع معالم بعض الدول الأفريقية ليعكس وحدة القارة وشخصية شاهين التي كانت، ولا تزال رمزاً للحركة والحرية والفكر المتمرد في الفن السابع، بحسب بيان المهرجان.

وقالت عزة الحُسيني مدير مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية إن المهرجان أعَد لاحتفالية ضخمة تليق بمسيرة المخرج الكبير تتضمن ندوات وعروض أفلام بالتعاون مع أفلام مصر العالمية، وبحضور بعض نجوم أفلامه.

ملصق الفيلم الوثائقي عن يوسف شاهين (قناة الوثائقية)

وأضافت الحُسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «المهرجان أيضاً سيقيم معرضاً لأفيشات وصور أفلامه»، واصفة المخرج الراحل بأنه «ليس شخصية فريدة كفنان سينمائي فقط، بل هو مخرج مرموق حظي بتقدير عالمي، وحاز السعفة الذهبية من مهرجان كان عن أفلامه، وقدم أفلاماً كشفت كثيراً من تمرده، علاوة على أفلام عبَّر فيها عن سيرته الذاتية، وهو نسق لم يكن موجوداً في أفلامنا من قبل».

وفي السياق تحتفي شركة أفلام شاهين «مصر العالمية» بمئوية ميلاد يوسف شاهين عبر احتفالات عدة تبدأ من مكتبه بشارع شامبليون بوسط القاهرة الذي شهد مولد أفلامه، وسوف يستقبل في مئويته صناع أفلام ونجوماً شاركوه مسيرته ومخرجين عملوا معه، بتنظيم من ابنة شقيقته المخرجة والمنتجة ماريان خوري.

من جانبه، أكد المنتج السينمائي جابي خوري أن «مئوية يوسف شاهين بها جانب احتفالي في مصر وخارجها، وجانب آخر يُعْنَى بالحفاظ على إرثه السينمائي»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يعنيني بالدرجة الأولى هو الحفاظ على تراث يوسف شاهين بكل أشكاله».

يوسف شاهين على ملصق الدورة الـ15 لمهرجان الأقصر (مهرجان الأقصر)

ويضيف: «نقوم بتحويل هذا التراث لنسخ ديجيتال حتى يستفيد به الباحثون وصناع الأفلام، بما يتضمنه من سيناريوهات أفلامه، والمقالات التي كُتبت عن أعماله، والكتب التي صدرت عنه، وحواراته، وهذا ما نسعى إليه لنحقق خطوة مهمة هذا العام، إلى جانب ترميم بقية أفلامه».

وكان مهرجان الجونة السينمائي قد احتفى في دورته الماضية بمئوية يوسف شاهين، حيث أقام ديكوراً على شكل قطار على غرار فيلم «باب الحديد» تضمن شاشة كبيرة لعرض بعض أفلامه، كما أقام ندوة موسعة تحدث فيها مخرجون عرب تأثروا بأعمال يوسف شاهين، واحتفى مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ46 بمئوية شاهين بعرض فيلمي «المهاجر» و«الناس والنيل» في نسخ مرممة حديثاً.

وحاز المخرج يوسف شاهين شهرة عالمية، وشارك بأفلامه في مهرجانات دولية، وتم اختيار 12 من أفلامه ضمن أفضل 100 فيلم مصري في استفتاء مهرجان القاهرة السينمائي عام 1996، وأخرج شاهين على مدى مسيرته 39 فيلماً أثار بعضها جدلاً كبيراً، وحازت بعض أفلامه جوائز مهمة، من بينها «الدب الفضي» من مهرجان برلين 1979 عن فيلم «إسكندرية ليه»، و«السعفة الذهبية» لمهرجان كان عن مجمل أعماله، و«التانيت الذهبي» لمهرجان قرطاج 1970 عن فيلم «الاختيار».


«آثار معاصرة»... رؤية جديدة للمعالم التاريخية في معرض قاهري

المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
TT

«آثار معاصرة»... رؤية جديدة للمعالم التاريخية في معرض قاهري

المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)

في أروقة «بيت السناري» الأثري وسط القاهرة، تصطف لوحات وأعمال فنية متنوعة تقدم رؤية معاصرة للآثار القديمة، سواء كانت هذه الآثار مادية أو معنوية أو رمزية، ضمن المعرض الفني «آثار معاصرة» الذي تنظمه مبادرة «وحدات الحياة» بالتعاون مع سفارة النمسا بالقاهرة.

المعرض الذي افتتح في 11 يناير (كانون الثاني) الجاري، ويستمر حتى 24 من الشهر نفسه في المركز الثقافي «بيت السناري» التابع لمكتبة الإسكندرية، ضم أعمالاً متنوعة لـ21 فناناً من 10 دول، هي: مصر والمملكة العربية السعودية والنمسا والولايات المتحدة الأميركية، ورومانيا، والنرويج، وبلجيكا، والهند، وتايوان، وآيرلندا.

ويقدم الفنانون المشاركون أعمالاً تعكس مقاربات معاصرة تنطلق من مرجعيات تراثية وبصرية ممتدة، ضمن رؤية فنية تسعى إلى إعادة طرح العلاقة بين الماضي والحاضر في سياق فني عالمي.

لوحات المعرض تنتمي لأساليب فنية متنوعة (بيت السناري)

ويضم المعرض أعمال كل من: لينا أسامة، مهني ياؤود، فائق رسول، تانيا رشيد، شروق بنت فهد، عبد السلام سالم، أليكس سيجيرمان، أفيجيت موكيرجي، بريت بطرس غالي، كارمين بيترارو، سيسيليا فونج، يوليا موركوف، لين بيشيا، مايكل هايندل، بيتر بلودو، روايري أوبراين، سكايلر سميث، سابينا ديلاهاوت، توم شوانج، وهيروين سينز.

وأوضحت الفنانة لينا أسامة، منسقة المعرض ومؤسسة مبادرة «وحدات الحياة» هي والفنان مهني ياؤود أن المبادرة انطلقت عام 2016 لتنظيم المعارض الدولية، انطلاقاً من إيمانهما المشترك بأن «الفن أفضل وسيلة للتواصل بين الشعوب وتصحيح المفاهيم الخاطئة والتبادل الثقافي والحوار المشترك عبر لغة بصرية تتجسد في المعارض الفنية التي أقيمت تحت عناوين مختلفة وبشكل شبه دوري».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض الحالي في بيت السناري استغرق التحضير له نحو عام ونصف العام، والشريك الرئيسي فيه سفارة النمسا، بالإضافة إلى سفارة رومانيا ومؤسسة المحروسة».

ولفتت إلى أن كل الفنانين جاءوا من حضارات عريقة ومتأثرين بتراث بلدانهم، وجاءت أعمالهم بمثابة إعادة صياغة ومعالجة وتشخيص لهوية تلك البلدان، ويتضمن المعرض تنوعاً لافتاً في الأساليب والتقينات من رسم وتصوير فوتوغرافي ونحت معاصر، و«تكست آرت» وتجهيز في الفراغ لمهني ياؤود ولوحات جدارية لشروق بنت فهد متأثرة بالكثير من التاريخ وتعبر عن الهوية العربية، بالإضافة إلى أعمال الحفر لعبد السلام سالم، وفوتوغرافيا تانيا رشيد، وهي نمساوية عراقية لها أسلوبها الخاص.

وعن المعارض السابقة التي قدمتها المبادرة تقول لينا إن «أول معرض أقيم في 2016 وكان بعنوان (عن الذات والآخر وقصص أخرى) وضم 9 فنانين وسافر إلى النمسا في العام نفسه، وفي السنة التالية نظمنا معرضاً باسم (جينات متوارية) عن الجينات المخفية في البشر والتي تسمح بالتشابه أكثر من المتخيل، وضم هذا المعرض نحو 20 فناناً من جنسيات كثيرة بين مصر وإيطاليا والمغرب وأقيم في مركز الجزيرة للفنون وفي جوتة».

أعمال المعرض تناولت حضور معالم أثرية في حياتنا المعاصرة (بيت السناري)

وفي متحف التراث الأمازيغي في المغرب، نظمت المبادرة معرضاً بعنوان «ابن بطوطة حلم عابر للأوطان» يعتمد على فكرة التجوال والترحال الجغرافي وشارك فيه فنانون من دول مختلفة، ومن مصر شارك عمر الفيومي ومحمد عبلة وأحمد صقر ومن السودان صلاح المر، كما أقامت المبادرة معرضاً في متحف الحضارة المصرية بعنوان «7 درجات من لون البشرة»، شاركت فيها 9 فنانات من دول مختلفة مثل مصر ورومانيا وآيرلندا وموزمبيق وغيرها، كما توضح مؤسسة المبادرة.

افتتاح المعرض في بيت السناري التابع لمكتبة الإسكندرية (بيت السناري)

وبالنسبة للوحة التي شاركت بها في المعرض الأحدث تقول لينا: «نظمنا من قبل معرض ابن بطوطة للترحال عبر الجغرافيا؛ فأعتبر هذا المعرض الجديد (آثار معاصرة) ترحالاً عبر الزمن، ومن هذا المنطلق قدمت عملاً به كثير من الرموز والتكوينات المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة ومحاولة ربطها بالواقع المعاصر عبر فتاتين تقفان بجوار بعضهما البعض وتم تضفير شعرهما في ضفيرة واحدة، مستندة في ذلك إلى الموروث الشعبي وإلى رمزية الياسمين، تلك الشجرة التي تطرح زهوراً كل ليلة، وتسقط هذه الزهور في الصباح ليتجدد الأمر بلا توقف».

إحدى لوحات المعرض (بيت السناري)

وصاحب افتتاح المعرض الفني فقرات موسيقية وغنائية قدمتها كل من لينا عمر التي تسعى إلى توظيف الغناء والعزف على الغيتار وكتابة الأغاني كوسيلة لتحويل المشاعر إلى تعبير فني صادق، يستند إلى حضور أدائي لافت على خشبة المسرح. وفق بيان لـ«بيت السناري» بالقاهرة.

كما قدمت الفنانة بسمة البنداري رؤية موسيقية معاصرة تنطلق من التراث الغنائي المصري، عبر مشروع فني يمزج بين الروح الشرقية وإيقاعات الفلامنكو، من خلال مصاحبة العود للغيتار، في حوار موسيقي مع عازف العود إيهاب زكريا.