الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»

«المجتمع المدني»... بديلاً للأحزاب التقليدية لكن بوجوه قديمة

الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»
TT

الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»

الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»

يسيطر على المشهد السياسي في الجزائر حالياً، نشاط غير عادي لتنظيمات ما يسمى «المجتمع المدني»، لاكتساح انتخابات البرلمان المبكّرة المقررة يوم 12 يونيو (حزيران) المقبل. وتنظر غالبية الأحزاب، بما فيها الموالية للسلطة، بعين الريبة للقضية لقناعة لديها بأن الرئاسة تبحث عن تشكيل غالبية برلمانية لصالح الرئيس عبد المجيد تبّون، خارج الأحزاب السياسية، وهذا بعكس ما دأبت عليه السلطة في الـ20 سنة الماضية.
«نداء الوطن» و«المسار الجديد»... تكتلان كبيران يضمان المئات من الجمعيات الصغيرة والنقابات والناشطين في الأحياء الشعبية في مجالات الثقافة والعمل الخيري الجواري، أطلقتهما الرئاسة خلال الأشهر الماضية بغرض إعداد لوائح الترشيحات؛ تحسباً لانتخابات البرلمان المقررة بعد ثلاثة أشهر. ويرتقب أن يكتسح المنتسبون لهذين الكيانين، «المجلس الشعبي الوطني» في نسخته الجديدة، ويعوَل عليهما الرئيس تبَون لتشكيل «غالبيته» البرلمانية التي ستدعم سياساته وكل مشاريعه، وبخاصة مشاريع القوانين التي يريدها لتعزيز سلطته الرئاسية في الولاية الأولى (2019 – 2024). وحلَ الرئيس «المجلس الوطني» مطلع الشهر الماضي، وفي رأيه أن ذلك «يستجيب لمطالب الحراك».
يقود «النداء» نزيه بن رمضان، المستشار في الرئاسة المكلف المجتمع المدني والمهاجرين الجزائريين في الخارج، وسبق له أن كان برلمانياً في حزب «الحركة الشعبية الجزائرية» الموالي للرئيس السابق. ورئيسه وزير التجارة سابقاً عمارة بن يونس، سُجن بتهم فساد بعد سقوط بوتفليقة.
أما «المسار» فيرأسه منذر بودن، قيادي «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي يرأسه أحمد أويحيى، رئيس الوزراء ومدير مكتب بوتفليقة سابقاً، الذي يقضي حالياً عقوبة 12 سنة في السجن بتهم تبديد المال العام واستغلال النفوذ والتربّح غير المشروع. وفوق هذا، كان بودن ضمن طاقم حملة الولاية الخامسة لبوتفليقة التي أسقطها الحراك. ولقد دافع بن مضان عن «استقلال نداء الجزائر عن السلطة». وصرّح للإعلام بأن «المبادرة ليست لجنة مساندة لأي أحد، ويقودها أشخاص نزهاء ولا تشبه المبادرات السابقة، لكن هناك مَن يعمل على تهديم كل الروابط الهادفة إلى تغيير حقيقي، كما أنهم يهاجمون كل مسعى إيجابي».
المثير في الحركية السياسية التي يرعاها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون، أن الذين يديرونها وجوه موروثة من العهد السابق، بينما يرفع هو «راية الجزائر الجديدة» و«القطيعة مع ممارسات الماضي ووجوهه»!... واللافت أيضاً أن تبّون أعاد إلى الواجهة، العديد من المسؤولين من فترة حكم بوتفليقة. فقبل أسابيع قليلة، أحدث تعديلاً جزئياً على حكومته، حمل تعيين علي بوغازي، قارئ خطب الرئيس السابق، وزيراً للسياحة. وكذلك أعاد إلى وزارة البيئة دليلة بوجمعة، التي شغلت هذا المنصب في الولاية الرابعة لبوتفليقة (2014 – 2019).
ومن ثم، كان أول من انتقد مسعى استبدال الأحزاب بالمجتمع المدني، في العمل السياسي، هو الحزب الإسلامي «حركة مجتمع السلم». إذ ذكر الحزب في بيان له، أن «من خصائص المجتمع المدني المفيد، أن يكون متعاوناً مع محيطه الرسمي وغير الرسمي، ولكن ضمن وظيفته المجتمعية التشاركية، وليس الوظيفة السياسية التمثيلية». وأبرز أن المجتمع المدني «لا يستفيد من الدولة إلا ضمن قوانين مناسبة لحرية التأسيس والمبادرة، وضمن دعم يكون على أساس عقود برامجية شفافة، تمنح حسب الفاعلية لصالح المجتمع وليس لأغراض سياسية تفسده وتفسد المجتمع».
وأكد هذا الحزب الإسلامي أيضاً، أن «الممارسات المتكررة في التسخير السياسي لبعض منظمات المجتمع المدني، خصوصاً على مقربة من الانتخابات، ومحاولات تشكيل قوى ومبادرات جديدة بتشجيع من أطراف تتحدث باسم الدولة، مركزياً ومحلياً، هو ممارسة مكشوفة تذكرنا بأجواء سابقة معروفة العواقب، حيث ستفرز مرة أخرى فقاعات من الزبونية والسلوكيات الطفيلية والانتهازية التي لم ينفع البلد نظيراتها في وقت سابق، والمضرة بالعملية السياسية والمنفرة من الانتخابات، والخطيرة على حاضر ومستقبل البلاد». وفي هذا إشارة إلى ممارسات مشابهة ميّزت فترة حكم بوتفليقة، وذلك بإطلاق «لجان مساندة لبرنامج الرئيس»، كانت أحد أساسات حكم بوتفليقة وقوة ضاربة خلال حملاته في انتخابات الرئاسة، كما كانت دعامة للأحزاب الموالية للسلطة التي سيطرت على البرلمان لمدة 20 سنة.
- المجتمع المدني... جمعيات مساندة أم سلطة مضادة؟
يملك أستاذ التاريخ والناشط السياسي البارز محند ارزقي فرّاد، رؤية لهذا الموضوع. فقد كتب يقول «كثر حديث السلطة في الآونة الأخيرة حول مفهوم (المجتمع المدني)، فهل تفعل ذلك من أجل توعية المجتمع وتحريره وتنويره؟ أم من أجل المغالطة والالتفاف على مطالب الحراك الشعبي الهادفة إلى بناء منظومة سياسية جديدة، أساسها الحرية والعدل والقانون وسيادة الشعب؟».
وأضاف «لقد ترسّخ مفهوم المجتمع المدني في الثقافة الديمقراطية في العالم الحرّ، كقيمة من القيَم العاملة على حفظ توازن الدولة واحترام حقوق الإنسان وتكريس حق الاختلاف والحوار كوسيلة لمعالجة الخلافات. يُقصد بمفهوم المجتمع المدني تلك الجمعيات والنقابات والتنظيمات المتنوّعة، التي يشكلها الأفراد والجماعات للدفاع عن مصالح وقيم وأهداف مشتركة ولزرع أخلاق (الإيثار العام) في المجتمع، ويتم ذلك خارج نفوذ الدولة والحكومة. ومن ثمّ فهو (أي المجتمع المدنيّ) لا ينتمي إلى المجتمع السياسي الذي تشكل فيه الأحزاب السياسية عموده الفقري».
وبحسب فرَاد، أهمّ ما يميّز نشاط جمعيات ونقابات المجتمع المدني، هو «الاستقلالية بكل دلالاتها عن المجتمع السياسيّ، وكذا الطابع التطوّعي في خدمة الصالح العام (عمل خيري غير ربحيّ)، وهذا من أجل الحفاظ على قدرتها في التأثير على مراكز القرار السياسي بالنقد البناء، سواءً عن طريق الكتابة أو بالنشاط الميداني (مظاهرات/ إضرابات/ وقفات احتجاجية، وما إلى ذلك من أساليب النضال السلمية المضمونة بقوة الدساتير)».
ثم تابع «من سمات المجتمع المدني أيضاً، أنه ليس له طموح سياسي للوصول إلى السلطة، فهذه الأخيرة هي علّة وجود الأحزاب السياسية التي تنشأ أصلاً من أجل المنافسة الشريفة، للوصول إلى السلطة بإرادة الشعب. ويعتبر المجتمع المدني إحدى آليات الرقابة على المجتمع السياسيّ، بأدائه دور السلطة المضادة المراقبة للحكومات، ولمحاربة الفساد السياسيّ، ولدرء أخطار الانزلاق إلى أتون الممارسات الشمولية، كما تندرج (ثقافة الحوار) ضمن فلسفة المجتمع المدني كوسيلة لإيجاد الحلول للتناقضات التي تعتمل في أعماق المجتمع. هذه هي الرؤية الشاملة للمجتمع المدني وعلاقته بالمجتمع السياسي، وما عدا ذلك فهو يعتبر حالة استثنائية تندرج ضمن مقولة (الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه)».
وتساءل فرّاد «هل فهم حكامنا مصطلح (المجتمع المدنيّ) فهماً صحيحاً؟... توحي ممارسات السلطة العاملة على إعادة «رسكلة» فئة الانتهازيين الموالين للنظام السياسي - الذين تملؤهم ذهنية القطيع والعلف - أنّ الحكام عندنا يروّجون الفهم السقيم لمصطلح المجتمع المدني، عن عمد وسبق إصرار وبنيّة مخادعة الرأي العام؛ لذلك تراهم يختزلونه في كونه لجاناً مساندة للسلطة القائمة؛ وهذا ما يجعلني لا أستبعد احتمال توجيه الانتخابات البرلمانية القادمة، لصالح هذه الفئة التي دأب أصحابها على بيع ضمائرهم مقابل مغانم وامتيازات غير مشروعة».
وتابع «لعل ما يوحي بذلك جعجعة حديث السلطة عن لجان المساندة لها، والمنسوبة ظلماً وقسراً إلى المجتمع المدني، وقد صارت هذه الجعجعة تصمّ الآذان، من خلال أخبار القنوات الإعلامية العمومية المصادرة من طرف السلطة، وصار ممثلو هذه اللجان يصولون ويجولون في المنابر الإعلامية المسموعة والمرئية والمقروءة، في الوقت الذي يعاني فيه (حراك الشعب) من المقاطعة والإقصاء، كأن الشعب الجزائري لم يصنع ثورة بيضاء أثارت إعجاب العالم بوعيها وسلميتها!».
وأكد فرّاد، وهو قيادي سابق في «جبهة القوى الاشتراكية»، أقدم حزب معارض، أن «من آليات المخادعة الواردة في سياق توظيف مفهوم المجتمع المدني خارج سياقه الصحيح، مغازلة حكّامنا لبعض الشباب بعبارة (المشاركة السياسية) التي يختزلونها في الاستشارة والمساندة فقط، في حين أن المشاركة السياسية الحقيقية تتجسّد في رقابة المجتمع المدني للحكام وفي اختيارهم وفي إسقاطهم» ولفت هنا إلى ما تناوله الكاتب غسان الخالد في أحد مؤلفاته قائلاً «تعني المشاركة السياسية في الدولة الحديثة أن المجتمع المدني بتكويناته المختلفة، قادر على التأثير في اتخاذ القرارات ذات العلاقة المباشرة أو الطويلة الأمد بحياته ومصيره، قد يصل في حدّه الأقصى إلى عملية صياغة شكل الدولة نفسها، بما في ذلك اختيار النظام السياسي وانتخاب الحكومة ومحاسبتها وتغييرها بشكل دوريّ، في إطار تداول السلطة الخاضع للمحاسبة، وذلك من خلال الانتخابات القائمة على البرامج الانتخابية».
- دور الحراك في قلب المعادلة
هذا، وأمام إصرار الرئيس تبّون على تنفيذ خريطة الطريق المسطَرة قبل انتخابات الرئاسة، والتي أهم ما فيها تعديل الدستور (وقد تم) وتنظيم تشريعيات مبكّرة، يطرح قطاع من نشطاء الحراك إشكالية تحوَّله إلى حزب لينافس الأحزاب الموالية للسلطة في الانتخابات، وتكون لديه بالتالي فرصة لفرض رؤيته للتغيير في البرلمان. ولن يكون ذلك إلا باختيار ممثلين له، بحسب أصحاب هذا الطرح.
هنا يقول المحلل السياسي، محمد هنَاد عن هذه القضية «الحراك ليس تياراً سياسياً أو زعامات سياسية. إنه إرادة جماعية تسعى لفرض التغيير على السلطة ومختلف القوى السياسية من أجل قيام نظام سياسي يتماشى وروح العصر، نظام يشتغل بمؤسسات مشبَّعة بروح المواطنة وليس بولاءات، تاريخية كانت أو دينية. إن الذين يصرون على تمثيل الحراك، إما لأنهم لا يدركون مخاطره أو هم ممن يريدون إجهاضه - زرّاع فوضى وعناصر في أجهزة السلطة - أو لأنهم يريدون انتهاز فرصته تحقيقاً لطموحات سياسية؛ وهذا أمر متوقَّع على أي حال».
وأكد هنَاد أن «المشكل عندنا يكمن، أصلاً، في مواصلة اعتبار السياسة صراعاً من أجل الغلبة وليس من أجل التنافس على حسن الأداء في تدبير شؤون الجماعة الوطنية. من بين المشكلات التي تجعل مهمة السلطة الحالية في غاية الصعوبة؛ كونها فاقدة للمشروعية لأنها لم تأتِ نتيجة انتخاب حقيقية، بل نتيجة أجندة انفرادية. كذاك، لا بد ألا ننسى الظروف التي تمت فيها الانتخابات الرئاسية. من الواضح أنها كانت انتخابات منقوصة المشروعية، وذلك لثلاثة أسباب: أولاً، تم تنظيمها رغم أنف الحراك. ثانياً، نسبة المشاركة فيها كانت هزيلة، لا سيما بالنظر إلى الوضع الحرج الذي كانت الجزائر تمر به. ثالثاً، هناك منطقة بأكملها (منطقة القبائل) من الوطن لم تنتخب! فكيف يمكن للرئيس الحالي أن يفكر في زيارتها يوماً ما؟».
من جهته، كتب الصحافي نجيب بلحيمر، الذي يوصف بـ«كاتب الحراك»، على حسابه بـ«فيسبوك»، قائلاً «تعلم السلطة جيداً أنها لا تملك الموارد والكفاءات التي تسمح لها بتسيير المرحلة بطريقة آمنة. كل ما تعِد به هو مزيد من الانتخابات الفاقدة للمصداقية والعاجزة عن إبداع حلول. ولأنها لا تملك أي رؤية ولا تستطيع أن تفكر في تغيير الاتجاه؛ فإنها ستعيد العمل بخيارات قديمة أثبتت فشلها منذ سنوات، لكنها تحولت منذ سنتين إلى السير فوق رمال متحركة».
وأردف «لا تمثل السلمية (الطابع السلمي للمظاهرات) أي خطر على البلاد، فهي التنبيه الذي يصدر من جزائريين يعنيهم شأن وطنهم. لكن في مقابلها تمثل السلطة الحاكمة تهديداً حقيقياً لاستقرار الجزائر ومستقبلها؛ فالمظاهرات لم تمنع الحكومة من أداء مهامها، ولم تمنع المسؤول الأول في البلاد من إظهار الحد الأدنى من الأهلية لتولي المنصب الذي يشغله، وهي لم تمنع وسائل الإعلام الواقعة تحت سيطرة السلطة من إقناع الناس. والذين يشتغلون منذ أكثر من سنة بالحديث عن نهاية الحراك، عليهم أن يبشّروا الجزائريين بما هو أفضل منه، أو يساعدوا السلطة بما أوتوا من حكمة».
ثم تابع «الخراب السياسي الذي خلفته ثلاثة عقود من الاستبداد والرداءة، أفرغ السياسة من المعنى. والقواعد التي فرضها نظام حكم لم يشارك الجزائريون في صياغته ولم يكونوا أبداً طرفاً فيه، انتهت صلاحيتها اليوم، وما تدفع باتجاهه السلطة اليوم هو حالة من (استحالة الحكم) لا ينبه إلى خطورتها إلا هذا الشارع، الذي قررت فئة من الجزائريين أن تبقيه مفتوحاً كفضاء وحيد متاح للتعبير الحر والكفاح من أجل المواطنة».
> أهم المحطات منذ بداية الحراك الشعبي الجزائري
- 22 فبراير (شباط) 2019: خروج الجزائريين إلى الشارع للاحتجاج على ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة.
- 02 أبريل (نيسان): بوتفليقة يقدم استقالته لرئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، بعدما أمره رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح بالتنحّي في اليوم نفسه، وذلك خلال اجتماعه بقادة النواحي العسكرية وكوادر وزارة الدفاع.
- 09 أبريل: تعيين رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح رئيساً للدولة، لمدة 90 يوماً وفقاً للمادة 102 من الدستور، بعدما أعلن رسمياً الشغور النهائي لمنصب رئيس الجمهورية إثر استقالة عبد العزيز بوتفليقة.
- 02 سبتمبر (أيلول): رئيس أركان الجيش يصرّح بأنه «يستحسن» أن يكون استدعاء الهيئة الانتخابية تحسباً للاقتراع الرئاسي في يوم 15 من الشهر نفسه. وبذلك جرى تحديد تاريخ الاستحقاق بعد 3 أشهر كما ينص عليه الدستور.
- 12 ديسمبر (كانون الأول): إجراء انتخابات الرئاسة بترشح 6 شخصيات سياسية. ولقد بلغت نسبة التصويت 38.9 في المائة. وعلى الأثر أعلن فوز عبد المجيد تبّون بحصوله على نسبة 58.2 في المائة من الأصوات.
- في 23 ديسمبر: وفاة قائد الجيش الفريق قايد صالح بسكتة قلبية. وعُدّ غيابه «خسارة للجناح المعادي للمتنفذين المتشبّعين بالثقافة الفرنكفونية في الحكم».
- 8 يناير (كانون الثاني) 2020: تبّون يكلف لجنة خبراء مكوّنة من 17 عضواً، بقيادة الخبير الدستوري الدولي أحمد لعرابة، بإعداد مسوّدة دستور جديد، خلال 3 أشهر كحد أقصى. وتضمنت المسوّدة اقتراحات عديدة، أهمها: استحداث منصب نائب للرئيس، وتوسيع صلاحيات رئيس الحكومة، ورفع الحظر عن تنفيذ الجيش عمليات خارج الحدود للمرة الأولى.
- 4 يوليو (تموز): الرئيس يعلن رغبته إجراء استفتاء حول التعديل الدستوري.
- 19 سبتمبر: تجمع لداعمي الرئيس تمخّض عن مولد «تكتل المسار الجديد».
- 01 نوفمبر (تشرين الثاني): إجراء استفتاء تعديل الدستور. وبلغت فيه نسبة المشاركة 23 في المائة.
- 03 نوفمبر: الرئاسة تعلن إصابة الرئيس تبّون بفيروس «كوفيد – 19». ولقد نقل بعد ثلاثة أيام إلى ألمانيا لتلقي العلاج. استشفاء الرئيس استغرق 3 أشهر. وعاد مطلع عام 2021 للتوقيع على قانون الموازنة، وعلى مرسوم التعديل الدستوري. لكنه بعد أسبوعين، عاد إلى ألمانيا لإجراء عملية جراحية على رجله بسبب تبعات الإصابة بالفيروس.
- 18 فبراير 2021: تبّون يعلن حل «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية الأولى)، ولاحقاً دعا لانتخابات برلمانية وحدّد يوم 12 يونيو (حزيران) تاريخاً لها.
- 6 مارس (آذار): انعقاد اجتماع كبير لداعمي سياسة الرئيس، انتهى بالإعلان عن تكتل للمجتمع المدني سُمّي «نداء الوطن».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.