أكثر من 5 «جيوش» تنتشر بين المدنيين في الخرطوم تهدد التحول الديمقراطي

مخاوف من صدام... وتقديرات بوجود 4 ملايين قطعة سلاح بيد «الحركات» والمواطنين

قوات الجيش السوداني تحرس المتظاهرين الذين أطاحوا بنظام الرئيس السابق عمر البشير (أ.ف.ب)
قوات الجيش السوداني تحرس المتظاهرين الذين أطاحوا بنظام الرئيس السابق عمر البشير (أ.ف.ب)
TT

أكثر من 5 «جيوش» تنتشر بين المدنيين في الخرطوم تهدد التحول الديمقراطي

قوات الجيش السوداني تحرس المتظاهرين الذين أطاحوا بنظام الرئيس السابق عمر البشير (أ.ف.ب)
قوات الجيش السوداني تحرس المتظاهرين الذين أطاحوا بنظام الرئيس السابق عمر البشير (أ.ف.ب)

يخشى السودانيون من تفجر الأوضاع جراء تعدد «الجيوش» وحملة السلاح من الميليشيات السابقة المنتشرة في العاصمة الخرطوم، وجيوش الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقيات السلام، (عددها 3)، التي تغيرت صفتها من حركات متمردة إلى «حركات الكفاح المسلح»، ويشارك قادتها في الحكومة الانتقالية. ولا تزال هناك حركتان لم توقعا اتفاق سلام، إضافة إلى قوات الدعم السريع، التي يقودها نائب الرئيس الانتقالي محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وفي الطرف الآخر يقبع الجيش السوداني، وقوات أخرى يتوقع عودتها من ليبيا قريباً.
وبرزت المخاوف واضحة، إثر صدام داخل مجموعة مسلحة، سيطرت عليه الشرطة الأسبوع الماضي، فيما سيطرت مجموعة مسلحة قادمة من دارفور على مبنى «اللجنة الأولمبية»، وكادت أن تحدث أزمة بعد أن طلب منها الخروج من الموقع، ثم تلت ذلك تصريحات ساخنة لنائب ثاني قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو، أصر فيها على وجود هذه القوات حيثما تشاء في العاصمة أو خارجها، عدّها البعض ذات بُعد «قبلي».
وتشير تقديرات إلى وجود 4 ملايين قطعة سلاح بيد المسلحين والمواطنين، وهو ما حدا بالأمم المتحدة لدق جرس الخطر، مطالبة بحل مشكلة الجيوش، وعدّتها أكبر خطر يهدد الانتقال الديمقراطي في السودان.
- جيش وميليشيات خلفيات
منذ أكثر من نصف قرن، كانت هنالك «ميليشيا» أو قوة متمردة واحدة تقاتل الجيش السوداني، بدأت بقوات «أنانيا» الجنوبية التي أسسها قادة بالجيش السودان، وخاضت حرباً ضد القوات الحكومية استمرت منذ الاستقلال حتى ما عرف باتفاقية «أديس أبابا» للسلام 1972 بين القوات المتمردة والحكومة المركزية، في عهد الرئيس جعفر نميري، وبموجبها توقفت الحرب لمدة 10 سنوات، وتم استيعاب هذه القوات لتكون جزءاً من الجيش السوداني.
لكن الحرب تجددت مرة أخرى، بتمرد الضباط الذين تم استيعابهم من قوات «أنانيا» في الجيش النظامي، بقيادة العقيد الراحل جون قرنق دمبيور، تحت لافتة الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي خاضت حرباً ضد الحكومة السودانية منذ العام 1983، انتهت بتوقيع اتفاقية السلام المعروفة باتفاقية «نيفاشا» 2005، وبموجبها، تم الاعتراف بقواتها التي تحمل اسم «الجيش الشعبي لتحرير السودان»، واستوعب قادتها في الحكومة المركزية، ونال قائدها جون قرنق منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، وخلفه بعد رحيله في حادث الطائرة الشهيرة، رئيس جنوب السودان الحالي سلفاكير ميارديت.
في العام 2003، تمرّد بعض أبناء إقليم دارفور وكوّنوا حركتين مسلحتين (حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة)، وخاضت الحركتان حروباً ضد الجيش السوداني خلال عهد نظام الإسلاميين، قبل أن تتشظّى لثلاث حركات، اثنتان منها باسم «حركة تحرير السودان»، ثم توالت الانشقاقات في هذه الحركات لتولد من رحمها عشرات المجموعات المسلحة، وظلت هذه الحركات تقاتل الجيش السوداني حتى توقيع اتفاقية «سلام جوبا» أكتوبر (تشرين الأول) 2020.
ونصت اتفاقية السلام الموقعة مع هذه الحركات، على عمليات دمج وإعادة تأهيل وتسريح قوات هذه الحركات في الجيش السوداني، في غضون 60 يوماً من توقيع الاتفاقية، لكن السلطات المركزية لم تلتزم بالمدة المحددة، فسارعت هذه القوات للقدوم للعاصمة الخرطوم بكامل عتادها وآلياتها، بانتظار إكمال الترتيبات الأمنية، الأمر الذي أثار مخاوف بين المواطنين من احتمال نشوب قتال داخل المدن وبين المدنيين.
- حركتان خارج دائرة السلام
لم توقع الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، على اتفاقية سلام جوبا، برغم أنهما تعدان من كبرى الحركات المسلحة عتاداً ومقاتلين.
وتتكون الحركة الشعبية لتحرير السودان من مقاتلين سودانيين، انحازوا للحركة الأم في جنوب السودان، وبعد انفصال الجنوب احتفظوا بقواتهم، ولاحقاً عادت للتمرد مرة أخرى، وتسيطر الآن على منطقة «كاودا» في ولاية جنوب كردفان، وبعض المناطق في ولاية النيل الأزرق، أما حركة تحرير السودان الدارفورية، فقد انشقت هي الأخرى رأسياً، ليقود الجناح الذي يسيطر على بعض المناطق في جبل مرة بدارفور، عبد الواحد محمد نور. وبعد تصدع تنظيمات الإسلاميين ولحمايته، كوّن الرئيس المعزول عمر البشير، ما عرف بـ«قوات الدعم السريع»، وكان الهدف من تكوينها مواجهة الحركات المسلحة في دارفور، قبل أن يستخدمها البشير كقوات تابعة له، بعد أن تزايدت شكوكه من احتمالات الإطاحة به من قِبل الجيش النظامي.
لكن هذه القوات تخلت عن البشير بقيام الثورة، ولعبت دوراً مقدراً في الضغط على القيادة العسكرية للانحياز للجماهير المطالبة بالتغيير، ولهذا الدور وبحكم وجودها بل و«سيطرتها» على عدد من المرافق المهمة، تم اختيار قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) عضواً بالمجلس العسكري الانتقالي، ثم نائباً لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، بعد توقيع الوثيقة الدستورية بين المدنيين والقادة العسكريين، والتي قضت بتقاسم السلطة بينهما.
- أعداد ومواقع مجهولة للقوات
بهذا المحمول القتالي، فإن الخرطوم العاصمة تستضيف أكثر من 5 جيوش؛ هي «الجيش النظامي، وقوات الدعم السريع، وقوات حركة تحرير السودان/جناح مناوي، وقوات العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم (وزير المالية الحالي) وقوات أخرى تابعة لحركات منشقة من الحركات الأم»، كلها تحوم في طرقات الخرطوم بكامل عتادها وسياراتها ذات الدفع الرباعي في شوارعها.
ولا يعرف أحد على وجه الدقة الأعداد الفعلية للمقاتلين في السودان، ولا عدد الأسلحة القتالية، بيد أن بعض التقديرات تشير إلى أن هناك أكثر من 4 ملايين قطعة سلاح قتالية بيد المواطنين والمسلحين، في الوقت الذي تنهال فيه الأسلحة على البلاد من دول الجوار الملتهبة وعلى وجه الخصوص ليبيا، التي يشارك في حربها مقاتلون سودانيون محسوبون على حركات مسلحة سودانية، ينتظر أن تتم إعادتهم للبلاد، بعد توقيع الاتفاقية الليبية.
- جرس إنذار
في إحاطته الدورية الأولى لمجلس الأمن الدولي، دقّ رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) الألماني فولكر بيرتيس، جرس إنذار، قال فيه: «السلام لن يتحقق في السودان، في ظل وجود 3 جيوش»، وفي الحقيقة فإن الجيوش أكثر من ثلاثة بكثير.
إنذار بيرتيس ليس الوحيد الذي تم دقه، بل الصدام المسلح الذي حدث بين تنظيمين منشقين من واحدة من الحركات «تمازج» في الخرطوم، وتبادل إطلاق النار بينهما، واستيلاء حركة تحرير السودان – جناح مني أركو مناوي لمكاتب اللجنة الأولمبية السودانية وما رافق ذلك من أحداث، تعد أكثر من جرس إنذار.
- اتفاقية جوبا
يرجع الخبير الأمني اللواء متقاعد محمد الأمين إسماعيل المجذوب إلى خلل جوهري في اتفاقية سلام جوبا، لأن الترتيبات الأمنية الواردة فيها تشمل كل القوات والميليشيات التي ورثتها الحكومة الانتقالية من النظام السابق، ولم تحدد أعداد القوات المشمولة بعمليات الدمج والتسريح ومناطق التجميع.
ورأى أن عدم توفير الموارد المالية للترتيبات الأمنية مع هذه للقوات غير المحددة العدد أو المكان، أخرت عمليات الدمج والتسريح المنصوص عليها في الاتفاقية - نصت الاتفاقية على البدء فيها بعد 60 يوماً من التوقيع - وأضاف: «جاءت هذه الجيوش للخرطوم لوضع الحكومة أمام الأمر الواقع».
ونفى الخبير الأمني احتمال وجود مخاوف على السلطة من وجود هذه القوات في الخرطوم، لكنه حذر من احتمالات حدوث اشتباكات بين هذه القوات، وقال: «بدأت تظهر سيولة واختلالات أمنية في الخرطوم التي كانت تصنف من بين أكثر العواصم أمناً، لكن لا يخشى من هذه الجيوش على السلطة، لكن الخوف من اندلاع نزاع بين أفراد هذه الميليشيات مع قوات نظامية أخرى».
ويقبع الخطر، بحسب المجذوب، من احتمال حدوث اشتباكات فردية بين أفراد القوات قد تتطور إلى اشتباكات عامة، ولمواجهة ذلك يشدد على أهمية عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن والدفاع، يحدد مواقع تجميع هذه القوات، والشروع في الترتيبات الأمنية فوراً، حتى لو لم تتوفر الأموال اللازمة للعملية.
وأرجع بعض الاختلالات الحادثة الآن إلى خلل وضعف مرتبط باتفاقية «سلام جوبا»، بقوله: «الاتفاقية تحوي الكثير من المجاملات، لذلك تركت الكثير من التفاصيل دون حسم»، وتابع: «حين أتى وقت التطبيق برز شيطان التفاصيل».
ونوه بتزايد أعداد القوات المتجهة للخرطوم، بما في ذلك قوات قادمة من خارج الحدود، وقال: «هناك قوات في ليبيا في طريقها إلى السودان، وهي تتبع حركات العدل والمساواة وتحرير السودان وتمازج»، وتابع: «إلى جانب جيوش حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان وحركة تمازج الموجودة حالياً في الخرطوم، هناك مجموعات المحسوبة عليها قادمة من ليبيا، يضاف إليها جيشا مجموعة عبد العزيز الحلو ومجموعة عبد الواحد محمد نور».
بيد أن المجذوب بدا واثقاً بقدرة الجيش على استيعاب هذه القوات، وقال: «القوات المسلحة مستعدة لاستيعاب وتدريب أي أعداد تنضم لها، لأنها تملك استعداداً استخبارياً بالتنسيق مع المخابرات العامة، يمكنها من التنبؤ بالأزمات قبل وقوعها».
وشدد على أهمية تسريع تنفيذ الترتيبات الأمنية من قبل جهات أمنية عسكرية، وعدم تركه للمفاوضين السياسيين، مستدلاً بما سمّاه فشل اتفاقية السلام السودانية (نيفاشا)، بقوله: «ما أضعف اتفاق نيفاشا، أن الوفد المفاوض سياسي، ورغم ذلك نفذ الترتيبات الأمنية».
ولا يرى المجذوب صعوبات عسكرية في دمج قوات الدعم السريع، عن طريق اعتمادها فرقة للتدخل السريع أو القوات الخاصة داخل الجيش، لكن الخطر الذي يواجه هذه العملية يكمن في مصير قيادتها، وقال: «أين ستذهب القيادة؟».
ونسب المجذوب إلى «تسريبات» أن بعض حركات الكفاح المسلح، تربط بين ترتيبات دمجها، ودمج قوات الدعم السريع، مثلما تربط خروجها من الخرطوم بخروج الدعم السريع.
واستبعد حدوث تحالفات بين الحركات المسلحة وقوات الدعم السريع، لكونها كانت الخصم لهذه الحركات «وبينهما ما صنعه الحداد في الخشب»، فضلاً عن أن عقيدة الدعم السريع قامت على مجابهة هذه الحركات.



إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

حذر وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، من تداعيات قرار الجماعة الحوثية شطب آلاف الوكالات التجارية في مناطق سيطرتها، عادّاً الخطوة تصعيداً خطيراً يندرج ضمن ما وصفه بـ«تفكيك ممنهج» لما تبقى من القطاع الخاص، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة تشهدها البلاد منذ سنوات.

وقال الإرياني في تصريح صحافي إن إقدام الجماعة على شطب السجل التجاري والتراخيص لأكثر من 4225 وكالة تجارية محلية ودولية دفعة واحدة، يمثل «مجزرة اقتصادية» تستهدف البنية التجارية، وتقوض ما تبقى من النشاط الاقتصادي المنظم. وأوضح أن هذه الإجراءات تشكل «ضربة مباشرة لآخر أعمدة السوق، وتفاقم من حدة الانهيار الاقتصادي» الذي تعانيه مناطق سيطرة الحوثيين.

وأشار الوزير إلى أن هذه الخطوة تأتي «ضمن مسار متواصل منذ انقلاب الجماعة، لإعادة تشكيل سوق الوكالات التجارية بما يخدم مصالحها، عبر إقصاء الوكلاء الشرعيين، وفتح المجال أمام كيانات تابعة لها للاستحواذ على التوكيلات الحصرية». وعدّ أن ما يجري يعكس توجهاً واضحاً نحو إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد، في امتداد لسياسات المصادرة وإعادة توزيع الموارد خارج الأطر القانونية.

وأضاف الإرياني أن الجماعة تعمل على ترسيخ نموذج «اقتصاد موازٍ» يقوم على «الاحتكار والجباية، ويعتمد على شبكات مغلقة تديرها عناصر موالية لها؛ مما يؤدي إلى تهميش القطاع الخاص التقليدي، وإضعاف بيئة الأعمال». ولفت إلى أن هذه السياسات أسهمت في «إفلاس عدد كبير من التجار، وإغلاق شركات ومصانع، فضلاً عن تسارع وتيرة خروج رؤوس الأموال إلى الخارج».

وأكد أن الانعكاسات الاجتماعية لهذه الإجراءات كانت قاسية، «حيث فقد عشرات الآلاف من العمال مصادر دخلهم، في ظل غياب أي شبكات أمان أو بدائل اقتصادية، الأمر الذي فاقم من مستويات الفقر والبطالة».

وجدد الوزير التأكيد على أن قرارات شطب الوكالات «تفتقر إلى أي أساس قانوني، وتمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد العمل التجاري»، داعياً رجال الأعمال والشركات المتضررة إلى نقل أنشطتهم إلى المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، حيث تتوفر - وفق قوله - بيئة أكبر استقراراً وضمانات قانونية لممارسة الأعمال بعيداً من الضغوط والممارسات التعسفية.


جهود يمنية لتعزيز الاقتصاد والخدمات بإسناد دولي

جانب من اجتماع مجلس الوزراء اليمني في عدن (إعلام حكومي)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء اليمني في عدن (إعلام حكومي)
TT

جهود يمنية لتعزيز الاقتصاد والخدمات بإسناد دولي

جانب من اجتماع مجلس الوزراء اليمني في عدن (إعلام حكومي)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وسط سعي الحكومة اليمنية لتعزيز الاقتصاد وتحسين الخدمات والأمن بإسناد إقليمي ودولي، وصل المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، إلى العاصمة المؤقتة عدن، في خطوة تؤكد استمرار انخراط الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية سياسية شاملة بقيادة يمنية، تستند إلى التوافقات المحلية والدعم الدولي.

وتأتي هذه الزيارة بالتزامن مع تنامي المخاوف من انعكاسات التصعيد العسكري في المنطقة على الداخل اليمني، وبخاصة مع انخراط الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران، ما يضفي على التحرك الأممي أهمية إضافية في محاولة احتواء أي تداعيات محتملة.

وتعكس زيارة غروندبرغ إدراكاً دولياً متزايداً لضرورة الحفاظ على قنوات التواصل السياسي مفتوحة، ومنع انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التعقيد، إذ ينظر إلى هذا التحرك بوصفه جزءاً من جهوده لإعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، وإحياء مسار التسوية السياسية الذي تعثر خلال الفترات الماضية.

المبعوث الأممي إلى اليمن لحظة وصوله إلى العاصمة المؤقتة عدن (إكس)

ويُتوقع أن تشمل لقاءات المبعوث الأممي مع المسؤولين الحكوميين وعدد من الفاعلين المحليين، بحث سبل تثبيت التهدئة، وتعزيز الإجراءات الاقتصادية والإنسانية، باعتبارها مدخلاً ضرورياً لأي تقدم سياسي مستدام. كما تسعى الأمم المتحدة إلى تنسيق أكبر مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لضمان تكامل الجهود وتجنب ازدواجية المبادرات.

دعم إنساني وتنموي

بالتوازي مع التحرك السياسي، برزت تحركات يمنية مكثفة لتعزيز الدعم الإنساني والتنموي لليمن. ففي هذا الإطار، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، مع المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الدكتور عبد الله الربيعة، سبل تطوير التنسيق المشترك، بما يضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها وفق الاحتياجات الفعلية.

وأكدت الزوبة أهمية الشراكة مع المركز، الذي يمثل أحد أبرز الداعمين الإنسانيين لليمن، حيث تشمل تدخلاته مجالات الغذاء والصحة والإغاثة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية.

وزيرة التخطيط اليمنية تلتقي المشرف العام على مركز الملك سلمان للأعمال الإنسانية (إعلام حكومي)

وفي السياق ذاته، ناقشت الوزيرة الزوبة مع السفيرة الفرنسية لدى اليمن، كاترين كورم كامون، فرص توسيع التعاون ليشمل مجالات جديدة؛ مثل التعليم وبناء القدرات المؤسسية والتمويل المناخي. وشدد الجانبان على أهمية مواءمة المشاريع الدولية مع أولويات الحكومة، وتعزيز دور المنظمات المحلية لضمان استدامة التدخلات.

وتعكس هذه اللقاءات توجهاً نحو الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مقاربات تنموية أكثر استدامة، تركز على بناء القدرات وتحسين الخدمات الأساسية، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه.

تنسيق دولي

تواصل العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، ترسيخ موقعها بوصفها مركزاً رئيسياً للتنسيق بين الحكومة اليمنية والشركاء الدوليين، حيث شهدت سلسلة لقاءات ركزت على تحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار.

وفي هذا الإطار، بحث وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، مع السفيرة البريطانية لدى اليمن، سبل توسيع التعاون لدعم المشاريع الخدمية والتنموية، مع التركيز على البنية التحتية والخدمات الأساسية. وأكد الجانبان أهمية تنسيق الجهود الدولية بما يعزز فاعلية التدخلات، ويحقق نتائج ملموسة للمواطنين.

كما جرى التأكيد على استمرار الدعم البريطاني لجهود الاستقرار في عدن، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المدينة، سواء على صعيد الخدمات أو الضغوط السكانية.

ويعكس هذا الحراك تركيزاً متزايداً على دعم السلطات المحلية، باعتبارها الجهة الأكثر قدرة على تحديد الاحتياجات الفعلية وتنفيذ البرامج التنموية على الأرض، وهو ما يتطلب تعزيز قدراتها المؤسسية وتوفير الموارد اللازمة.

الهجرة وضغط الخدمات

تشكل قضية الهجرة غير الشرعية أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات في عدن، مع تزايد أعداد المهاجرين القادمين من دول القرن الأفريقي، وما يرافق ذلك من ضغوط على الخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، ناقش وكيل وزارة الداخلية لقطاع الأمن والشرطة، اللواء محمد الأمير، مع وفد المنظمة الدولية للهجرة، سبل تعزيز التعاون في إدارة ملف الهجرة، بما يشمل إنشاء مراكز استقبال للمهاجرين، وبناء قاعدة بيانات متكاملة.

اجتماع يمني مع مسؤولي منظمة الهجرة الدولية (إعلام حكومي)

كما استعرضت السلطات المحلية في عدن، خلال لقاءات مع مسؤولي المنظمة، الأوضاع الإنسانية للمهاجرين في المخيمات، والصعوبات المرتبطة بإدارتها، خصوصاً في الجوانب الصحية والخدمية. وتم التأكيد على ضرورة تسريع برامج العودة الطوعية، وتوسيع نطاقها، بما يخفف من الأعباء على المدينة ويحسن أوضاع المهاجرين.

وأبدت المنظمة الدولية للهجرة استعدادها لتعزيز تدخلاتها، بما في ذلك تنفيذ مشاريع في قطاع التعليم وتأهيل المدارس، في خطوة تهدف إلى دعم المجتمعات المستضيفة إلى جانب المهاجرين.

جاهزية حكومية

على الصعيد الاقتصادي، كثفت الحكومة اليمنية من اجتماعاتها لتقييم الجاهزية لمواجهة أي تداعيات محتملة للتصعيد الإقليمي. وفي هذا الإطار، ترأس رئيس الوزراء شائع الزنداني، اجتماع لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، لمراجعة الأوضاع التموينية والنقدية والخدمية.

وأظهرت الإحاطات المقدمة خلال الاجتماع مؤشرات إيجابية نسبياً، حيث تم التأكيد على استقرار الأوضاع التموينية، واستمرار تدفق المشتقات النفطية، وانتظام حركة الطيران، إلى جانب توفر السلع الأساسية في الأسواق.

كما شددت الحكومة على تعزيز الرقابة على الأسواق، ومكافحة التهريب، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، خصوصاً في مجالات الكهرباء والوقود، في ظل التحديات القائمة.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أهمية رفع مستوى التنسيق بين الجهات المعنية، والاستجابة السريعة لأي مستجدات، بما يحافظ على الاستقرار الاقتصادي ويخفف من الأعباء على المواطنين.


حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended